فهرس الكتاب

الصفحة 10563 من 11127

7132 - (حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ) الحكم بن نافعٍ، قال (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) ابن شهابٍ، أنَّه قال (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) بتصغير الأوّل وتكبير الثّاني (ابْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ) سعد بن مالكٍ الخُدريَّ رضي الله عنه (قَالَ حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وفي رواية أبي ذرٍّ (يَوْمًا حَدِيثًا طَوِيلًا عَنِ الدَّجَّالِ، فَكَانَ فِيمَا يُحَدِّثُنَا بِهِ أَنَّهُ قَالَ يَأْتِي الدَّجَّالُ) إلى ظاهر المدينة (وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْهِ أَنْ يَدْخُلَ نِقَابَ الْمَدِينَةِ) بكسر النّون جمع نَقْب بفتحها وسكون القاف، مثل خَيْل وخِيَال وكلب وكِلَاب، وهو الطَّريق بين الجبلين، وقيل هو بقعةٌ بعينها.

(فَيَنْزِلُ) بالفاء، وفي رواية أبي ذرٍّ عن الحموي والمستملي بغير فاء (بَعْضَ السِّبَاخِ) بكسر السّين المهملة وتخفيف الموحّدة وبعد الألف خاء معجمة، جمع سبخةٍ أرضٌ لا تنبت شيئًا لملوحتها خارج المدينة من غير جهة الحرَّة وهي (الَّتِي تَلِي الْمَدِينَةَ) من قبل الشَّام.

(فَيَخْرُجُ إِلَيْهِ) من المدينة (يَوْمَئِذٍ رَجُلٌ، وَهْوَ خَيْرُ النَّاسِ، أَوْ مِنْ خِيَارِ النَّاسِ) قيل هو الخضر عليه السَّلام (فَيَقُولُ أَشْهَدُ أَنَّكَ الدَّجَّالُ الَّذِي حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدِيثَهُ) وفي رواية أبي الودَّاك عن أبي سعيدٍ عند مسلمٍ

ج 29 ص 486

(( فيتوجَّه قبله رجلٌ من المؤمنين فتلقاه مسالح الدَّجَّال فيقولون أوما تؤمن بربِّنا؟ فيقول ما بربِّنا خفاء، فينطلقون به إلى الدَّجَّال بعد أن يريدوا قتله، فإذا رآه قال يا أيُّها النَّاس هذا الدَّجَّال الَّذي ذكره رسول الله صلى الله عليه وسلم ) ).

وفي رواية عطيَّة (( فيدخل القُرى كلَّها غير مكَّة والمدينة حرِّمتا عليه، والمؤمنون متفرِّقون في الأرض فيجمعهم الله فيقول رجلٌ منهم والله لأنطلقنَّ فلأنظرنَّ هذا الَّذي أنذَرَناه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فيمنعه أصحابه خشية أن يفتتنَ به، فيأتي حتَّى إذا أتى أدنى مسلحةٍ من مسالحهِ أخذوه فسألوه ما شأنه، فيقول أريد الدَّجَّال الكذَّاب فيكبتونه فيقول أرسلوا به فلمَّا رآه عرفه، فيقول أنت الدَّجَّال الكذَّاب الَّذي أنذرناه رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فيقول له الدَّجَّال لتطيعني فيما أمرت به، أو لأشقنَّك شقَّين فينادي يا أيَّها النَّاس هذا المسيح الدَّجَّال الكذَّاب ) ).

(فَيَقُولُ الدَّجَّالُ) أي لأوليائه، كما في رواية عطيَّة، وهذا يردُّ قول من قال إنَّ المؤمنين يقولون له ذلك؛ أي قوله لا كما سيجيء (أَرَأَيْتُمْ إِنْ قَتَلْتُ هَذَا) الرَّجل الَّذي خرج إليه (ثُمَّ أَحْيَيْتُهُ، هَلْ تَشُكُّونَ فِي الأَمْرِ) أي الَّذي يدَّعيه من الإلهية (فَيَقُولُونَ) أي أوليائه من أتباعه (لاَ) وعلى قول من قال إنَّ المقول له هم المؤمنون يكون مرادهم لا نشكُّ في كفرك وبطلان قولك وهو خلاف الظَّاهر أيضًا.

