ووقع في رواية السرخسيِّ بكلمة (( من ) )والأوَّل أصوب، وأمَّا كلمة (( من ) )إن كانت محفوظةً فتكون للتَّعليل؛ أي لأجل المشكلات، كما في قوله تعالى {مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا} [نوح 25] أي لأجلِ خطاياهم.
ووجه إدخال هذا الباب في كتاب الشَّهادات أنَّها من جملة البيِّنات التي تثبت بها الحُقوق، قاله الحافظ العسقلانيُّ.
وقال العينيُّ والأحسن أن يقال وجه ذلك أنَّه كما يقطع النِّزاع والخصومة بالبينة فكذلك يقطعُ بالقرعة، وهذا المقدار كافٍ لوجه المناسبة.
ثمَّ إنَّ مشروعية القرعة ممَّا اختلف فيه، والجمهور على القول بها في الجملة،
ج 12 ص 338
وأنكرها بعضُ الحنفيَّة، وحكى ابنُ المنذر عن أبي حنيفة القول بها، وقد مرَّ بعضُ القول فيها في حديث الإفك.
وجعل البُخاري رحمه الله ضابطها الأمر المشكل، وفسَّرها غيره بما ثبتَ فيه الحقُّ لاثنين فأكثر، وتقع المشاحَّة فيه، فيقرع لفصل النِّزاع.
وقال إسماعيل القاضي ليس في القُرعة إبطال لشيءٍ من الحقِّ كما زعم بعض الكوفيين، بل إذا وجبت القسمة بين الشُّركاء فعليهم أن يعدلوا في ذلك بالقيمة، ثمَّ يقترعوا، فيصير لكلِّ واحدٍ ما وقع له بالقرعة مجتمعًا ممَّا كان له في الملك مشاعًا، فيضم في موضع بعينه ويكون ذلك بالعوض الذي صار لشريكه؛ لأنَّ مقادير ذلك قد عدلت بالقيمة.
وإنَّما أفادت القرعة أنْ لَا يختار واحدٌ منهم شيئًا معينًا، فيختاره الآخر، فيقع التَّنازع، وهي إمَّا في الحقوق المتساوية، وإمَّا في تعيين الملك، فمن الأول عند الخلافة إذا استووا في صفات الإمامة، وكذا بين الأئمَّة في الصَّلوات والمؤذنين والأقارب في تغسيلِ الموتى، وإلصاقه بهم؛ كالحاضنات إذا كنَّ في درجةٍ، والأولياء في التَّزويج، والاستباق إلى الصَّف الأول، وفي إحياء الموات، وفي نقل المعدن إلى الأسواق، والتَّقديم بالدَّعوى عند الحاكم، والتَّزاحم على أخذ اللَّقيط، والنُّزول في الخان المسبَّل ونحوه، وفي السَّفر ببعض الزَّوجات، وفي ابتداء القسم، والدُّخول في ابتداء النِّكاح، وفي الإقراع بين العبيد إذا أوصى بعتقِهِم ولم يسعهم الثُّلث.
وهذه الأخيرةُ من صور القسم الثاني أيضًا، وهو تعيينُ الملك، ومن صور تعيين الملك الإقراع بين الشُّركاء عند تعديل السِّهام في القسمة.
(وَقَوْلِهِ عزَّ وَجلَّ) بالجرِّ عطفًا على القرعة؛ أي في سورة آل عمران. {ذَلِكَ} إشارةٌ إلى ما ذكر فيما سبق من نبأ زكريا ويحيى ومريم وعيسى عليهم السلام {مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ} أي أخبار الغيب {نُوحِيهِ إِلَيْكَ} أي نقصُّه عليك؛ أي من الغيوب التي لم تعرفها إلَّا بالوحي {وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ} أي وما كنت يا محمد عندهم.
( {إِذْ يُلْقُونَ أَقْلاَمَهُمْ} ) أي حين يلقون أقداحهُم
ج 12 ص 339
في النَّهر؛ نهر الأردن مقترعين، وقد ذكر المفسِّرون هي الأقلام التي كانوا يكتبون بها التَّوراة اختاروها للقرعة تبرُّكًا بها.
