ج 17 ص 546
لما أجلَى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بني النَّضير ساروا إلى خَيبر، فخرج نفرٌ من أشرافهم إلى مكَّة_شرَّفنا الله تعالى برؤيتها_فألَّبوا قريشًا ودعوهم إلى الخروج على رسولِ الله صلى الله عليه وسلم وعاهدوهُم على قتاله، ثمَّ أتوا غطفان وسُليمًا ففارقوهُم على مثل ذلك، فتجمَّعت قريش بمن تبعَهم فكانوا أربعة آلاف يقودُهم أبو سفيان، ووافقهُم بنو سُليم بمرِّ الظَّهران في سبعمائة يقودُهم سفيان بن عبد شمس، ومنهم بنو أسد يقودُهم طُليحة بن خويلد، وخرجتْ فزارةُ يقودها عُيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر الفزاري على ألف بعيرٍ، وخرجت أشجعُ في أربعمائة يقودها مسعودُ بن رخيلة، وخرجت بنو مرَّة في أربعمائة يقودُها الحارث بن عوف، فكان جميع القوم الذين وافوا الخندق عشرة آلاف، وكانوا ثلاثة عساكر وعِنَاجُ الأمر _ بعين مهملة مكسورة فنون فجيم _؛ أي ملاكه، إلى أبي سفيان؛ يعني أنَّه كان صاحبهم ومدبِّر أمرهم والقائم بشؤونهم.
وقال قتادةُ فيما ذكره البيهقيُّ كان المشركون أربعة آلاف أو ما شاء الله من ذلك، والصَّحابة رضي الله عنهم فيما بلغنا ألف. وذكر ابنُ إسحاق بأسانيدهِ أنَّ عدَّتهم عشرة آلاف، قال وكان المسلمون ثلاثة آلاف. وقال ابنُ إسحاق فلمَّا سمعَ بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ضرب الخندق على المدينة. وقال ابنُ هشام يقال إنَّ الذي أشارَ به سلمان رضي الله عنه. وذكر أبو مَعشر قال سلمان للنَّبي صلى الله عليه وسلم إنَّا كنَّا بفارس إذا حوصرنَا خندقنَا علينا، فأمر النَّبي صلى الله عليه وسلم بحفر الخندقِ حول المدينة.
وقال الطَّبري والسُّهيلي أوَّل من حفرَ الخنادق منوجهر بن أيرج، وكان في زمنِ موسى عليه السلام، وقال ابنُ إسحاق فعملَ فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه ترغيبًا للمسلمين في الأجرِ، فسارعوا إلى عملهِ حتى فرغوا منه وجاءَ المشركون فحاصروهم.
وذكر موسى بن عُقبة أنَّ مدَّة الحصار كانت عشرين يومًا، وقيل سبعًا وعشرين ليلة. وقال الواقديُّ أربعًا وعشرين، وقال الفسويُّ بضع عشرة ليلة ولم يكن بينهم قتال إلَّا مُرَاماة بالنَّبل والحجارة، وأُصيبَ فيها سعدُ بن معاذ رضي الله عنه بسهمٍ في أكحله وكان سبب موته.
وذكر أهل المغازي سبب رحيلهِم وأنَّ نُعيم بن مسعود الأشجعيَّ ألقى بينهم الفتنة فاختلفوا،
ج 17 ص 547
وذلك بأمر النَّبي صلى الله عليه وسلم له بذلك، ثمَّ أرسلَ الله تعالى عليهم الرِّيح فتفرقوا {وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ} [الأحزاب 25] .
(وَهْيَ الأَحْزَابُ) أي غزوة الخندق هي الأحزابُ، أشارَ بهذا إلى أنَّ لها اسمين، والأحزاب جمع حزب، سُمِّيت بذلك لاجتماع طوائف من المشركين على حربِ المسلمين، وهم قريش وغطفان واليهود ومن معهم، كما مرَّ آنفًا، وقد أنزلَ الله تعالى في هذه القصَّة صدر سورة الأحزاب.
(قَالَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ) أي ابن أبي عياش الأسدي المديني صاحب المغازي، مات سنة إحدى وأربعين ومائة (كَانَتْ) أي غزوة الخندق (فِي شَوَّالٍ سَنَةَ أَرْبَعٍ) أي من الهجرة، وتابعه على ذلك مالك أخرجَه أحمدُ عن موسى بن داود، عنه. وقال ابنُ إسحاق كانت في شوال سنة خمس، وبذلك جزمَ غيره من أهل المغازي.
وقال ابنُ سعد كانت في ذي القعدة يوم الاثنين لثمان ليال مضين منها سنة خمس.
ومال المصنِّف إلى قول موسى بن عقبة وقوَّاه بما أخرجَه أوَّل أحاديث الباب [خ¦4097] من قول ابنِ عمر رضي الله عنهما أنَّه عُرض يوم أُحد وهو ابنُ أربع عشرة سنة ويوم الخندق وهو ابنُ خمس عشرة سنة، فيكون بينها سنة واحدة، وأحد كانت سنة ثلاث، فيكون الخندق سنة أربع.
قال الحافظُ العسقلاني ولا حجَّة فيه إذا ثبت أنها كانت سنة خمس لاحتمال أن يكون ابن عمر رضي الله عنهما في أُحد كان أوَّل ما طعنَ في الرابعة عشر، وكان في الأحزابِ استكملَ الخمس عشرة، وبهذا أجابَ البيهقيُّ.
ويؤيِّد قول ابن إسحاق أنَّ أبا سفيان قال للمسلمين لما رجعَ من أحد مَوعدكم العام القابل [1] ببدرٍ، فخرج النَّبي صلى الله عليه وسلم من السنَّة المقبلة إلى بدر، فتأخَّر مجيء أبي سفيان تلك السَّنة للجدب الذي كان حينئذٍ وقال لقومه إنما يصلحُ الغزو في سنة خصبٍ، فرجعوا بعد أن وصلوا إلى عسفان أو دونها، ذكر ذلك ابن إسحاق وغيره من أهلِ المغازي.
وقد بيَّن البيهقيُّ سبب هذا الاختلاف، وهو أنَّ جماعة من السَّلف كانوا يعدُّون التَّاريخ من المحرَّم الذي وقعَ بعد الهجرة ويلغون الأشهر التي قبل ذلك إلى ربيعٍ الأول،
ج 17 ص 548
وعلى ذلك جرى يعقوبُ بن سفيان في «تاريخه» فذكرَ أنَّ غزوة بدرٍ الكبرى كانت في السَّنة الأولى، وأنَّ غزوة أُحد كانت في الثانية، وأنَّ الخندق كانت في الرَّابعة، وهذا عملٌ صحيحٌ على ذلك البناء، لكنَّه بناء واهٍ مخالفٌ لما عليه الجمهور من جعل التَّاريخ من المحرم سنة الهجرة، وعلى ذلك تكون بدر في الثانية، وأُحد في الثالثة، والخندقُ في الخامسة.
قال الحافظُ العسقلاني وهو المعتمدُ.
واعلم أنَّه كان بعد أُحد حمراء الأسد، ثمَّ سرية أبي سلمة، ثمَّ سرية عبد الله بن أُنيس، وبَعْثُ الرَّجيع وقصَّة بئر مَعونة، ثمَّ غزوة بني النَّضير، ثم غزوة ذات الرِّقاع، ثمَّ غزوة بدر الآخرة، ثمَّ غزوة دَومة الجندل، ثمَّ الخندق، كما ذكره أهل المغازي.
[1] في هامش الأصل في نسخة المقبل.