(فَيَقْتُلُهُ، ثُمَّ يُحْيِيهِ) وفي رواية أبي الوداك عن أبي سعيدٍ عند مسلم (( فيأمر به الدَّجَّال فيقول خذوه وشجّوه فيوسع ظهره وبطنه ضربًا، فيقول أما تؤمن بي؟ فيقول أنت المسيح الدَّجَّال الكذَّاب، فيؤمر به فينشرُ بالمنشار من مفرقه حتِّى يفرقَ بين رجليه، ثمَّ يمشي الدَّجَّال بين القطعتين ثمَّ يقول له قم فيستوي قائمًا، ثمَّ يقول له أتؤمن بي؟ ) ). وفي حديث النَّوَّاس بن سمعان عند مسلمٍ (( فيدعو رجلًا ممتلئًا شبابًا فيضربه بالسَّيف فيقطعه جزلتين، ثمَّ يدعوه فيقبل ويتهلَّل وجهه يضحك ) ). وفي رواية عطيَّة (( فيأمر به فيمدُّ رجليه ثمَّ يأمر بحديدةٍ فتوضع على عَجْب ذنبه، ثمَّ يشقُّه شقَّين، ثمَّ قال الدَّجَّال لأوليائه أرأيتم إن أحييتُ لكم هذا ألستم تعلمون أنِّي ربُّكم؟ فيقولون نعم، فيأخذ عصا فضرب أحد شقَّيه فاستوى قائمًا، فلمَّا رأى ذلك

ج 29 ص 487

أولياؤه صدَّقوه وأيقنوا بذلك أنَّه ربُّهم )) وعطيَّة ضعيفٌ.

وفي حديث عبد الله بن معتمر بسندٍ ضعيفٍ (( ثمَّ يدعى برجلٍ فيما يرون فيؤمر به فيقتل ثمَّ يقطع أعضاؤه كلُّ عضوٍ على حدةٍ، فيفرِّق بينهما حتَّى يراه النَّاس ثمَّ يجمعها ثمَّ يضربُ بعصاه فإذا هو قائمٌ، ثمَّ يقول أنا الله الَّذي أميت وأحيي ) ). قال وذلك كلُّه سحرٌ يسحر أعين النَّاس ليس يعمل من ذلك شيئًا. وهو سندٌ ضعيفٌ.

قال ابن العربيِّ هذا اختلافٌ عظيمٌ يعني في قتله بالسَّيف أو بالمنشار، قال فيجمع بأنَّهما رجلان يقتل كلًّا منهما قتلةً غير قتلة الآخر كذا قال، والأصل عدم التَّعدد، ورواية المنشار تفسير رواية الضَّرب بالسيف، فلعلَّ السَّيف كان فيه فُلولٌ فصار كالمنشار، أو أراد المبالغة في تعذيبه بالقتلة المذكورة ويكون قوله (( فضربه بالسَّيف ) )مفسِّرًا بقوله (( أنَّه نشره ) )، وقوله (( فيقطعه جزلتين ) )إشارةً إلى آخر أمره لما ينتهي نشره.

قال ابن العربيِّ وقد وقع في قصَّة الَّذي قتله الخضر أنَّه وضع يده في رأسه فاقتلعه، وفي أخرى فأضجعه بالسِّكين فذبحه فلم يكن بدٌّ من ترجيح إحدى الرِّوايتين على الأخرى لكون القصَّة واحدةٌ، وقد تقدَّم في (( تفسير الكهف ) ) [خ¦4725] بيان التَّوفيق بين الرِّوايتين.

(فَيَقُولُ) الرَّجل (وَاللَّهِ مَا كُنْتُ فِيكَ أَشَدَّ بَصِيرَةً مِنِّي الْيَوْمَ) لأنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبر أنَّ ذلك من جملة علاماته، وفي رواية أبي الوداك (( ما ازددتُ فيك إلَّا بصيرةً، ثمَّ يقول يا أيُّها النَّاس إنَّه لا يفعل بعدي بأحدٍ من النَّاس ) ). وفي رواية عطيَّة (( فيقول له الدَّجَّال ألا تؤمن بي؟ فيقول أنا الآن أشدُّ بصيرةً فيك منِّي، ثمَّ نادى في النَّاس يا أيُّها النَّاس هذا المسيح الكذَّاب من أطاعه فهو في النَّار، ومن عصاه فهو في الجنَّة ) ).

ونقل ابن التِّين عن الدَّاوديّ أنَّ الرَّجل إذا قال ذلك للدَّجال ذابَ كما يذوبُ الملح في الماء، كذا قال، والمعروف أنَّ ذلك إنَّما يحصل إذا رأى عيسى بن مريم عليهما السَّلام.

(فَيُرِيدُ الدَّجَّالُ أَنْ يَقْتُلَهُ فَلاَ يُسَلَّطُ عَلَيْهِ) وفي رواية أبي الوداك (( فيأخذه الدَّجَّال ليذبحه فيجعل ما بين رقبته إلى ترقوته نحاسٌ فلا يستطيع إليه سبيلًا ) ). وفي رواية عطيَّة (( فقال له الدَّجَّال لتطيعني أو لأذبحنَّك، فقال والله

ج 29 ص 488

لا أطيعك أبدًا، فأمر به فأضجع فلا يقدرُ عليه ولا يتسلَّط عليه إلَّا مرَّةً واحدةً )) . وفي رواية عطيَّة (( فأخذ يديه ورجليه فألقي في النَّار، وهي غير ذات دخانٍ ) ). وفي رواية أبي الوداك (( فيأخذ بيديه ورجليه فيقذف به فيحسب النَّاس أنَّما قذفه إلى النَّار وإنَّما ألقي في الجنَّة ) ). وزاد في رواية عطيَّة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( ذلك الرَّجل أقرب أمَّتي وأرفعهم درجةً ) ). وفي رواية أبي الوداك (( هذا أعظم شهادةً عند ربِّ العالمين ) )، ووقع في «صحيح مسلم» عقب رواية عبيد الله بن عبد الله بن عُتبة قال أبو إسحاق يقال إنَّ هذا الرَّجل هو الخضرُ، كذا أطلق فظنَّ القرطبيُّ أنَّ أبا إسحاق المذكور هو السَّبيعيّ أحد الثِّقات من التَّابعين، ولم يصب في ظنِّه فإنَّ السَّند المذكور لم يجرِ لأبي إسحاق فيه ذكرٌ، وإنَّما هو أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن سفيان الزَّاهد راوي «صحيح مسلم» عنه كما جزم به القاضي عياض والنَّووي وغيرهما.

وقد ذكر ذلك القرطبيُّ في «تذكرته» أيضًا قبل فكان قوله في الموضع الثَّاني السَّبيعي سبق قلم.

قال الحافظ العسقلانيُّ ولعلَّ مستنده في ذلك ما قاله معمر في «جامعه» بعد ذكر هذا الحديث قال معمر بلغني أنَّ الَّذي يقتله الدَّجَّال الخضر، وكذا أخرجه ابن حبَّان من طريق عبد الرَّزَّاق عن معمرٍ قال كانوا يرون أنَّه الخضر.

وقال ابن العربيِّ سمعت من يقول إنَّ الَّذي يقتله الدَّجَّال هو الخضر وهذه دعوى بلا برهانٍ.

قال الحافظ ابن حجرٍ العسقلانيُّ وقد يتمسَّك من قاله بما أخرجه ابن حبَّان في «صحيحه» من حديث أبي عبيدة بن الجراح رفعه في ذكر الدَّجَّال (( لعلَّه أن يدركه بعض من رآني، أو سمع كلامي ) )الحديث.

ويعكِّر عليه قوله في روايةٍ لمسلم تقدَّم التَّنبيه عليها (( شابٌّ ممتلئٌ شبابًا ) )، ويمكن أن يجاب بأن من جملة خصائص الخضر أن لا يزال شابًا، ويحتاج إلى دليلٍ، انتهى.

قال الخطابيُّ فإن قيل كيف يجوز أن يجري الله الآية على يدي الكافر، فإنَّ إحياء الموتى آية عظيمةٌ من آيات الأنبياء، فكيف ينالها الدَّجَّال وهو كذَّاب مفترٍ يدَّعي الرُّبوبية؟.

فالجواب أنَّه على سبيل الفتنة للعباد، إذ كان عنده ما يدلُّ على أنَّه مبطلٌ غير محقٍّ في دعواه، وهو أنَّه أعور مكتوبٌ على جبهته كافرٌ يقرأه كل مسلمٍ، فدعواه داحضةٌ مع وسم الكفر ونقص الذَّات والقَدْر، إذ لو كان إلهًا لأزال ذلك عن وجهه، وآيات الأنبياء سالمة من المعارضة

ج 29 ص 489

فلا يشتبهان.