( {أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ} [آل عمران 44] ) أي يضمُّها إلى نفسه ويربِّيها، وذلك لرغبتهم في الأجر والفخر، وقوله تعالى {أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ} متعلِّق بمحذوفٍ دلَّ عليه {يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ} كأنَّه قيل يلقونها ينظرون أيُّهم يكفل أو ليعلموا أو يقولون {وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ} في شأنها تنافسًا في التكفُّل بها.
فإن قيل لم نفيت المشاهدة وانتفاؤها معلومٌ بغير شبهةٍ، وترك نفي استماع الأنباء من حفَّاظها وهو موهومٌ؟
فالجواب أنَّه كان معلومًا عندهم يقينًا أنَّه ليس من أهل السَّماع والقراءة، وكانوا منكرين للوحي فلم يبق إلَّا المشاهدة وهي في غاية الاستبعاد والاستحالة؛ فنفيت على سبيل التهكُّم بالمنكرين للوحي مع علمهم بأنَّه لا سماع له ولا قراءة.
وأصل القصَّة أنَّ امرأة عمران بن ماثان، وهي حنَّة بنت فاقوذا جدَّة عيسى عليه السلام، كانت لا تحمل، فبينا هي في ظلِّ شجرةٍ إذ رأت طائرًا يطعم فرخًا له، فتحرَّكت نفسها للولد وتمنَّته، فقالت اللَّهمَّ إنَّ لك عليَّ نذرًا شكرًا إن رزقتني ولدًا أن أتصدَّق به على بيت المقدس، فيكون من سَدَنَته وخدمه لا يَدَ لِي عليه، ولا أستخدمه، ولا أشغله بشيءٍ وكان هذا النوع من النَّذر مشروعًا عندهم.
وروي أنَّهم كانوا ينذرون هذا النَّذر، فإذا بلغ الغلام خيِّر أن يفعل، وبين أن لا يفعل، فحملت بمريم، وهلك عمران وهي حامل، فلمَّا ولدت مريم لفَّتها في خرقة وحملتها إلى المسجدِ، ووضعتها عند الأحبار أبناء هارون أخي موسى عليهما السلام، وهم في بيت المقدس كالحجبة في الكعبة، وكانوا سبعةً وعشرين، فقالت لهم دونكم هذه النَّذيرة فإني حرَّرتها وهي ابنتي، ولا يدخل الكنيسة حائض، وأنا لا أردَّها إلى بيتي، فتنافسوا فيها؛ لأنَّها كانت بنت إمامهم وكان عمران بن ماثان يؤمُّهم في الصَّلاة وصاحب قربانهم؛ أي ما يتقرَّبون به إلى الله، وكان بنو ماثان رؤوس بني إسرائيل وأحبارهم وملوكهم، فقال لهم زكريا عليه السلام ادفعوها إليَّ أنا أحقُّ بها عندِي خالتها، وكان قد تزوَّج زكريا عليه السلام بنت عمران بن ماثان إيشاع أخت مريم، فكان يحيى وعيسى عليهما السلام ابني خالة، فقالوا لا حتى نقترعَ عليها؛
ج 12 ص 340
أي لا تطيب نفوسنا فانطلقوا إلى نهرِ الأردن فألقوا فيه أقلامهم، فارتفع قلم زكريَّا عليه السلام فوق الماء ورسبَتْ أقلامُهم، فكفلَها زكريا عليه السلام وضمَّها إلى نفسه، كذا ذكره عكرمة والسُّدي وقتادة وغير واحدٍ.
(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا اقْتَرَعُوا) يعني عند التَّنافس في كفالة مريم عليها السلام، وكانوا إذا أرادوا الاقتراع يلقون الأقلام في البحرِ فمن علا قلمه كان الحظُّ له.
(فَجَرَتِ الأَقْلاَمُ) أي الأقلام الذين يكتبون بها التَّوراة، ويقال الأقلام السِّهام، وسمِّي السَّهم قلمًا؛ لأنَّه يُقلم؛ أي يُبرَى.
(مَعَ الْجِرْيَةِ) بكسر الجيم، النَّوع من الجريان، وقال ابن التِّين الصَّواب أقرعوا أو قارعوا، وتعقَّبه العينيُّ بأنَّه قد جاء اقترعوا وقارعوا، فلا وجه لدعوى الصَّواب فيه.
(وَعَالَ) من العول؛ أي ارتفع وغلب الجرية، ويروى ، ويروى ، وحاصله ثبت وارتفع.
(قَلَمُ زَكَرِيَّاءَ الْجِرْيَةَ، فَكَفَلَهَا زَكَرِيَّاءُ) عليه السلام، ويروى وعن ابن عباس رضي الله عنهما لمَّا وضعت مريم في المسجد اقترعَ عليها أهل المصلَّى وهم يكتبون الوحي، ولمَّا كفلها زكريا عليه السلام بنى لها غرفةً في المسجد، وكان لا يدخل عليها غيره، وإذا خرج أغلق عليها سبعة أبواب فكان يجد عندها فاكهة الشِّتاء في الصَّيف وبالعكس، فكان يقول {يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا} أي من أين لك هذا الرزق الآتي في غير الأوان والأبوابُ مغلقةٌ عليك؟ {قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} [آل عمران 37] فلا تستبعد.
قيل تكلَّمت صغيرة كعيسى عليه السلام، ولم ترضع ثديًا قطُّ، فكان رزقها ينزلُ عليها من الجنَّة.
ووجه الاحتجاج بالآية لصحَّة الحكم بالقرعة أنَّ شريعة من قبلنا شريعةٌ لنا إذا قصَّ الله ورسوله من غير نكيرٍ فلا ينكر مشروعيتها، وما نسب إلى أبي حنيفة رحمه الله بأنَّه أنكرها فغيرُ صحيحٍ، وإنَّما قال يأباها القياس، ولولا الرِّوايات الصَّحيحة لما أجزتُها.
تتمَّة اعلم أنَّ مريم بنت عمران هذه ليست مريم أخت موسى وهارون عليهما السلام، فإنَّها بنت عمران بن يَصْهر وأكبر من موسى وهارون عليهما السلام وكان بين عمرانين ألف وثلاثمائة سنة، والله تعالى أعلم.
(وَقَوْلِهِ تَعَالَى)
ج 12 ص 341
بالجرِّ عطفًا على قوله الأول ( {فَسَاهَمَ} أَقْرَعَ) تفسيرٌ لقوله ساهم، وهو تفسير ابن عبَّاس رضي الله عنهما أخرجهُ ابن جرير من طريق معاوية بن صالح، عن عليِّ بن أبي طلحة، عنه.
وروي عن السُّدي قال قوله {فَسَاهَمَ} ؛ أي قارع، وهو أوضح، قاله الحافظ العسقلانيُّ، ووجه كونه أوضح أنَّه من باب المفاعلة التي هي للاشتراك بين اثنين فصاعدًا، والضَّمير ليونس عليه السلام.
( {فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ} مِنَ الْمَسْهُومِينَ) يعني المغلوبين، يقال ساهمته فسهمته، كما يقال قارعتُه فقرعتُه وحقيقة المَدْحض المزلق عن مَقام الظَّفر والغلبة [1] .
وروي أنَّ يونس بن متَّى عليه السلام لمَّا دعا قومه أهل نينوى من بلادِ الموصل على شاطئ دجلة للدُّخول في دينه كذَّبوه وأصرُّوا عليه، فدعا عليهم ووعدَهم بالعذاب إلى ثلاث، وقيل إلى أربعين فلمَّا دنا الموعد غامت السَّماء غيمًا أسود ذا دخانٍ شديد، فخرج من بينهم قبل أن يأمرهُ الله، فهبط الغيم حتَّى غشى مدينتهم، فلمَّا رأى قومه مقدِّمات العذاب هابوا، فطلبوا يونس عليه السلام فلم يجدوه فأيقنوا صدقَه فلبسوا المسوحَ، وبرزوا إلى الصَّعيد بأنفسِهِم ونسائهم وصبيانهم ودوابِّهم، وفرَّقوا بين كلِّ والدةٍ وولدها، فحنَّ بعضُها إلى بعضٍ وعلت الأصواتُ والضَّجيج، وأخلصوا التَّوبة، وأظهروا الإيمان، وردُّوا المظالم حتى ردُّوا حجارةً مغصوبة كانوا بنوا بها، وتضرُّعوا إلى الله، فرحمهُم وكشفَ عنهم العذاب، ومتَّعهم إلى حين، وكان يوم عاشوراء يوم الجمعة.
ثمَّ إنَّ يونس عليه السلام لما خرجَ من بين قومهم صادفَ سفينةً فركبَ فيها، فلمَّا ركب فيها وقفت فلم تجر، فقالوا هاهنا عبدٌ آبق من سيِّده، وفيما يزعم البحارون أنَّ السَّفينة إذا كان فيها عبد آبقٌ لم تجر، فاقترعوا فخرجت القُرعة على يونس.
وذكر مقاتل أنَّهم قارعوه ستَّ مرَّات خوفًا عليه من أن يقذفَ، وفي كلِّها خرجت القرعة عليه فقال أنا الآبق، سمَّى هَرَبه من قومه بغير إذن ربِّه إباقًا على طريقةِ المجاز، فزجَّ بنفسه في الماء؛ أي دفعه ورماه.
{فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ} [الصافات 142] داخلٌ في الملامة يقال رُبَّ لائمٍ مليم؛
ج 12 ص 342
أي يلوم غيره وهو أحقُّ منه باللَّوم، أو آتٍ بما يلام عليه، أو مليم نفسه، على أنَّ الهمزة للتعدية، وقيل ابتلع حوته حوت أكبر منه، فحصل في ظلمتي بطني الحوت وظلمة البحر، ولذا قال الله تعالى {فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ} [الأنبياء 87] بالجمع، كذا في «الكشاف» .
{فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ} [الصافات 143] أي من الذَّاكرين الله كثيرًا بالتَّسبيح والتَّقديس، قيل هو قوله في بطنِ الحوت {لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} [الأنبياء 87] روى ابن السنِّي، عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، عن النَّبي صلى الله عليه وسلم (( لم يدع بها رجلٌ مسلمٌ في شيءٍ قط إلا استجابَ الله له ) ).
وفي رواية (( ما من مكروبٍ يدعو بهذا الدُّعاء إلَّا استُجيب له ) )وهو مستنبطٌ من قوله تعالى {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ} [الأنبياء 88] أي من غموم دعوا الله فيها بالإخلاص.
وعن الحسن ما نجَّاه والله إلَّا إقراره على نفسه بالظلم، ولذا قيل مذنبٌ معترفٌ بذنبه أفضل من عابدٍ معجبٌ بعبادته، والله تعالى أعلم، وقيل من المصلِّين، وعن ابن عبَّاس رضي الله عنهما كلُّ تسبيحٍ في القرآن فهو صلاة.
وعن قتادة كان كثير الصَّلاة في الرَّخاء، قال وكان يقال إنَّ العمل الصالح يرفع صاحبه إذا عثر، وإذا صرع وجد متَّكئًا، وهذا ترغيبٌ من الله عزَّ وجلَّ في إكثار المؤمن من ذكره بما هو أهله، وإقباله على عبادته، وجمع همَّه لتقييد نعمته بالشُّكر في وقت المهلة والفسحة؛ لينفعه ذلك عنده في المضائق والشَّدائد {لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} [الصافات 144] ظاهره لبثه فيه حيًّا إلى يوم البعث. وعن قتادة لكان بطنُ الحوت له قبرًا إلى يوم القيامة، وروي أنَّه حين ابتلعه الحوتُ أوحى الله إلى الحوت أنِّي جعلت بطنك له سجنًا ولم أجعله لك طعامًا، وروي أنَّه أوحى الله إلى الحوت أن يلتقمَه ولا يكسر له عظمًا.
واختلف في مقدار لبثه فعن الكلبي والسدي أربعون يومًا. وعن الضَّحاك عشرون، وعن عطاء سبعة، وعن مقاتل بن حبَّان ثلاثة، وعن الشعبيِّ بعض يوم، وعن الحسن لم يلبث إلا قليلًا، ثم أخرج من بطنه بُعَيد الوقت الذي التقم فيه.
وروي أنَّ الحوتَ سار مع السَّفينة رافعًا رأسه يتنفَّس فيه يونس عليه السلام ويسبِّح، ولم يفارقهم حتَّى انتهوا إلى البرِّ، فلفظه سالمًا لم يتغيَّر منه، فأسلموا.
وروي أنَّ الحوتَ قذفه بساحل قرية من الموصل، وذلك قوله تعالى {فَنَبَذْنَاهُ} بأن حملنا الحوت على لفظه {بِالْعَرَاءِ} بالمكان الخالي لا شجر فيه ولا شيء يغطِّيه {وَهُوَ سَقِيمٌ} اعتلَّ ممَّا ناله وحلَّ به.
وروي أنَّه عاد بدنه كبدن الصَّبيِّ حين يولد {وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ} أي فوقه مظلَّة عليه {شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ} من شجرٍ ينبسط على وجه الأرض، ولا يقوم على ساق كشجر البطِّيخ والقثَّاء والحنظل، وهو تفعيل من قطن
ج 12 ص 343
بالمكان، إذا أقام به، والأكثر على أنَّها كانت الدبَّاء غطَّته بأوراقها.
وفائدة الدُّبَّاء أنَّ الذُّباب لا يجتمع عنده، وقيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم إنَّك لتحبُّ القرع قال (( أجل هي شجرةُ أخي يونس عليه السلام ) ). وقيل هي التين، وقيل شجرة الموز [2] تغطَّى بورقها، واستظلَّ بأغصانها، وأفطر على ثمرها، وقيل كان يستظلُّ بالشَّجرة، وكانت وَعِلة تختلف إليه فيشربُ من لبنها.
وروي أنَّه مرَّ زمانٌ على الشجرة فيبست فبكى جزعًا، فأوحى إليه بكيت على شجرةٍ، ولا تبكِي على مائة ألف في يد الكافر؛ يعني القوم الذين أسلموا بعده في يد الملك الكافر.
ووجه الاحتجاج بقصَّة يونس عليه السلام أنَّ شريعةَ من قبلنا شريعةٌ لنا، وهو كذلك ما لم يرد في شرعنا ما يخالفه، وهذه من ذلك القبيل في حقِّ القرعة، وأمَّا إلقاء البعض في الماء لسلامة البعض، فكان ذلك في شرعهم جائزًا، وأمَّا في شرعنا فلا، فإنَّ المسلمين مستوون في عصمة الأنفس، فلا يجوز إلقاؤهم بقرعةٍ ولا بغيرها، والله تعالى أعلم.
فائدة في يونس ست لغات ضم النون وفتحها وكسرها مع الهمز وتركه، والأشهر ضم النون بغير همز.
(وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عَرَضَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى قَوْمٍ الْيَمِينَ فَأَسْرَعُوا، فَأَمَرَ أَنْ يُسْهِمَ بَيْنَهُمْ أَيُّهُمْ يَحْلِفُ) وهذا التَّعليق قد مرَّ موصولًا في باب إذا تسارع قومٌ في اليمين. وقد مرَّ الكلام فيه، وهذا أيضًا يدلُّ على مشروعيَّة القرعة.
[1] في هامش الأصل وفي «الكشاف» برم بقومه؛ لطول ما ذكرهم فلم يذكروا وأقاموا على كفرهم فراغمهم _ أي فارقهم مرغمًا لهم _ وظن أن ذلك يسوغ حيث لم يفعله إلا غضبًا لله وأنفةً لدينه، وبغضًا للكفر وأهله، وكان عليه أن يصابر وينتظر الإذن من الله في المهاجرة عنهم، فابتلي ببطن الحوت. ثم قوله تعالى {فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ} مخففًا فسر بالتَّضييق عليه عقوبة، وعن ابن عبَّاس رضي الله عنهما أنَّه دخل على معاوية رضي الله عنه فقال لقد ضربتني أمواج القرآن البارحة فغرقت فيها فلم أجد لنفسي خلاصًا إلَّا بك. قال وما هي يا معاوية، فقرأ هذه الآية، وقال أويظن نبي الله أن لا يقدر عليه، قال هذا من القدر لا من القدرة. منه.
[2] في هامش الأصل الموز عنب على صورة الباذنجة الكبيرة، كل حبَّةٍ منها مائة درهم أو يزيد. منه.