(وَكَانَ عُمَرُ) بن الخطَّاب (رَضِيَ اللهُ عَنْهُ يُكَبِّرُ فِي قُبَّتِهِ) بضم القاف وتشديد الموحدة، بيتٌ صغيرٌ مستدير من الخيام، وهو من بيوت العرب (بِمِنًى) أي في أيَّام منى (فيسمعه أَهْلُ الْمَسْجِدِ فَيُكَبِّرُونَ، وَيُكَبِّرُ أَهْلُ الأَسْوَاقِ) بتكبيره (حَتَّى تَرْتَجَّ مِنًى) يقال ارتجَّ البحر _ بتشديد الجيم _ إذا اضطرب، والرجُّ التحريك؛ أي حتَّى تضطرب وتتحرَّك منى.
(تَكْبِيرًا) أي لأجل التكبير، وهو مبالغةٌ في اجتماع رفع الأصوات، وقد أبدى الخطابيُّ للتَّكبير أيام منى حكمةً، وهي أنَّ الجاهلية كانوا يذبحون لطواغيتهم فيها، فشُرِع التَّكبير فيها إشارةٌ إلى تخصيص الذَّبح له، وعلى اسمه عز وجل، وهذا التَّعليق وصله سعيد بن منصور من رواية عبيد بن عمير.
(وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ) بن الخطَّاب رضي الله عنهما (يُكَبِّرُ بِمِنًى تِلْكَ الأَيَّامَ) أي أيام منى (وَخَلْفَ الصَّلَاةِ) يتناول الفرائض والنَّوافل.
(وَعَلَى فِرَاشِهِ) بالإفراد، وفي رواية (وَفِي فُسْطَاطِهِ) بضم الفاء وقد تكسر، وجاء في لغة بالتاء بدل الطاء الأولى، وفي أخرى بتشديد السين.
قال الكرمانيُّ هو بيتٌ من الشعر، وقال الزمخشريُّ هو ضربٌ
ج 5 ص 202
من الأبنية في السَّفر دون السرادق، وبه سُمِّي المدينة التي هي مجتمعُ النَّاس وكلُّ مدينةٍ فسطاط، ويُقال لمصر والبصرة الفسطاط، ويقال الفسطاط الخيمة الكبيرة.
(وَمَجْلِسِهِ وَمَمْشَاهُ) بفتح الميم الأولى؛ أي موضع مشيه، ويجوز أن يكون مصدرًا ميميًا يعني المشي (تِلْكَ الأَيَّامَ) أي في تلك الأيام، وإنَّما كرَّره للتأكيد والمبالغة، ثمَّ أكَّد ذلك أيضًا بقوله (جَمِيعًا) ويروى بواو العطف.
وهذا التَّعليق وصله ابن المنذر والفاكهيُّ في «أخبار مكة» من طريق ابن جريج أخبرني نافع أنَّ ابن عمر رضي الله عنهما كان ... فذكره وذكره البيهقيُّ أيضًا.
(وَكَانَتْ مَيْمُونَةُ) بنت الحارث الهلالية زوج النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، تزوَّجها رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سنة ستٍّ من الهجرة، وتوفيت بسرف، وهو ما بين مكَّة والمدينة، حيث بنى بها رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وذلك سنة إحدى وخمسين، وصلَّى عليها عبد الله بن عبَّاس رضي الله عنهما.
(تُكَبِّرُ يَوْمَ النَّحْرِ) قال الحافظ العسقلانيُّ لم أقفْ على أثرها هذا موصولًا، وقال العينيُّ وروى البيهقيُّ تكبير ميمونة يوم النحر.
(وَكُنَّ النِّسَاءُ) على لغة أكلوني البراغيث، وفي رواية (يُكَبِّرْنَ خَلْفَ أَبَانَ) بفتح الهمزة وتخفيف الموحدة وبعد الألف نون (بْنِ عُثْمَانَ) بن عفان رضي الله عنه وكان فقيهًا مجتهدًا، مات بالمدينة سنة خمس ومائة، وكان أميرًا على المدينة في زمن ابن عم أبيه عبد الملك بن مروان.
(وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزَ) أمير المؤمنين، وقد تقدَّم في أوَّل كتاب الإيمان [خ¦8] (لَيَالِيَ التَّشْرِيقِ مَعَ الرِّجَالِ) في المسجد، وقد دلَّت هذه الآثار المذكورة على استحباب التَّكبير، أو وجوبه على الاختلاف في أيام التَّشريق ولياليها عقيب الصَّلوات، وفيه اختلافٌ من وجوه
الأوَّل أن تكبير التَّشريق واجبٌ عند أصحابنا، ولكن عند أبي حنيفة عقيب الصَّلوات المفروضة على المقيمين في الأمصار في الجماعة المستحبَّة، ولا يكبِّر عقيب الوتر وصلاة العيد والسنن والنوافل وليس على المسافرين ولا على المنفرد، وهو مذهب ابن مسعودٍ رضي الله عنه، وبه قال الثوريُّ وهو المشهور عن أحمد.
وقال أبو يوسف ومحمد على كلِّ من صلَّى المكتوبة سواءً كان مقيمًا أو مسافرًا أو منفردًا أو بجماعة، وبه قال الأوزاعيُّ ومالك.
وعند الشافعيِّ يكبِّر في النَّوافل والجنائز على الأصحِّ، وليس على جماعة النِّساء إذا لم يكن معهنَّ مقيم.
الثَّاني في وقت التَّكبير، فعند أصحابنا يبدأ بعد صلاة الفجر يوم عرفة، ويختم عقيب العصر يوم النحر عند أبي حنيفة رحمه الله، وهو قول عبد الله بن مسعود
ج 5 ص 203
رضي الله عنه وعلقمة والأسود والنخعيِّ، وعند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله يختم عقيب صلاة العصر من آخر أيَّام التَّشريق، وهو قول عمر بن الخطَّاب، وعليِّ بن أبي طالب، وعبد الله بن عباس رضي الله عنهم، وبه قال سفيان الثوريُّ، وسفيان بن عيينة وأبو ثور وأحمد والشافعيُّ في قول.
وفي «التحرير» ذكر عثمان رضي الله عنه معهم، وفي «المفيد» وأبا بكر رضي الله عنه وعليه الفتوى، وهاهنا تسعة أقوال، وقد مرَّ القولان.
والثالث يختم بعد ظهر يوم النَّحر، ورُوي ذلك عن ابن مسعود رضي الله عنه، فعلى هذا يكبِّر في سبع صلواتٍ، وعلى قوله الأوَّل في ثمان صلوات، وعلى قولهما في ثلاث وعشرين صلاة.
والرَّابع يكبِّر في ظهر يوم النَّحر ويختم في صبح آخر أيَّام التشريق، وهو قول مالكٍ والشافعي في المشهور، ويحيى الأنصاري، ورُوي ذلك عن ابن عمر وعمر بن عبد العزيز وهو رواية عن أبي يوسف.
والخامس من ظهر يوم عرفة إلى عصر آخر أيَّام التشريق حكي ذلك عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما، وسعيد بن جبير.
والسَّادس يبدأ من ظهر يوم النَّحر إلى ظهر يوم النَّفر الأول، وهو قول بعض أهل العلم.
والسَّابع ما حكاه ابن المنذر عن ابن عيينة، واستحسنه أحمد أنَّ أهل منى يبدؤون من ظهر يوم النحر، وأهل الأمصار من صبح يوم عرفة وإليه مال أبو ثور.
والثَّامن من ظهر يوم عرفة إلى ظهر يوم النَّحر حكاه ابن المنذر.
والتاسع من مغرب ليلة النَّحر عند بعضهم، قاله قاضيخان وغيره.
الثالث في صفة التَّكبير، وهو أن يقول مرَّةً واحدةً الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر ولله الحمد، وبه قالت الحنفيَّة وهو قول عمر بن الخطاَّب وابن مسعود رضي الله عنهما، وبه قال أيضًا الثوريُّ وأحمد وإسحاق.
وفيه أقوالٌ أُخَر
الأوَّل قول الشافعيِّ أنَّه يكبِّر ثلاثًا نسقًا اتباعًا للسَّلف والخلف، ويزيد لا إله إلا الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد.
قال الشافعيُّ وما زاد من ذكر الله فحسن.
واستحسن في «الأم» أن تكون الزِّيادة الله أكبر كبيرًا، والحمد لله كثيرًا، وسبحان الله بكرةً وأصيلًا، لا إله إلا الله، ولا نعبد إلَّا إياه، مخلصين له الدين ولو كره الكافرون، لا إله إلا الله وحده، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، لا إله إلا الله، والله أكبر، وأن يرفع بذلك صوته.
والثَّاني قول مالك أنَّه يقف على الثَّانية فيقول الله أكبر لا إله إلا الله، حكاه الثعلبيُّ عنه.
والثالث عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر وأجل، الله أكبر، ولله الحمد.
والرَّابع هو الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله وحده، لا شريك له، لهُ الملك، وله الحمد، وهو على كلِّ شيءٍ قدير، وهو مرويٌّ عن ابن عمر رضي الله عنهما.
ج 5 ص 204
والخامس عن ابن عباس رضي الله عنهما أيضًا الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله الحيُّ القيوم يحيي ويميت، وهو على كلِّ شيءٍ قدير.
والسَّادس عن عبد الرحمن الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر، الحمد لله، ذكره في «المُحلَّى» .
والسَّابع أنَّه ليس فيه شيءٌ مؤقَّتٌ، قاله الحكم وحمَّاد، وقول أصحابنا أولى؛ لأنَّه كان عليه جماعةٌ من الصَّحابة والتابعين رضي الله عنهم، ولم يثبت في شيءٍ من ذلك حديثٌ، وأصحُّ ما ورد فيه عن الصَّحابة قول عليٍّ وابن مسعود رضي الله عنهما أنَّه من صبح يوم عرفة إلى آخر أيَّام منى، أخرجهما ابن المنذر وغيره.