2 - (باب) وسقط في أكثر الرِّوايات لفظ ، وساقوا الآية إلى {من المسلمين} ( {وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ} ) أي قطعنا بهم، وقُرئ (( وَجَوَّزْنَا ) ) ( {الْبَحْرَ} ) هو بحر القُلزُم _ وهو بضم القاف والزاي _ بين مصر ومكة. وحكى ابن السَّمعاني بفتح القاف.
وفي «المشترك» القلزمُ بليدة بساحل بحر اليمن من جهة مصر، ومن أعمالِ مصر يُنسبُ البحر إليها، فيُقال بحرُ القلزم، وبالقربِ منها غرق فرعون. واسم فرعون هنا الوليد بن مصعب بن الرَّيان أبو مرَّة. وقال الثَّعلبي أبو العبَّاس، من بني عمليق بن لاوذ بن سام بن نوح عليه السَّلام.
وذكر عبد الرَّحمن عن عمِّه أبي زرعة حدثنا عَمرو بن حمَّاد حدثنا أسباط، عن السُّدي قال خرج موسى عليه السلام في ستمائة ألف وعشرين ألف مقاتل، لا يَعُدُّون فيهم ابن عشرين سنة لصغرهِ، ولا ابن ستين لكبره.
( {فَأَتْبَعَهُمْ} ) أي أدركهم ولحقهم ( {فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ} ) عند شروق الشَّمس، وكانوا فيما قيل ألف ألفٍ وسبعمائة ألف، وفيهم مائة ألف حصان ليس فيها أنثى. وقال ابن مَرْدويه بإسناده عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما مرفوعًا (( كان مع فرعون سبعون قائدًا، مع كلِّ قائد سبعون ألفًا، وكان فرعون في الدهم، وهارون عليه السَّلام على مقدِّمة بني إسرائيل، وموسى عليه السَّلام في السَّاقة، فلمَّا قربت مقدمة فرعون منهم قال بنو إسرائيل لموسى عليه السَّلام هذا البحر أمامنا إن دخلنا غرقنا، وفرعون خلفنا إن أدركنا قُتلنا، قال موسى عليه السَّلام كلا إن معي ربِّي سيهدين، فأوحى الله إليه أن اضرب بعصاك البحر، فضربه فانفلق فكان كل فرق كالطَّود العظيم، وصار اثني عشر طريقًا لكل سبط واحد، وأمر الله الرِّيح فنشفت أرضه، وتخرَّق الماء بين الطُّرق كهيئة الشبابيك؛ ليرى كل قوم الآخرين؛ لئلا يظنُّوا أنهم هلكوا، وجاوزت بنو إسرائيل البحر، فلمَّا خرجوا منه انتهى فرعون وجنوده إلى حافته من الناحية الأخرى، فلمَّا رأى ذلك هاله وأحجم وهاب وهم بالرُّجوع، وهيهات ولات حين مناص نفذ القدر، واستجيبت الدَّعوة، وجاء جبريل على فرس أنثى، وخاض البحر، فلمَّا شم
ج 19 ص 585
أدهم فرعون ريح فرس جبريل عليه السَّلام اقتحم وراءه، ولم يملك من أمره شيئًا، واقتحمت الخيول خلفه في البحر، وميكائيل عليه السَّلام في ساقتهم يسوقهم لا يترك أحدًا منهم إلا ألحقه بهم، فلمَّا تكاملوا وهمَّ أولهم بالخروج منه أمر الله القادر القاهر البحر فانطبق عليهم فلم ينج منهم أحد، وجعلت الأمواج ترفعهم وتخفضهم، وتراكمت الأمواج فوق فرعون )) .
( {بَغْيًا وَعَدْوًا} ) تقدَّم إعرابهما قريبًا ( {حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ} ) أي حتى إذا أدرك فرعون الغرق وغشيته سكراتُ الموت، وكان يوم عاشوراء ( {قَالَ} ) وهو كذلك حين لا ينفعُ نفسًا إيمانها ( {آمَنْتُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ} ) كرَّر الإيمان ثلاث مرَّات حرصًا على القبولِ، وما علم اللَّعين أن التَّوبة عند المعاينة غير نافعة، (( فلم يك ينفعهُم إيمانهم لما رأوا بأسنا ) ) [غافر 85] ولو كان قالها مرَّة واحدة في حالةِ الاختيار لقبل منه ذلك. ولذا قال الله تعالى في جواب فرعون {آَلْآَنَ} أي أتؤمن وقت الاضطرار {وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ} ، وفي حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما عند أحمد وغيره مرفوعًا (( لمَّا قال فرعون {آَمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آَمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ} [يونس 90] قال لي جبريل عليه السَّلام لو رأيتني وقد أخذتُ من حال البحر فَدَسَّيْتُه في فيهِ مخافة أن تناله الرَّحمة ) ). ورواه التِّرمذي وقال حسنٌ.
وحال البحر هو طينُه الأسود، والمعنى لو رأيتني لرأيت أمرًا عجيبًا يبهت الواصف عن كنههِ، فإنِّي لما شاهدت تلك الحالة عمدتُ إلى حال البحر، فدسستُه في فيه مخافة أن تدركه الرَّحمة؛ لسعتها غضبًا على عدو الله تعالى؛ لادعائهِ تلك العظيمة.
والحاصل أنَّه إنما فعل ذلك غضبًا لله تعالى، وعلمًا منه أنَّه لا ينفعه الإيمان، لا أنَّه كره إيمانه؛ لأنَّ كراهة الإيمان من الكافرِ كفر، لكن قال أبو منصور الماتريدي في «التأويلات» الرِّضى بالكفر ليس بكفر مطلقًا، إنَّما يكون كذلك إذا رضي بكفر نفسهِ لا بكفر غيره، ويؤيِّده قصَّة ابن أبي سرح المروية في «سنن» أبي داود والتِّرمذي، والنَّسائي لمَّا جاء يوم الفتح بين يدي النَّبي صلى الله عليه وسلم، وطلب المبايعة ثلاث مرَّات، وكلُّ ذلك يأبى، ثمَّ بايعه، ثمَّ أقبل على الصَّحابة فقال
ج 19 ص 586
(( أما كان فيكم رجلٌ رشيدٌ يقوم إلى هذا حين رآني كففتُ عن بيعته فيقتله ) )الحديث.
وقيل إنَّما قصد فرعون بقوله الخلاص، أو لأنَّه كان لمجرد التَّقليد كما قال {آَمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ} فكأنَّه قال لا أعرفه فكيف يزول كفره بهذا التَّقليد؟.
وقد روي أنَّ جبريل عليه السَّلام كان قال له ما قولك في عبد لرجل نشأ في ماله ونعمتهِ، فكفر نعمته، وجحدَ حقَّه، وادَّعى السيادة دونه، فكتب جزاء العبد الخارج على سيِّده الكافر لنعماه أن يغرقَ في البحر، فلمَا ألجمه الغرقُ ناوله جبريل عليه السَّلام خطه فعرفه.
وقد سقط قوله < {فَأَتْبَعَهُمْ} . .. إلى آخره> في رواية أبي ذرٍّ، وقال .
( {نُنَجِّيكَ} نلقيك على نجوة من الأرض وهو) أي النجوة (النَّشز) بفتح النون والشين المعجمة وآخره زاي (المكان المرتفع) أشار به إلى قوله تعالى {فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آَيَةً} [يونس 92] .
وفسَّر {نُنَجِّيكَ} بقوله «نلقيك» . .. إلى آخره، وأشار بهذا إلى أن (( ننجيك ) )مشتقٌّ من النَّجوة، لا من النَّجاة التي بمعنى السَّلامة، وقيل هو بمعناها، والمراد ممَّا وقع فيه قومك من قعر البحر، وفسَّر النَّجوة بقوله «وهو النَّشز» بمعنى المكان المرتفع. قال أبو عبيدة في قوله تعالى {فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ} أي نلقيك على نجوة؛ أي على ارتفاع. انتهى. والنَّجوة هي الرَّبوة المرتفعة، وجمعها نِجا _ بكسر النون _. وقال الزَّمخشري {نُنَجِّيكَ} بالتشديد والتخفيف معناه نبعدك ممَّا وقع فيه قومك من قعر البحر، وقيل نلقيك بنجوة من الأرض، وقد قرأ ابن مسعود وابن السميفع وغيرهما (( نُنَحِّيكَ ) )بالحاء المهملة المشددة؛ أي نلقيك بناحية ممَّا يلي البحر؛ ليراك بنو إسرائيل.
قال كعب رماه إلى السَّاحل كأنَّه ثور، وسبب ذلك فيما أخرجه عبد الرزَّاق عن ابن التَّيمي عن أبيه عن ابن السَّليل عن قيس بن عباد أو غيره قال قال بنو إسرائيل لم يمت فرعون فأخرجه الله تعالى [إليهم ينظرون إليه كالثور الأحمر، وهذا موقوف رجاله ثقات وعن معمر عن قتادة قال لما أغرق الله فرعون لم يُصدِّق طائفة من الناس بذلك فأخرجه الله تعالى] ؛ ليكون لهم عظة وآية. وروى ابنُ أبي حاتم من طريق الضَّحاك عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما قال لمَّا خرج موسى عليه السَّلام وأصحابه قال من تخلَّف من قوم فرعون ما غرق فرعون وقومه، ولكنَّهم في جزائر البحر
ج 19 ص 587
يتصيَّدون، فأوحى الله تعالى إلى البحر أن الفِظْ فرعون عريانًا، فلفظه، فألقاه على نجوة من الأرض على ساحل البحر عريانًا أصلع أخينس قصيرًا، فهو قوله تعالى {فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ} [يونس 92] .
وقال مقاتل قال بنو إسرائيل إن القبطَ لم يغرقوا، فأوحى الله تعالى إلى البحر فطفا بهم على وجهه، فنظروا فرعون على الماء، فمن ذلك اليوم إلى يوم القيامة تطفو الغرقى على الماء، فذلك قوله تعالى {لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آَيَةً} بمعنى لمن بعدك إلى يوم القيامة.
وقال الثَّعلبي قالت بنو إسرائيل لمَّا أخبرهم موسى عليه السَّلام بهلاك القبط ما مات فرعون، ولا يموت أبدًا، فأمر الله تعالى البحر فألقى فرعون على السَّاحل أحمر قصيرًا، كأنَّه ثور، فرآه بنو إسرائيل، فمن ذلك اليوم لا يقبل البحر ميِّتًا أبدًا. فإن قيل قد ذكر أنَّ نوحًا عليه السَّلام لما أرسلَ الغراب لينظر له الأرض رأى جيف الغرقى، فلهى بها عن حاجة نوح عليه السَّلام.
فالجواب أنَّ الماء كان قد نضب، فلهذا رأى الجيف، وهنا إنَّما هو مع وجود الماء واستقراره، وقوله تعالى {بِبَدَنِكَ} أي بجسدك، قاله مجاهد. رواه ابنُ أبي حاتم من طريق ابن أبي نجيح عنه. ومن طريق أبي صخر المدني قال البدن الدِّرع الذي كان عليه، وكانت له درع من ذهبٍ يُعرف بها، وقرأ أبو حنيفة (( بأبدانك ) ). قال الزَّمخشري يعني ببدنك كله وافيًا بأجزائه.