5195 - (حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ) الحَكَم بن نافع، قال (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابنُ أبي حمزة دينار الحمصي، قال (حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ) بكسر الزاي وتخفيف النون، عبد الله بن ذكوان (عَنِ الأَعْرَجِ) هو عبد الرَّحمن بن هرمز، كذا قال شعيب، عن أبي الزِّناد، وقال ابن عُيينة عن موسى بن أبي عُثمان، عن أبيه (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ) وفي رواية أبي ذرٍّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لاَ يَحِلُّ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَصُومَ) أي نفلًا أو واجبًا على التراخي (وَزَوْجُهَا) ويلتحق به السيد بالنسبة إلى أمته التي يحلُّ له وَطْؤُها. ووقع في رواية همام (( وبعلها ) )وهي أفيدُ؛ لأنَّ ابن حزم نقل عن أهل اللُّغة أنَّ البعل اسم للزَّوج والسيد، فإن ثبتَ وإلَّا ألحق السَّيد بالزَّوج للاشتراك في المعنى.
(شَاهِدٌ) أي حاضرٌ مُقيم (إِلاَّ بِإِذْنِهِ) يعني في غير صيام أيَّام رمضان، كما تقدَّم، وكذا في غير رمضان من الواجب إذا تضيَّق الوقت، والمراد بالإذن الصَّريح؛ وهل يقومُ ما يَقْتَرن به علامةُ رِضاه مقامَ التَّصريح بالرضا؟ فيه كلام، وإنَّما لم يجز لها الصَّوم بغير إذنه؛ لأنَّ العادةَ أنَّ المسلم يهابُ انتهاك الصَّوم بالإفساد، ولا شك في أنَّ الأَولى له خلافُ ذلك، وإن جاز إفساد صومها إذا أراد الاستمتاع.
والمفهوم من تقييده بالشَّاهد يقتضي جوازَ التَّطوع لها إذا كان زوجها مسافرًا، وقد تقدَّم أنها لو صامت وقدم في أثناء صيامها فله إفسادُ صومها من غير كراهة. وفي معنى الغيبة أنَّ يكون مريضًا بحيث لا يستطيع الجماع.
وحمل المهلَّب النَّهي المذكور على التَّنزيه فقال هو من حُسن المعاشرة، ولها أن تفعلَ من غير الفرائض بغير إذنه ما لا يضرُّه ولا يمنعُه من واجباتهِ، وليس له أن يبطلَ شيئًا من طاعةِ الله تعالى إذا دخلت فيه بغير إذنه. انتهى. وهذا خلاف الظَّاهر من الحديث.
وفي الحديث أنَّ حقَّ الزَّوج آكدُ على المرأة من التَّطوع بالخير؛ لأنَّ حقَّه واجبٌ، والقيامُ بالواجبِ مُقَدَّمٌ على القيام بالتَّطوع.
(وَلاَ تَأْذَنَ) أي ولا يحلُّ لها أن تأذنَ لأحدٍ رجل أو امرأة أن يدخلَ (فِي بَيْتِهِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ) لأنَّ ذلك يوجب سوء الظَّنِّ ويبعث على الغيرة التي هي سبب القطيعة. وزاد في رواية مسلم من طريق همام، عن أبي هريرة رضي الله عنه (( وهو شاهد إلَّا بإذنه ) )، وهذا القيدُ لا مفهوم له، بل خرج مخرج الغالب،
ج 22 ص 612
وإلَّا فغيبة الزَّوج لا تقتضي الإباحةَ للمرأة أن تأذنَ لمن يدخل بيته، بل يتأكد عليها حينئذٍ المنعُ لورود الأحاديث الصَّحيحة في النَّهي عن الدخول على المغيبات؛ أي من غاب عنها زوجُها.
ويحتمل أن يكون له مفهوم، وذلك أنَّه إذا حَضَرَ تيسَّر استئذانُه، وإذا غاب تعذَّر، فلو دعت الضَّرورة إلى الدخول عليها لم تفتقر إلى استئذانه لتعذره، ثم هذا كله فيما يتعلَّق بالدُّخول عليها.
أمَّا مُطلق الدُّخول في البيت بأن تأذن لشخصٍ في دخول موضعٍ من حقوق الدَّار التي هي فيها، أو إلى دارٍ منفردةٍ عن مسكنها، فالذي يظهرُ أنَّه لا يفتقر إلى الإذن فيه للضَّرورة، والضَّرورات مُستثناة في الشَّرع.
وقال النَّووي في هذا الحديث إشارة إلى أنَّه لا يفُتاتُ على الزوج بالإذن في بيته إلَّا بإذنه، وهو محمولٌ على ما لا تعلمُ رضى الزَّوج به، أمَّا لو علمت رضى الزَّوج بذلك فلا حرجَ عليها كمَن جرت عادتُه بإدخال الضِّيفان موضعًا مُعَدًّا لهم سواء كان حاضرًا أم غائبًا، فلا يفتقرُ إدخالهم إلى إذنٍ خاصٍّ لذلك، وحاصلُه أنَّه لا بدَّ من اعتبار إذنه تفصيلًا أو إجمالًا.
(وَمَا أَنْفَقَتْ) أي المرأة (مِنْ نَفَقَةٍ) من ماله (عَنْ غَيْرِ أَمْرِهِ) أي أمر زوجها الصَّريح، وفي الفرع بكسر الهمزة وفتح الراء بعدها تاء تأنيث (فَإِنَّهُ يُؤَدَّى) بفتح الدال المشددة (إِلَيْهِ شَطْرُهُ) أي نصفه، والمراد به نصف الأجر، كما جاء واضحًا في رواية همام، عن أبي هُريرة رضي الله عنه في البيوع [خ¦2066] ، ويأتي في النفقات بلفظ [خ¦5360] (( إذا أنفقتِ المرأة من كسبِ زوجها عن غيرِ أمره فله نصفُ أجره ) ). وفي رواية أبي داود (( فلها نصف أجره ) ). وأغرب الخطَّابي فحمل قوله (( يؤدى إليه شطره ) )على المال المنفق، وأنَّه يلزم المرأة إذا أنفقتْ بغير أمرِ زوجها زيادةً على الواجب لها أن تغرَّم القدر الزائد، وأن هذا هو المراد بالشَّطر في الخبر؛ لأنَّ الشَّطر يُطلق على النِّصف وعلى الجزء.
قال ونفقتُها معاوضةٌ، فتُقَدَّرُ بما يُوازيها من الفضل، ويُرَدُّ الفَضْلُ عن مقدار الواجب، وإنما جاز لها في قدر الواجب لقصَّة هند (( خذي من ماله بالمعروف ) ). انتهى.
ج 22 ص 613
وما ذُكِرَ من الرواية الأخرى يردُّ عليه، وتقييده بقوله (( عن غير أمره ) )معناه على ما قال النَّووي عن غير أمره الصَّريح في ذلك القدر المعين، ولا ينفي ذلك وجودُ إذنٍ سابق عام يتناولُ هذا القدر وغيره إمَّا بالصَّريح أو بالعرف. قال ويتعين هذا التأويل لجعل الأجر بينهما نصفين، ومعلوم أنَّها إذا أنفقت من ماله بغير إذنهِ لا الصَّريح ولا المأخوذ من العرف لا يكون لها أجر، بل عليها وزرٌ، فيتعيَّن تأويله.
قال واعلم أنَّ هذا كلَّه مفروضٌ في قدر يسير يُعْلَمُ رضى المالك به عرفًا، فإن زاد على ذلك لم يجز. ويؤيِّده قوله في حديث عائشة رضي الله عنها الذي مرَّ في كتاب الزكاة [خ¦1425] والبيوع [خ¦2065] (( إذا أنفقت المرأةُ من طعام بيتها غير مفسدة ) )، فأشار إلى أنَّه قدر يُعْلَمُ رضى الزَّوج به في العادة. قال ونبَّه بالطَّعام أيضًا على ذلك؛ لأنَّه ممَّا يسمحُ به عادة، بخلاف النَّقدين في حقِّ كثير من الناس، وكثيرٍ من الأحوال.
هذا، ويُحْتَمَلُ أن يكون المرادُ بالنَّصف في حديث الباب الحَمْلُ على المال الذي يُعطيه الرجل في نفقةِ المرأة، فإذا أنفقتْ منه بغير عِلْمهِ كان الأجر بينهما للرَّجل لكونه الأصلَ في اكتسابهِ، ولكونهِ يُؤجر على ما يُنفقه على أهله كما ثبتَ من حديث سعد بن أبي وقاص وغيره، وللمرأةِ لكونه من النَّفقة التي تختصُّ بها. ويؤيِّد هذا الحمل ما أخرجه أبو داود عقبَ حديث أبي هريرة رضي الله عنه هذا قال في المرأة تصدق من بيت زوجها، قال (( لا إلَّا من قوتها والأجر بينهما، ولا يحلُّ لها أن تصدَّق من مال زوجها إلَّا بإذنه ) ).
وأمَّا ما أخرجه أبو داود وابن خُزيمة من حديث سعد رضي الله عنه، قال قالت امرأة يا نبيَّ الله، إنا كَلٌّ على آبائنا وأزواجنا وأبنائنا، فما يحلُّ لنا من أموالهم؟ قال (( الرَّطْب تأكُلْنَه وتُهْدِينه ) ). وأخرج التِّرمذي وابن ماجه عن أبي أمامة رضي الله عنه رفعه (( لا تنفق امرأةٌ شيئًا من بيت زوجها إلَّا بإذنه ) )قيل ولا الطَّعام؟ قال (( ذاك أفضلُ أموالنا ) )وظاهرهما التَّعارض.
ج 22 ص 614
ويمكن الجمع بأنَّ المرادَ بالرُّطب ما يتسارعُ إليه الفساد فأَذِنَ فيه؛ بخلاف غيره، ولو كان طعامًا.
ومطابقة الحديث للترجمة في قوله (( ولا تأذن في بيته إلَّا بإذنه ) ).
(وَرَوَاهُ) أي روى الحديثَ المذكورَ (أَبُو الزِّنَادِ) عبدُ الله بن ذكوان (أَيْضًا عَنْ مُوسَى) أي ابن أبي عثمان (عَنْ أَبِيهِ) أبي عثمان الذي يقال له التَّبَّان، بمثناة فوقية ثم موحدة ثقيلة، واسمه سعيد. ويقال عمران، وهو مولى المغيرة بن شعبة رضي الله عنه، وليس له في البخاري سوى هذا الموضع.
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (فِي الصَّوْمِ) أي خاصة، وقد وصل حديثَه أحمد والنَّسائي والدَّارمي والحاكم من طريق الثَّوري، عن أبي الزِّناد، عن موسى بن أبي عثمان بقصَّة الصَّوم فقط. والدَّارمي أيضًا وابن خُزيمة وأبو عَوَانة وابن حبَّان من طريق سفيان بن عُيينة، عن أبي الزِّناد، عن الأعرج، به. قال وأبو عَوَانة في رواية علي بن المديني حدثنا به سفيان بعد ذلك، عن أبي الزِّناد، عن موسى بن أبي عثمان فراجعتُه فيه فثبتَ على موسى ورجع عن الأعرج.
وأشار المصنِّف بهذا إلى أنَّ رواية شعيب، عن أبي الزِّناد، عن الأعرج اشتملتْ على ثلاثة أحكام، وأنَّ لأبي الزِّناد أيضًا إسنادًا آخر عن موسى المذكور في الصَّوم خاصَّة، وهو معنى قوله في الصَّوم.