34 - (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ [1] ) وبه أستعين.
(كِتَابُ البُيُوعِ) لما فرغ المؤلِّف رحمه الله من بيان العبادات التي المقصود منها التَّحصيل الأُخروي، شرع في بيان المعاملات التي المقصود منها بحسب الظَّاهر التحصيل الدُّنيوي، فقدَّم العبادات للاهتمام بها، ثمَّ ثنَّى بالمعاملات؛ لأنَّها ضرورية، وأخَّر النكاح؛ لأنَّ شهوته متأخِّرةٌ عن الأكل والشُّرب ونحوهما، وأخَّر الجنايات والمخاصمات؛ لأنَّ وقوع ذلك في الغالب إنَّما هو بعد الفراغ من شهوة البطن والفرج، وأغرب ابن بطَّال فذكر هنا الجهاد، وأخَّر البيع إلى أن فرغ من الأيمان والنذور.
وقال صاحب «التوضيح» ابن الملقِّن ولا أدري لم فعل ذلك، وكذلك قدَّم الصَّوم على الحج أيضًا.
وقال العينيُّ لعلَّه نظر إلى أنَّ الجهاد أيضًا من العبادات فإن جُلَّ المقصود منه التحصيل الأخروي، ففيه إعلاء كلمةِ الله تعالى، وإظهار الدين ونشر الإسلام، وبعض أصحابنا قدَّم النِّكاح على البيوع في مصنَّفاتهم نظرًا إلى أنَّه مشتملٌ على المصالح الدينية والدنيوية، ألا ترى أنَّه أفضل من التخلِّي في النوافل، وبعضهم قدَّم البيوع على النكاح نظرًا إلى أنَّ احتياج الناس إلى البيع أكثرُ من احتياجهم إلى النكاح، فكان أولى بالتقديم.
هذا، ولمَّا كان مدار أمور الدِّين على خمسة أشياء هي الاعتقادات، والعبادات، والمعاملات، والزواجر، والآداب. فالاعتقادات محلُّها علم الكلام، والعبادات قد بيَّنها، شَرَعَ في بيان المعاملات، وقدَّم منها البيوع نظرًا إلى كثرة الاحتياج إليه كما مرَّ آنفًا، ثمَّ إنَّه ذكر لفظ (( الكتاب ) )؛ لأنَّه مشتملٌ على الأبواب، وجمع البيع لاختلاف أنواعه وهي البيع المطلق إن كان بيع العين بالثمن، والمقايضة إن كان بيع عينٍ بعين، والسَّلَم إن كان بيع دينٍ بعين، والصرف إن كان بيع ثمنٍ بثمَن، والمرابحةُ إن كان بالثمن مع زيادة، والتولية
ج 10 ص 1
إن لم يكن مع زيادة، والوضيعة إن كان بالنقصان، واللازم إن كان باتًّا، وغير اللازم إن كان بالخِيار، والصحيح والباطل والفاسد.
ثمَّ إنَّ للبيع تفسيرًا لغة، وشرعًا، وركنًا، وشرطًا، ومحلاًّ، وحكمًا، وحكمة.
أمَّا تفسيره لغة فمطلق المبادلة، وهو ضدُّ الشراء، بمعنى الاشتراء، ويقال للبيع أيضًا الشراء، يقال باعه الشَّيء وباعه منه وشراه بمعنىً، وابتاع الشَّيء وشراه بمعنى اشتراه، وأباعه عرَّضه للبيع، وبايعه مبايعة وبياعًا عارضه بالبيع، والبيِّعان البائع والمشتري، وجمعه باعة، والبياعات الأشياء المبتاعة للتجارة، ورجل بيوع جيِّد البيع، وبيَّاع كثيرُ البيع، ذكره سيبويه فيما قاله ابن سِيْدَه.
وحكى النَّوويُّ عن أبي عبيدة أباع بمعنى باع، قال وهو غريبٌ شاذٌّ، وفي «الجامع» أبعته أبيعه إباعة إذا عرَّضته للبيع، ويقال بعته وأبعته بمعنىً واحدٍ، وقال ابنُ طريف في باب فعل وأفعل باتِّفاق معنى باع الشَّيء وأباعه عن أبي زيد وأبي عبيدة.
وفي «الصحاح» والشيء مبيعٌ ومبيوع، والبياعة السلعة، ويقال بِيْعَ الشَّيء على البناء للمفعول إنْ شئت كسرت الباء، وإن شئت ضممتها وقلبت الياء واوًا، وإن شئت أشممتَها.
وقال ابنُ قتيبة بعتُ الشيء بمعنى بعته، وبمعنى اشتريته، وشريت الشَّيء بمعنى اشتريته، وبمعنى بعته، ويقال استبعته؛ أي سألته البيع، قال الخليل المحذوفُ من مَبِيع واو مفعول؛ لأنَّها زائدة، فهي أَولَى بالحذف، وقال الأخفش المحذوف عين الكلمة، وقال المازريُّ كلاهما حسن، وقول الأخفش أقيس، وقيل سمِّي البيع بيعًا؛ لأنَّ البائع يمدُّ باعه إلى المشتري حالةَ العقد غالبًا، ورُدَّ هذا بأنَّه غلط؛ لأنَّ الباع من ذوات الواو، والبيع من ذوات الياء.
وأمَّا تفسيره شرعًا فهو مبادلة المالِ بالمال على سبيل التراضي.
وأمَّا ركنه فالإيجاب والقبول.
وأمَّا شرطه فأهلية المتعاقدين.
وأمَّا محلُّه فهو المال؛ لأنَّه ينبئ عنه شرعًا.
وأمَّا حكمه فهو ثبوت الملك للمشتري في المبيع، وللبائع في الثمن إذا كان تامًّا، وعند الإجازة إذا كان موقوفًا.
وأمَّا حكمته
ج 10 ص 2
فهي اتِّساق أمور الدنيا ونظام المعاش، وبقاء العالم إلى ما شاء الله تعالى، فإنَّ حاجة الإنسان تتعلَّق غالبًا بما في يد صاحبه، وصاحبه قد لا يبذله له، ففي تشريع البيع وسيلةٌ إلى بلوغ الغرض من غير حرجٍ، وإلا فقد يفضي الأمر إلى التَّقاتل، والتنازع، والنَّهب، والسَّرقة، والطرِّ، والخيانات، والحِيَل المكروهة وغير ذلك، فيختلُّ نظام المعاش، ففي تشريع البيعِ إطفاء نار المنازعات، ومشروعيَّة البيع ثابتةٌ بالكتاب لما سيجيءُ من الآيات وبالسنَّة أيضًا، وهي أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم بُعِث والنَّاس يتعاملون فأقرَّهم عليه.
وقد أجمع المسلمون من لدنْ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا مشروعيَّته، والله أعلم.
(وَقَوْلُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ) بالرفع عطفًا على المضاف في كتاب البيوع، وقيل ليس فيه واو العطف، وإنَّما أصل النُّسخة هكذا كتاب البيوع، قال الله تعالى ( {وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} ) قد ذكر الله عز وجلَّ قبل هذا النُّظم الجليل أَكَلةَ الربا بقوله {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا} [البقرة 275] أي الآخذون له، وإنَّما ذكر الأكل؛ لأنَّه أعظم منافع المال؛ ولأنَّ الرِّبا شائعٌ في المطعومات، وهو زيادةٌ في الأجل بأن يباع مطعوم بمطعومٍ، أو نقد بنقدٍ إلى أجل، أو في العوض بأن يباع أحدهما بأكثر منه من جنسه.
{لَا يَقُومُونَ} إذا بعثوا من قبورهم {إِلَّا كَمَا يَقُوْمُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ} أي إلَّا قيامًا كقيام المصروع، وهو واردٌ على ما يزعمون أنَّ الشَّيطان يتخبَّط الإنسان فيصرعه، والخبطُ ضربٌ على غير اتِّساقٍ، كخبط العشواء {مِنَ الْمَسِّ} أي الجنون، وهذا أيضًا من زعماتهم أنَّ الجنيَّ يمسُّه فيختلط عقله، ولذلك قيل جُنَّ الرَّجل، وهو متعلِّقٌ بـ {لَا يَقُومُونَ} أي لا يقومون من المسِّ الذي بهم بسبب أكل الرِّبا أو بـ {يَقُومُ} أو بـ {يَتَخَبَّط} فيكون نهوضهم وسقوطهم كالمصروعين لا لاختلال عقلهم، ولكن لأنَّ الله تعالى أربى في بطونهم ما أكلوه من الرِّبا فأثقلهم. يقال إنَّهم يبعثون يوم القيامة قد انتفخت بطونهم كالحيَّات، وكلَّما قاموا سقطوا والناس يمشون عليهم، فيكون ذلك علامة أكل الرِّبا، ويقال يكون بمنزلة المجنون.
{ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا} أي ذلك العقاب بسبب أنَّهم نظَّموا الربا والبيع في سلكٍ واحد؛ لإفضائهما إلى الرِّبح فاستحلُّوه استحلاله.
وكان الأصل إنَّما الربا مثل البيع ولكن عكس للمبالغة، كأنَّهم
ج 10 ص 3
جعلوا الربا أصلًا وقاسوا به البيع، والفرق بيِّن فإنَّ من أعطى درهمين بدرهمٍ ضيَّع درهمًا، ومن اشترى سلعةً تساوي درهمًا بدرهمين، فلعلَّ مساس الحاجة إليها وتوقُّع رواجها يجبر هذا الغبن، فردَّ الله تعالى عليهم بقوله {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} [البقرة 275] إنكارًا لتسويتهم، وإبطالًا للقياس لمعارضة النصِّ.
وقال ابن كثير قوله {وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} يحتمل أن يكون من تمام كلامهم اعتراضا على الشَّرع؛ أي هذا مثل هذا، وقد أحلَّ هذا وحرَّم هذا، ويحتمل أن يكون من كلام الله تعالى ردًّا عليهم، انتهى.
وتمام الآية {فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ} أي وعظٌ {مِنْ رَبِّهِ} في القرآن في بيان تحريم الرِّبا {فَانْتَهَى} عن أكل الرِّبا {فَلَهُ مَا سَلَفْ} يعني ليس عليه ردُّه فيما مضى قبل النَّهي، ولا إثم عليه قبل النَّهي؛ لأنَّ الحجَّة لم تقم عليه ولم يعلم بحرمته، وأمَّا اليوم فمن تاب عن الربا فلا بدَّ له من أن يردَّ الفضل، ولا يكون له ما سلف؛ لأنَّ حُرمَة الربا ظاهرةٌ ثابتةٌ بين المسلمين؛ لأنَّ كتاب الله فيهم {وَأَمْرَهُ إِلَى اللهِ} في المستأنفِ إن شاء عصمه وإن شاء لم يعصمه، أو المعنى والله أعلم يجازيهِ على انتهائه، وإن كان عن قبول الموعظة بصدق النيَّة {وَمَنْ عَادَ} إلى استحلال الرِّبا {فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيْهَا خَالِدُوْنَ} .
قال ابن مسعودٍ رضي الله عنه آكلُ الرِّبا، وموكله، وكاتبه، وشاهده ملعونونَ على لسان محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، وروي عنه صلى الله عليه وسلم (( سيأتي على النَّاس زمانٌ لا يبقى أحدٌ إلا آكل الرِّبا، ومن لم يأكل الربا أصابه من غباره ) )، وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنَّه قال (( الربا بضعٌ وسبعون بابًا، أدناها كإتيان الرَّجل أمَّه ) )يعني الزاني بأمِّه.
وقال الإمام الشافعيُّ للعلماء في هذه الآية أربعة أقوال أحدها أنَّها عامَّةٌ، فإنَّ لفظها لفظ عمومٍ يتناول كلَّ بيعٍ ويقتضي إباحة جميعها إلَّا ما خصَّه الدليل، قال في «الأم» وهذا أظهر معاني الآية الكريمة، وقال صاحب «الحاوي» والدَّليل لهذا القول (( أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم نهى عن بيوعٍ كانوا يعتادونها ) )، ولم يبيِّن الجائز، فدلَّ على أنَّ الآية تناولت إباحة جميع البيوع إلَّا ما خصَّ منها، وبيَّن صلى الله عليه وسلم المخصوص منها.
القول الثاني إنَّ الآية مجملةٌ لا يعقل منها صحَّة بيعٍ من فساده إلَّا ببيان من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
القول الثالث تتناولهما جميعًا، فيكون عامًّا دخله التَّخصيص، ومجملًا لحقِّه التفسير لقيام الدَّلالة عليهما.
القول الرابع إنَّها تناولت بيعًا معهودًا، ونزلت بعد أن أحلَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم بيوعًا، وحرَّم بيوعًا، فقوله {أَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ} أي البيع الذي بيَّنه صلى الله عليه وسلم من قبل، وعرفه المسلمون، فتناولت الآية بيعًا معهودًا، ولهذا دخلت اللام العهدية. ومباحث الشافعيِّ وغيره تدلُّ على أنَّ البيوع الفاسدة تسمَّى بيوعًا، وإن كان لا يقع بها الحنث لبناء الأيمان على العرف. وقال الغزاليُّ وأجمعت الأمَّة على أنَّ المبيع بيعًا صحيحًا يصير بعد انقضاء الخيار ملكًا للمشتري، وأن البيع سببٌ لإفادة الملك. وفي هذه الآية دلالةٌ على مشروعيَّة البيع وأنَّه سبب للملك، وأنَّ الربا الذي يعمل بصورة البيع حرامٌ.
(وَقَوْلُهُ تَعَالَى) عطفٌ على قوله (( وقول الله
ج 10 ص 4
عزَّ وجلَّ )) ( {إلاَّ أنْ تَكُونَ} ) استثناءٌ منقطعٌ من قوله تعالى {فَاكْتُبُوهُ} في أوائل آية المداينة، أعني قوله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ} [البقرة 282] ( {تِجَارَةٌ حَاضِرَةٌ} ) بالرفع على أنَّه الاسم والخبر ( {تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ} ) أي تتعاطون إياها يدًا بيد، والمعنى لكن إذا كان البيع بالحاضر يدًا بيد ( {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا} ) لبعده عن التَّنازع والنسيان، ويحتمل أن يكون قوله {تكون} تامَّة فحينئذٍ يكون قوله تعالى {تُدِيْرُونَهَا بَيْنَكُم} صفةٌ لقوله {تِجَارَةٌ حَاضِرَةٌ} والتِّجارة الحاضرة تعمُّ المبايعة بدينٍ أو عين؛ لأنَّ كون أحد العوضين دينًا ثابتًا في الذِّمَّة لا ينافي كون التِّجارة حاضرةً؛ لأنَّ التجارة عبارةٌ عن التَّصرُّف، وقرأ عاصمٌ بنصب {تِجَارَةً حَاضِرَةً} على أنَّه خبر والاسم مضمر تقديره إلَّا أن تكون التِّجارةُ تجارةً حاضرةً كقوله
~بَنِي أَسَدٍ هَلْ تَعْلَمُوْنَ بَلَاءَنَا إِذَا كَانَ يَوْمًا ذَا كَوَاكِبَ أَشْنَعَا
أي إذا كان اليوم يومًا.
وقال بعض المفسِّرين قوله {حَاضِرَةٌ} يعني يدًا بيد، وقوله {تُدِيْرُونَهَا بَيْنَكُمْ} يعني ليس فيها أحدٌ؛ أي أباح الله تعالى ترك الكتابة فيها؛ لأنَّ ما يخاف من النَّساء والتأجيل يؤمن في هذه الحالة.
وأشار المؤلِّف رحمه الله بهذه القطعة من الآية الكريمة إلى مشروعيَّة البيع بهذه الآية أيضًا، ثمَّ إنَّ هاتين الآيتين هنا وجدت في أكثر الروايات ولم يذكرها النَّسفيُّ، ولا أبو ذرٍّ.
[1] في هامش الأصل قد بدئ بحمد الله تعالى في تحرير هذه القطعة العاشرة من (( شرح الجامع الصحيح ) )ليلة الجمعة الثانية عشر من ليالي شهر رجب المرجب من شهور سنة ست وثلاثين ومئة وألف يسر الله بالخير إتمامها وإتمام ما يتلوها إلى آخر الكتاب بحرمة النبي صلى الله عليه وسلم والآل والأصحاب رضوان الله عليهم أجمعين.