فهرس الكتاب

الصفحة 3490 من 11127

2237 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ) قال (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهْرِيِّ (عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن الحَارِثِ بن هشامٍ راهب قريش، وقد مرَّ في (( الصَّلاة ) ) [خ¦803] .

(عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ) عُقْبَةَ بنِ عَمرو (الأَنْصَارِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) وقد مرَّ في آخر كتاب (( الإيمان ) ) [خ¦55] ، وعُقْبة بضم العين المهملة وسكون القاف (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ) هو بإطلاقه يتناول جميع أنواع الكلاب، واحتجَّ به جماعة في عدم جواز بيع الكلب مطلقًا معلَّمًا كان أو لا، جاز اقتناؤه أو لا، ومن لازم ذلك أن لا قيمة على متلفه لأنَّه لا ثمن له.

وإليه ذهب الحَسَنُ ومحمَّد بن سِيْرِيْنَ وعبد الرَّحمن بن أبي لَيْلَى والحَكَم وحَمَّاد بن أبي سُليمان ورَبِيْعَةُ والأَوْزَاعِيُّ والشَّافعيُّ وأحمدُ وإسحاقُ وأبو ثورٍ وابنُ المُنْذِرِ، وأهلُ الظَّاهر وهو إحدى الرِّوايتين عن مالك.

وقال ابنُ قُدَامَةَ لا يختلف المذهب في أنَّ

ج 10 ص 437

بيع الكلب باطل على كلِّ حال، وكره أبو هريرة رضي الله عنه ثمن الكلب، ورخَّص في ثمن كلب الصَّيد خاصَّة، وبه قال عَطَاءٌ والنَّخَعِيُّ.

واختلف أصحاب مالك فمنهم من قال لا يجوز، ومنهم من قال الكلب المأذون في إمساكه يكره بيعه ويصح، ولا يجوز إجارته، نصَّ عليه أحمد، وهذا قول بعض أصحاب الشَّافعي، وقال بعضهم يجوز. وقال مالك في «الموطَّأ» أكره ثمن الكلب الضَّاري وغير الضَّاري لنهيه صلى الله عليه وسلم عن ثمن الكلب.

وفي «شرح الموطَّأ» لابن زُرْقُوْنٍ واختلف قول مالك في ثمن الكلب المباح اتِّخاذه فأجازه مرَّة ومنعه أخرى. وبإجازته قال ابن كِنَانَةَ وأبو حنيفة. وقال سُحْنُوْنُ ويُحَجُّ بثمنه. وروى عنه ابنُ القاسمِ أنَّه كره بيعه.

وفي «المُزَنِيَّةِ» كان مالك يأمر ببيع الكلب الضَّاري في الميراث والدين والمغانم، ويكره بيعه ابتداءً. قال يحيى بن إبراهيم قوله في الميراث؛ يعني لليتيم، وأمَّا لأهل الميراث البالغين فلا يباع إلا في الدين والمغارم. وقال أَشْهَبُ في «ديوانه» عن مالك يُفْسَخُ بيعُ الكلب إلَّا أن يطولَ.

وحكى ابنُ عبد الحُكَم أنَّه يُفسخ وإن طال، وقال ابنُ حزم في «المُحَلَّى» ولا يحلُّ بيعُ كلبٍ أصلًا لا كلبَ صيد ولا كلبَ ماشية ولا غيرهما، فإن اضطرَّ إليه ولم يجد من يعطيه إيَّاه فله ابتياعه، وهو حلال للمشتري حرام على البائعِ ينتزع منه الثَّمن متى قدر عليه كالرَّشوةِ في دفع الظُّلم، وفداءِ الأسير، ومصانعةِ الظَّالم ولا فرق.

ثمَّ إنَّ الشَّافعية قالوا من قتل كلب صيدٍ أو ماشية أو زرع لا يلزمه قيمته، قال الشَّافعي ما لا ثمنَ له لا قيمة له إذا قُتِلَ، وبه قال أحمد، ومن نحا إلى مذهبهما. وعن مالك روايتان، واحتجُّوا بما روي في هذا الباب بالأحاديث التي فيها منع بيع الكلب وحرمة ثمنه.

وخالفهم في ذلك جماعة وهم عطاءُ بن أبي رباح وإبراهيمُ النَّخعي وأبو حنيفة وأبو يوسف ومحمَّدٌ وابنُ كنانة وسحنونٌ من المالكيَّة ومالكٌ في رواية فقالوا الكلاب التي ينتفع بها يجوز بيعها ويباح أثمانها. وعن أبي حنيفة أنَّ الكلب العقور لا يجوز بيعه ولا يباح ثمنه.

وفي «البدائع» وأمَّا بيع ذي ناب من السِّباع سوى الخنزير كالكلب

ج 10 ص 438

والفهد والأسد والنَّمر والذِّئب والهر ونحوها، فجائز عند أصحابنا. ثمَّ عندنا لا فرق بين المعلَّم وغير المعلم في رواية الأصل، فيجوز بيعه كيف ما كان.

ورُوِيَ عن أبي يوسف أنَّه لا يجوز بيع الكلب العقور، كما روي عن أبي حنيفة فيه. ثمَّ على أصلهم يجب قيمته على قاتله، واحتجُّوا بما رُوِيَ عن عثمان بن عفَّان رضي الله عنه أنَّه أغرم رجلًا ثمن كلب قتله عشرين بعيرًا، وبما رُوِيَ عن عبد الله بن عَمرو بن العاص رضي الله عنهما أنَّه قضى في كلب صيدٍ قتله رجل بأربعين درهمًا، وقضى في كبش ماشية بكبش.

وقال المخالفون لهم أثر عُثمان منقطعٌ وضعيفٌ. قال البَيْهَقِيُّ ثمَّ الثَّابت عن عثمان خلافه فإنَّه خطب فأمر بقتل الكلاب، قال الشَّافعي فكيف يأمر بقتل ما يغرم من قتله؟ وأثر عبد الله بن عَمرو رضي الله عنهما له طريقان

أحدهما منقطع. والآخر فيه من ليس بمعروفٍ ولا يتابع عليها، كما قاله البُخاري.

وقد رُوِيَ عن عبد الله بن عَمرو رضي الله عنهما النَّهي عن ثمن الكلب، فلو ثبت عنده القضاء بقيمته لكانت العبرة بروايته لا بقضائهِ على الصَّحيح عند الأصوليين، انتهى.

وقال العَيْنِيُّ الجواب عن هذا كلِّه أمَّا قول البَيْهَقِيُّ ثمَّ الثابت عن عثمان رضي الله عنه خلافه فإنَّه حكى عن الشَّافعي أنَّه قال أخبرني الثِّقة فقد يكون مجروحًا عند غيره لا سيَّما والشَّافعي رحمه الله كثيرًا ما يعني بذلك ابن أبي يحيى، أو الزِّنجي وهما ضعيفان، وكيف يأمر عثمان رضي الله عنه بقتل الكلاب وآخر الأمرين من النَّبي صلى الله عليه وسلم النَّهي من قتلها إلا الأسود منها، فإن صحَّ أمره بقتلها، فإنَّما كان ذلك في وقت لمفسدة طرأت في زمانه.

قال صاحب «التَّمْهِيْدِ» ظهر بالمدينة اللَّعب بالحمام، والمهارشة بين الكلاب، فأمر عُمر وعُثمان رضي الله عنهما بقتل الكلاب وذبح الحمام.

قال الحَسَنُ سمعت عُثمان رضي الله عنه غير مرَّة يقول في خطبته اقتلوا الكلاب، واذبحوا الحمام، فظهر من هذا أنَّه لا يلزم من الأمر بقتلها في وقت لمصلحة أن لا يُضَمِّنَ قاتلها في وقت آخر، كما أمر بذبح الحمام.

وأمَّا قول البَيْهَقِيِّ أثر عثمان رضي الله عنه منقطع، وقد رُوِيَ من وجه آخر منقطعٍ عن يَحْيَى الأنصاري عن عُثمان رضي الله عنه فنقول مذهب الشَّافعي أنَّ المُرسل إذا رُوِيَ مُرسلًا من وجه آخر

ج 10 ص 439

صار حجَّةً وتأيَّد أيضًا بما رواه البَيْهَقِيُّ عن عبد الله بن عَمرو رضي الله عنهما وإن كان منقطعًا أيضًا.

وأمَّا قوله والآخر فيه من ليس بمعروف ولا يتابع عليه، كما قاله البُخاري فهو إسماعيل بن خَشَّاشٍ الرَّاوي عن عبد الله بن عَمرو رضي الله عنهما، وقد ذكره ابن حِبَّان في «الثِّقات» ، وكيف يقول البُخاري ولم يتابع عليه.

وقد أخرجه البَيْهَقِيُّ فيما بعد من حديث عَمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدِّه، عن عبد الله بن عَمرو رضي الله عنهما. وذكر ابنُ عَدِيٍّ في «الكَامِل» كلام البخاري فيه ثمَّ قال لم أجد لِمَا قال البخاري فيه أثرًا فأذكره.