وقال الطَّبري لا يجوز أن يعطى أعلام الرُّسل لأهل الكذب والإفك في الحالة الَّتي لا سبيل لمن عاين ما أتى به إلَّا الفصل بين المحقِّ منهم والمبطل، فأمَّا إذا كان لمن عاين ذلك السَّبيل إلى علم الصَّادق من الكاذب ممن ظهر ذلك على يده، فلا ينكر إعطاء الله ذلك للكذَّابين. فهذا بيانٌ أنَّ الَّذي أعطيه الدَّجَّال من ذلك فتنةً لمن شاهده، ومحنةً لمن عاينه، انتهى.

وفي الدَّجَّال مع ذلك دلالةٌ بيِّنةٌ لمن عقل على كذبه؛ لأنَّه ذو أجزاء مَؤوفة وتأثير الصَّنعة فيه ظاهرٌ مع ظهور الآفة به، فإذا دعا النَّاس إلى أنَّه ربُّهم فمن يراه من ذوي العقول يعلم أنَّه لم يكن ليسوّي خَلْقَ غيرِه ويَعْدِلَه ويحسِّنَه ولا يدفع النَّقص عن نفسه، فأقلُّ ما يجب أن يقول يا من يزعم أنَّه خالق السَّماء والأرض صوِّر نفسك وعدِّلها وأزل عنها العاهة، فإن زعمت أنَّ الرَّبَّ لا يحدث في نفسه شيئًا فأزل ما هو مكتوبٌ بين عينيك.

وقال المهلَّب ليس في اقتدار الدَّجَّال على إحياء المقتول المذكور ما يخالف ما تقدَّم من قوله صلى الله عليه وسلم (( هو أهون على الله من ذلك ) )أي من أن يمكَّن من المعجزات تمكينًا صحيحًا، فإن اقتداره على قتل الرَّجل ثمَّ إحيائه لم يستمرَّ له فيه ولا في غيره، ولا استضرَّ به المقتول إلَّا ساعة تألُّمه بالقتل مع حصول ثواب ذلك له، وقد لا يكون وجد للقتل ألمًا لقدرة الله تعالى على رفع ذلك عنه.

وقال ابن العربيِّ الَّذي يظهرُ على يد الدَّجَّال من الآيات من إنزال المطر والخصب على من يصدِّقه والجدب على من يكذِّبه، واتِّباع كنوز الأرض له وما معه من جنَّةٍ ونارٍ ومياه تجري كل ذلك محنةٌ من الله واختبار ليهلك المرتاب وينجو المتيقِّن، وذلك كلُّه أمرٌ مخوف، ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( لا فتنة أعظم من فتنة الدَّجَّال ) ). وكان يستعيذ منها في صلاته تشريعًا لأمَّته.

وأمَّا قوله في الحديث الآخر عند مسلمٍ (( غيرُ الدَّجَّال أخوف لي عليكم ) )فإنَّما قال ذلك للصَّحابة؛ لأنَّ الَّذي خافه عليهم أقرب إليهم من الدَّجَّال، فالقريب المتيقِّن وقوعُه لمن يخاف عليه يشتدُّ الخوف منه على البعيد المظنون وقوعه به، ولو كان أشدّ.

هذا وتَعقَّب قولَ الخطابيّ الَّذي ذُكِرَ صاحبُ «المصابيح» فقال السُّؤال ساقطٌ وجوابه كذلك، أمَّا السُّؤال فلأن الدَّجَّال لم يدَّعِ النُّبوّة ولا حام حول حماها حتِّى تكون تلك الآية دليلًا

ج 29 ص 490

على صدقه، وإنَّما ادَّعى الإلهيَّة، وإثباتها لمن هو متَّسم بسمات الحدوث، وهو من جملة المخلوقين لا يمكن، ولو أقام ما لا يحصر من الآيات؛ إذ حدوثه قاطعٌ ببطلان ألوهيَّته فما يعنيه الآيات والخوارق.

وأمَّا الجواب فلأنَّه جعل المبطلَ له دعواه كونَه أعورَ مكتوبًا بين عينيه كافرٌ، ونحن نقول ببطلان دعواه مطلقًا سواء كان هذا معه أم لم يكن لما قرأناه، انتهى فليتأمَّل.

ومطابقة الحديث للتَّرجمة في (( وهو محرمٌ عليه أن يدخل نقاب المدينة ) )وقد مضى الحديث في آخر (( باب الحجِّ ) ) [خ¦1882] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت