5 - (باب قَوْلِهِ) تعالى، وليس في بعض النُّسخ لفظ ( {فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ} ) أي رسول الملك ليُخرجه من السَّجن ( {قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ} ) أي اسأله عن حقيقة شأنهنَّ؛ ليعلم براءتي عن تلك التُّهمة، وأراد بذلك حسم مادة الفساد عنه؛ لئلا ينحطَّ قدره عند الملك، ولعلَّ معظم غرضه عليه السَّلام أن لا يقعَ خلل في الدَّعوة، وإظهار النبوَّة، وقال {فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ} [يوسف 50] ولم يقل فاسأله أن يفتِّشَ عن حالهنَّ تهييجًا له على تحقيقِ الحال، ولم يتعرَّض لامرأة العزيز مع ما صنعت به كرمًا ومراعاة للأدب، وعبَّر بما التي يسأل بها
ج 20 ص 50
عن حقيقة الشَّيء ظاهرًا.
( {إِنَّ رَبِّي} ) أي العالم بخفيَّات الأمور ( {بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ} ) حين قُلنَ أطعْ مولاتك، أو أنَّ كلَّ واحدةٍ منهنَّ طمعت فيه، فلمَّا لم تجد مطلوبها منه طعنت فيه، ونسبته إلى القبيحِ، فرجع الرَّسول من عند يوسف عليه السَّلام إلى الملك، فدعا النِّسوة وامرأة العزيز فلمَّا حضرنَ ( {قَالَ} ) أي الملك لهنَّ ( {مَا خَطْبُكُنَّ} ) أي ما شأنكنَّ ( {إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ} ) هل وجدتنَّ منه ميلًا إليكنَّ، فنزهنه متعجبات من كمال عفَّته حيث ( {قُلْنَ حَاشَى لِلَّهِ} ) أي معاذ الله {مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ} أي من فاحشة، كذا سيقت الآية في رواية غير أبي ذرٍّ، وفي روايته ، ثم فسَّر قوله {حَاشَ لِلَّهِ} .
(وَحَاشَ) بغير ألف بعد الشين (وَحَاشَى) بألف (تَنْزِيهٌ) في رواية الأكثرين بالنون بعدها زاي مكسورة، ثم تحتانية ساكنة، وفي رواية حكاها القاضي عياض بالموحدة والراء والهمزة، من البراءة (وَاسْتِثْنَاءٌ) قال أبو عُبيدة في قوله {حَاشَ لِلَّهِ} الشين مفتوحة بغير ياء، وبعضهم يدخلها في آخره كقول الشاعر
~حَاشَا أَبِي ثَوْبَانَ إنَّ بِهِ ضَنَّا
ومعناه التَّنزيه والاستثناء عن الشرِّ، تقول حاشيته أي استثنيته، وقد قرأ الجمهور بحذف الألف بعد الشين، وأبو عَمرو بإثباتها في الوصل، واقتضى كلام المؤلِّف أنَّ إثبات الألف وحذفها سواء لغة، وقيل إنَّ حذف الألف لغة أهل الحجاز دون غيرهم، وحذف الألف بعد الحاء لغة، وقرأ بها الأعمش، واختلف في أنَّها حرف أو اسم أو فعل فقيل هو فعل متعدٍ منصرف، تقول حاشيته بمعنى استثنيته، ويؤيِّده قول النَّابغة
~ولاَ أُحَاشِي مِنَ الأقْوامِ مِنْ أَحَدِ
فإنَّ تصريف الكلمة من الماضي إلى المستقبل دليل فعليَّتها، وقيل إنَّها اسم مرادفٌ للتَّنزيه بدليل قراءة بعضهم (( حاشًا لله ) )بالتنوين كما يُقال براءة من كذا، وزعم بعضُهم أنَّها اسم فعل معناها أتبرأ أو برئت، وقيل إنها كلمة استثناء؛ فذهب سيبويه وأكثرُ البصريين إلى أنها حرف دائمًا بمنزلة إلَّا، لكنَّها تجر المستثنى، وذهب الجرمي والمازني والمبرَّد والزَّجاج والأخفش وأبو زيد والفرَّاء وأبو عَمرو الشَّيباني إلى أنَّها تستعملُ كثيرًا حرفًا جارًا، وقليلًا فعلًا متعديًا جامدًا؛ لتضمُّنها معنى إلَّا.
ج 20 ص 51
( {حَصْحَصَ} وَضَحَ) أشار به إلى قوله تعالى {قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الْآَنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ} [يوسف 51] وفسَّر (( حَصْحَصَ ) )بقوله «وضح» . قال أبو عُبيدة أي السَّاعة وضح الحقُّ وتبيَّن. وقال الخليل معناه تبيَّن وظهر بعد خفاء، وقيل ذهب الباطل والكذب فانقطع، وتبين الحق وظهر، والأصل فيه حص فقيل حصحص كما يُقال في كف كفكف، وقيل أصل الحص استئصال الشَّيء، يُقال حصَّ شعره إذا استأصله جزًا بحيث ظهرت بشرته، وقيل هو مأخوذٌ من الحصَّة؛ أي ظهرت حصَّة الحقِّ من حصَّة الباطل، وهذا إنَّما قالته امرأة العزيز؛ لما علمت أنَّ هذه المناظرات والتَّفحصات إنما وقعت بسببها، وقيل إنَّ النِّسوة أقبلنَ عليها يقررنها، وقيل خافت أن يشهدنَ عليها، فاعترفت، وهذه شهادة لما راعى جانبها، ولم يذكرها، فعرفت أنَّه ترك ذكرها تعظيمًا لها، فكافأته على ذلك، فكشفت الغطاء واعترفت أنَّ الذَّنب كله من جانبها، وأنَّه كان مبرءًا عن الكلِّ.