وأمَّا قوله فالعبرة لروايته لا بقضائه غير مُسَلَّمٍ؛ لأنَّ هذا الذي قاله يُرَدُّ بمخالفة الصَّحابي لرسول الله صلى الله عليه وسلم فيما روي عنه، ولا يُظَنُّ ذلك في حقِّ الصَّحابي، بل العبرة بقضائه؛ لأنه لم يقض بخلاف ما رواه إلَّا بعد أن ثبت عنده انتساخ ما رواه، وهكذا أجاب الطَّحاوي عن الأحاديث التي فيها النَّهي عن ثمن الكلب وأنَّه سُحْتٌ فقال إنَّ هذا إنما كان حين كان حكم الكلاب أن تقتلَ، ولا يحلُّ إمساك شيء منها ولا الانتفاع بها للاصطياد ونحوه، والنَّهي عن قتلها نسخ ما كان من النَّهي عن بيعها وتناول ثمنها، وذلك أنَّ الأصل في الأشياء الإباحة، فلمَّا ورد النَّهي عن اتِّخاذ الكلاب وورد الأمر بقتلها علمنا أنَّ اتخاذها حرام، وأنَّ بيعها حرام أيضًا؛ لأنَّ ما كان انتفاعه حرامًا كان قيمته حرامًا كالخنزير ونحوه.

ثم لَمَّا وردَتْ الإباحةُ بالانتفاع بها للاصطياد ونحوه، وورد النَّهي عن قتلها علمنا أنَّ ما كان قبل ذلك من الحكمين المذكورين قد انْتُسِخَ بما ورد بعده، ولا شكَّ أنَّ الإباحة بعد التحريم نَسْخٌ لذلك التَّحريم ورَفْعٌ لحكمه، والله أعلم.

ثُمَّ العِلَّةُ في تحريم بيعه عند الشَّافعي نجاسته مطلقًا، وهي قائمةٌ في المُعَلَّمِ وغيرِه، وعلَّة المنع عند من لا يرى نجاسته النَّهيُ عن اتِّخاذه والأمرُ بقتله، ولذلك خُصَّ منه ما أُذِنَ في اتِّخاذه، ويدلُّ عليه حديث جابر رضي الله عنه قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ثمن الكلب إلَّا كلبَ صيدٍ، أخرجه النَّسائي بإسنادٍ رجاله ثقاتٌ إلَّا أنَّه طُعِنَ في صحَّته.

وقال القُرْطُبِيُّ مشهورُ مذهبِ مالك جوازُ اتخاذِ الكلب وكراهية بيعه، ولا يفسخ إن وقع، وكأنَّه لمَّا لم يكن عنده نجسًا

ج 10 ص 440

أذن في اتخاذه لمنافعه الجائزة، وكان حكمه حكمُ سائر المبيعات، لكن الشَّرع نهى عن بيعه تنزيهًا؛ لأنَّه ليس من مكارم الأخلاق قال وأمَّا تسويته في النَّهي بينه وبين مهر البغيِّ وحلوان الكاهن فمحمولٌ على الكلب الذي لم يؤذن في اتِّخاذه، وعلى تقدير العموم في كلِّ كلبٍ، فالنَّهي في هذه الثَّلاثة للقدر المشترك من الكراهة أعم من التنزيه والتَّحريم إذ كلُّ واحدٍ منهما نهي، ثُمَّ يُؤْخَذُ خصوصُ كلِّ واحدٍ منها من دليلٍ آخر فإنَّا عرفنا تحريمَ مهر البغيِّ وحلوان الكاهنِ من الإجماع لا من مجرَّد النَّهي، ولا يلزم من الاشتراك في العطف الاشتراك في جميع الوجوه، إذ قد يعطف الأمر على النَّهي والإيجاب على النَّفي، هذا فافهم.

وأمَّا حكم السنور فقد روى الطَّحاوي والتِّرمذي من حديث أبي سفيان عن جابر رضي الله عنه قال نهى النَّبي صلى الله عليه وسلم عن ثمن الكلبِ والسِّنور، ثمَّ قال هذا حديث في إسناده اضطراب، ثمَّ روى التِّرمذي من حديث أبي الزُّبير عن جابر رضي الله عنه قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكل الهرِّ وثمنه، ثمَّ قال هذا حديث غريب.

وروى مُسلم من حديث أبي الزُّبَيْرِ قال سألت جَابِرًا رضي الله عنه عن ثمن الكلب والسِّنَّور، قال فقال زَجَرَ النَّبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك. ورواه النَّسائي ولفظه نهى عن ثمن الكلب والسنَّور إلَّا كلبَ صيدٍ، وقال النَّسائي بعد تخريجه هذا حديثٌ منكر.

واختلف العلماء في جواز بيع الهرِّ، فذهب قوم إلى جواز بيعه وحِلِّ ثمنه، وبه قال الجمهور وهو قول الحَسَنِ البصري ومحمَّدِ بن سيرينَ والحكمِ وحمَّادٍ ومالكٍ وسفيانَ الثَّوريِّ وأبي حنيفة وأصحابه والشَّافعيِّ وأحمدَ وإسحاقَ.

وقال ابنُ المُنْذِرِ وروِّينا عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما أنَّه رخَّصَ في بيعه قال وكرهَتْ طائفةٌ بيعَهُ، روِّينا ذلك عن أبي هريرة رضي الله عنه وطاوس ومجاهدٍ، وبه قال مجاهدُ بن زيد.

وأجابَ القائلون بجواز بيعه بأجوبة

أحدها أنَّ الحديث ضعيفٌ وهو مردودٌ. الثَّاني حملُ الحديث على الهرِّ إذا توحَّش فلم يقدر على تسليمه، حكاهُ البَيْهَقِيُّ في «السنن» عن بعضِ أهل العلم.

الثَّالث ما حكاه البَيْهَقِيُّ عن بعضهم

ج 10 ص 441

أنَّه كان ذلك في ابتداء الإسلام حين كان محكومًا بنجاسته، ثمَّ لمَّا حكم بطهارة سؤره حلَّ ثمنه.

الرَّابع أنَّ النَّهي محمولٌ على التَّنزيه لا على التَّحريم، ولفظ مُسلم زجر يُشعر بتخفيف النَّهي، وعكس ابنُ حزم هذا فقال الزَّجر أشد النَّهي، وفي كلٍّ منهما نظرٌ.

الخامس ما حكاه ابنُ حزم عن بعضهم أنَّه يعارضه ما روى أبو هريرة وابن عبَّاس رضي الله عنهما عن النَّبي صلى الله عليه وسلم أنَّه أباح ثمن الهرة، ثمَّ ردَّه بكلام طويل.

السَّادس ما حكاه أيضًا ابنُ حزم عن بعضهم أنَّه لمَّا صح الإجماع على دخول الهر والكلب المباح اتِّخاذه في الميراث والوصيَّة والملك جاز بيعهما ثمَّ رده أيضًا.

وقال النَّووي والجواب المعتمد أنَّه محمول على ما لا نفعَ فيه، أو على أنَّه نهي تنزيه حتَّى يعتادَ النَّاس هبته أو إعارته، والله أعلم.

(وَمَهْرِ الْبَغِيِّ) وفي حديث عليٍّ رضي الله عنه (( وأجر البغي ) )وجاء (( وكسب الأمة ) )، وهو مهر البغي لا الكسب الذي تكتسبه بالصَّنعة والعمل المباح، وقد روى أبو داود أيضًا من حديث رِفَاعَةَ بنِ رَافِعٍ مرفوعًا (( نهى عن كسب الأمة إلَّا ما عملت بيدها ) )وقال هكذا بإصبعه نحو الغزل والنَّفش وهو بالفاء؛ أي نتف الصُّوف، وسيأتي في الإجارة إن شاء الله تعالى حديث أبي هريرة رضي الله عنه [خ¦2283] نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كسبِ الإماء.

زاد أبو داود من حديث رَافِعِ بنِ خَدِيْجٍ رضي الله عنه نهى عن كسب الأمة حتَّى يعلمَ من أين هو، فعرف بذلك النَّهي أنَّ المراد به كسبها بالزِّنا لا بالعملِ المباح. وقيل المراد بكسب الأمةِ جميع كسبها، وهو من باب سدِّ الذَّرائع؛ لأنها لا يؤمن إذا التزمت بالكسب أن تكتسبَ بفرجها، فالمعنى أنَّه لا يُجْعَلُ عليها خرجٌ معلوم تؤدِّيه كلَّ يوم. ثمَّ إطلاق المهر عليه مجازٌ، والمراد ما تأخذه على زناها. والبَغِيِّ بفتح الموحدة وكسر الغين المعجمة وتشديد التحتانية.

وقال ابن التِّين نُقِلَ عن أبي الحسن أنَّه قال بإسكان الغين وتخفيف الياء، وهو الزِّنا، وكذلك البِغاء _ بكسر الباء ممدودًا _ قال الله تعالى {وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ} [النور 33] يقال بغتِ المرأة تبغِي بغاءً.

والبغي يجيءُ بمعنى الطَّلب أيضًا، يقال أبغني؛ أي اطلب لي، قال الله تعالى

ج 10 ص 442

{يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ} [التوبة 47] . قال الخَطَّابِيُّ وأكثر ما يأتي ذلك في الشَّر. ومنه الفئة الباغية من البغي وهو الظُّلم، وأصله الحَسَدُ. والبغي الفساد أيضًا والاستطالة والكِبْرُ.

والبَغِيُّ في الحديثِ الفاجرةُ، وأصله بغوي على وزن فعول بمعنى فاعل فأعل كإعلال مرمي، وهي صفة لمؤنث فلذلك جاء بغيرها كطالق وحامل، أو لكونه على وزن فعول بمعنى فاعل، ويجمعُ على بغايا.

(وَحُلْوَانِ الْكَاهِنِ) الحُلوان _ بضم الحاء _ الرَّشوة، وهو ما يعطى الكاهن، ويجعل له على كهانته تقول حلوت الرَّجل حلوانًا، إذا حبوتَهُ بشيءٍ وأعطيته، وأصله من الحلاوةِ شبه بالشَّيء الحلو من حيث إنَّه يأخذُه سهلًا لا كلفة ولا مشقَّة، يقال حلوتُه، إذا أطعمتَه الحلو، كما يقال عسلتُه، إذا أطعمتَه العسل.

وقال أبو عُبيد والحلوان أيضًا في غير هذا الموضع أن يأخذَ الرَّجل من مهرِ ابنته لنفسه، وهو عيب عند النِّساء. وقالت امرأة تمدح زوجها

~لاَ يأْخُذُ الحُلْوانَ مِن بَنَاتِنَا

وفي «شرح الموطَّأ» لابن زُرْقُونٍ وأصلُ الحلوانِ في اللُّغة العطيَّة.

وقال الجَوْهَرِيُّ حلوت فلانًا على كذا مالًا وأنا أحلوه حلوًا، وحلوانًا إذا وهبت له شيئًا على شيءٍ يفعله لك غير الأجرة. والكاهنُ الذي يخبرُ بالغيب المستقبل، والعرَّاف الذي يخبرُ بما يخفى.

ويجمع الكاهن على كهنةٍ وكهَّان يقال كَهَن يَكْهَن كِهَانة، مثل كتب يكتب كتابة، إذا تكهَّنَ، فإذا أردت أنَّه صار كاهنًا، قلت كهُن _ بالضم _ كهَانة _ بالفتح _.

وقال ابنُ الأثير الكاهن الذي يَتعاطى الخبر عن الكائنات في مستقبل الزَّمان، ويدَّعي معرفة الأسرار. وقال الخَطَّابِيُّ الكاهن هو الذي يدَّعي مطالعة علم الغيب، ويخبر النَّاس عن الكوائن. وقد كان في العرب كَهَنة كشِقٍّ وسَطِيح وغيرهما.

فمنهم من كان يزعم أنَّ له تابعًا من الجنِّ ورئيًا يلقي إليه الأخبار. ومنهم من كان يزعم أنَّه يعرف الأمور بفهم أعطيه. ومنهم من يسمَّى عرَّافًا، وهو الذي يتعرَّف الأمور بمقدمات يستدلُّ بها على مواقعها من كلام من يسأله أو فعله أو حاله

ج 10 ص 443

كالذي يدَّعي معرفة الشَّيء المسروق، ومكان الضالَّة ونحوهما. ومنهم من يسمِّي المنجِّم كاهنًا. وحديث النَّهي عن إتيان الكاهن يشمل هؤلاء كلهم.

ثمَّ حلوان الكاهن حرامٌ بالإجماع؛ لأنَّه صلى الله عليه وسلم نهى عن إتيان الكهان مع أنَّ ما يأتون به باطل وجلُّه كذب، قال الله تعالى {تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ*يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ} [الشعراء 222 - 223] وأخذ العوض على مثل هذا، ولو لم يكن منهيًّا عنه من أكل المال الباطل، ولأنَّ الكاهن يقول ما لا ينتفع به ويعان بما يعطاه على ما لا يحلُّ.

ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرة. وقد أخرجه البخاري في (( الإجارة ) ) [خ¦2282] ، و (( الطَّلاق ) ) [خ¦5346] ، و (( الطِّب ) )أيضًا [خ¦5761] . وأخرجه مسلم في (( البيوع ) )، وكذا أبو داود، وأخرجه التِّرمذي فيه وفي (( النِّكاح ) )، والنَّسائي في (( البيوع ) (( الصَّيد ) )، وابن ماجه في (( التِّجارات ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت