969 - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ) بفتح العينين المهملتين وتكرير الراء، وقد تقدَّم [خ¦48] (قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ سُلَيْمَانَ) بن مهران الأعمش.
(عَنْ مُسْلِمٍ) بلفظ الفاعل من الإسلام، هو مسلم بن أبي عمران الكوفي (الْبَطِينِ) بفتح الموحدة وكسر الطاء المهملة وسكون التحتانية وفي آخره نون، هو صفةٌ لـ «مسلم» لقِّب بذلك لعظم بطنه.
(عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما (عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ مَا الْعَمَلُ) يشمل أنواع العبادات كالصلاة والتكبير والذِّكر والصوم وغيرها.
(فِي أَيَّامِ) من أيَّام السنة (أَفْضَلَ مِنهَا) أي منَ العمل بتقدير الأعمال، كما في قوله تعالى {أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ} [النور 31] ، كذا قرَّره البرماويُّ والزركشيُّ.
وتعقَّبه ابن الدَّماميني بأنَّ الطِّفل يطلق على الواحد والجماعة بلفظٍ واحد بخلاف العمل، بل الضَّمير المؤنث راجعٌ إلى العمل باعتبار القربة؛ أي ما القربة في أيَّامٍ أفضل منها؟
(فِي هَذَا العَشْرِ) الأوَّل من ذي الحجة، كذا في رواية أبي ذرٍّ عن الكشميهني بالتصريح بالعشر، وكذا عند الترمذيِّ من حديث الأعمش عن مسلمٍ عن سعيد عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما بلفظ (( ما من أيَّام العمل الصالح فيهنَّ أحبُّ إلى الله من هذه الأيام العشر ) ).
وكذا أخرجه أحمد وغيره عن غندرٍ عن شعبة بالإسناد المذكور، ورواه أبو داود الطيالسي في «مسنده» عن شعبة بلفظ (( عشر ذي الحجة ) )، وكذا رواه الدَّارميُّ عن سعيد بن الربيع عن شعبة، وروى أبو عَوانة وابن حبَّان في «صحيحيهما» من حديث جابرٍ رضي الله عنه (( ما من أيَّامٍ أفضل عند الله من أيام عشر ذي الحجة ) ).
فإن قيل فعلى هذا لا مطابقة بين الحديث والتَّرجمة.
فالجواب أنَّ الشَّيء يَشْرُف بمجاورته للشَّيء الشَّريف، وأيَّام التشريق تقع تلو أيام العشر، وقد ثبت بهذا الحديث أفضليَّة أيام العشر، فثبت بذلك أيضًا أفضليَّة أيام التَّشريق، وقد مرَّ أنَّ من جملة صنيع البخاريِّ رحمه الله في «جامعه» أنَّه يُضيف إلى ترجمة شيئًا من غيرها لأدنى ملابسة بها.
وفي رواية كريمة عن الكشميهني بتأنيث هذه مع الإبهام. وفسَّرها بعض
ج 5 ص 199
الشَّارحين بأيَّام التَّشريق؛ لكون المؤلِّف ترجم لها، وهو يقتضي نفي أفضليَّة العمل في أيَّام العشر على أيَّام التشريق.
ووجَّهه بعضهم بأنَّ أيَّام التشريق أيام غفلةٍ، والعبادة في أيَّام الغفلة فاضلةٌ على غيرها كمن قام في جوف الليل وأكثر النَّاس نيامٌ، وهو معارضٌ بالنُّقول، كما قاله الحافظ العسقلانيُّ، بل العمل في أيَّام العشر أفضل من العمل في غيرها من أيام السَّنة من غير استثناء شيءٍ.
فعلى هذا رواية كريمة شاذَّةٌ لمخالفتها رواية أبي ذرٍّ، وهو من الحفَّاظ عن شيخه الكُشميهني. وفي رواية أبي الوقت والأَصيلي وابن عساكر بتأنيث اسم الإشارة المراد منه أيام العشر، كما في رواية أبي ذرٍّ عن الكُشميهني.
ويحتمل أن يكون المراد من «هذه» أيَّامَ التشريق، والمراد من العمل التَّكبير؛ لكون الآثار المذكورة آنفًا متعلِّقة بالتَّكبير فقط.
قال ابن بطَّال العمل في أيَّام التَّشريق هو التَّكبير المسنون، وهو أفضل من صلاة النَّافلة؛ لأنَّه لو كان هذا الكلام حضًّا على الصلاة والصيام في هذه الأيَّام؛ لعارضه ما قاله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( إنَّها أيام أكل وشربٍ ) )، وقد نهى عن صيام هذه الأيَّام.
وهذا يدلُّ على تفريغ هذه الأيام للأكل والشرب، فلم يبقَ معارض إذا عنى بالعمل التَّكبير.
ورُدَّ عليه بأنَّ الذي يُفهم من العمل عند الإطلاق العبادة، وهي لا تنافي استيفاء حظِّ النَّفس من الأكل وسائر ما ذكر، فإنَّ ذلك لا يستغرق اليوم والليلة.
وقال الكرمانيُّ العمل في أيام التَّشريق لا ينحصر في التَّكبير، بل المتبادر منه إلى الذهن أنَّه هو النسك من الرَّمي وغيره الذي يجتمع مع الأكل والشُّرب، مع أنَّه لو حمل على التَّكبير لم يبقَ لقوله بعده «باب التَّكبير أيام منى معنى» ، ويكون تكرارًا محضًا.
وردَّ عليه بعضهم بأنَّ التَّرجمة الأولى لفضل التَّكبير، والثَّانية لمشروعيته أو صفته، أو أراد تفسير العمل المجمل، والأولى بالتَّكبير المصرَّح به في الثَّانية فلا تكرار.
وتعقَّبه العينيُّ بأنَّ الذي يدلُّ على فضل التكبير يدلُّ على مشروعيته أيضًا بالضَّرورة، والمُجمل والمفسَّر في نفس الأمر شيءٌ واحد، فافهم.
ثمَّ إنَّه إذا كان العمل في أيَّام العشر أفضل من العمل في أيَّام غيرها من السنة لزم منه أن تكون أيَّام العشر أفضل من غيرها من أيام السَّنة، حتَّى يوم الجمعة منها أفضل منه في غيرها لجمعه الفضيلتين.
وأخرج البزَّار وغيره عن جابرٍ رضي الله عنه مرفوعًا
ج 5 ص 200
(( أفضل أيام الدنيا أيام العشر ) ).
وفي حديث ابن عمر رضي الله عنهما ليس يومٌ أعظم من أيام الجمعة ليس العشر، وهو يدلُّ على أنَّ أيَّام العشر أفضل من يوم الجمعة الذي هو أفضل الأيَّام.
وأيضًا فأيَّام العشر تشتمل على يوم عرفة، وقد روي أنَّه أفضل أيَّام الدنيا، والأيَّام إذا أُطلقت دخلت فيها الليالي تبعًا، وقد أقسم الله تعالى بها فقال {وَالْفَجْرِ*وَلَيَالٍ عَشْرٍ} [الفجر 1 - 2] .
وقد زعم بعضهم أَّن ليالي عشر رمضان أفضل من ليالي عشر ذي الحجة؛ لاشتمالها على ليلة القدر.
قال الحافظ ابن رجب وهذا بعيدٌ جدًّا، ولو صحَّ حديث أبي هريرة رضي الله عنه المرويُّ عند الترمذيِّ (( قيام كلِّ ليلةٍ منها بقيام ليلة القدر ) )لكان صريحًا في تفضيل لياليه على ليالي عشر رمضان، فإنَّ عشر رمضان فُضَّل بليلةٍ واحدة، وهذا جميع لياليه متساويةٌ.
والتَّحقيق ما قاله بعض أعيان المتأخِّرين من العلماء أنَّ مجموع هذا العشر أفضل من مجموع عشر رمضان، وإن كان في عشر رمضان ليلةٌ لا يفضل عليها غيرها. انتهى.
واستدلَّ به على فضل صيام عشر ذي الحجة؛ لاندراج الصَّوم في العمل، وعورض بتحريم صوم يوم العيد.
وأجيب بحمله على الغالب، ولا ريب أنَّ صيام رمضان أفضل من صوم العشر؛ لأنَّ فعل الفرض أفضل من النَّفل من غير تردُّدٍ، وعلى هذا فكلُّ ما فُعِل من فرضٍ في العشر فهو أفضل من فرضٍ فُعِل في غيره، وكذا النفل.
تذييل من نذر الصِّيام أو علَّق عملًا من الأعمال بأفضل الأيام، فلو أفرد يومًا منها تعيَّن يوم عرفة؛ لأنَّه على الصَّحيح أفضل أيام العشر المذكور، وإن أراد أفضل أيام الأسبوع تعيَّن يوم الجمعة لحديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا (( خير يومٍ طلعت فيه الشَّمس يوم الجمعة ) )رواه مسلم.
(قَالُوا) يا رسول الله (وَلاَ الْجِهَادُ) أفضل منها، وزاد أبو ذرٍّ وفي رواية سلمة بن كُهيل (( فقال رجلٌ ولا الجهاد ) ).
(قَالَ) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (وَلاَ الْجِهَادُ) وفي رواية غُندرٍ عند الإسماعيلي قال (( ولا الجهاد في سبيل الله ) )مرتين، ثمَّ استثنى جهادًا هو أفضل أنواع الجهاد فقال
(إِلاَّ) جهاد (رَجُلٌ) وهو مرفوعٌ على البدل والاستثناء متصلٌ، وقيل منقطعٌ؛ أي لكن جهاد رجل موصوف بما ذُكِر فهو أفضلُ أو مساويه، وتعقِّب بأنَّه إنَّما يستقيم على اللغة التميميَّة، وإلا فالمنقطع عند غيرهم واجب النَّصب، وفي رواية .
(خَرَجَ) حال كونه (يُخَاطِرُ) من المخاطرة، وهي ارتكابُ ما فيه خطرٍ؛ أي يكافح العدوُّ (بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ) من السَّلاح
ج 5 ص 201
والجواد، وغيرهما.
(فَلَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ) من ماله وإن رجع هو نفسه، ويحتمل أن لا يرجعَ هو ولا ماله فيرزقه الله الشَّهادة، وقد وعد الله عليها الجنَّة، كذا قاله ابن بطَّال.
وتعقَّبه الزين ابن المُنيِّر بأنَّ قوله «فلم يرجع بشيءٍ» يستلزم أن يرجع بنفسه ولا بدَّ.
وأجيب بأنَّ قوله «بشيءٍ» نكرة في سياق النفي فيعمُّ، وفي رواية أبي عَوانة من طريق إبراهيم بن حميد عن شعبة بلفظ (( إلا من عقر جواده، وأهريق دمه ) ).
وفي روايته أيضًا من رواية القاسم بن أبي أيوب «إلَّا مَن لا يرجع بنفسه ولا ماله» .
وفي طريق سلمة بن كُهيل فقال (( لا إلَّا أن لا يرجع ) )، وفي حديث جابر رضي الله عنه (( إلَّا من عفر وجهه في التُّراب ) ).
وفي الحديث تفضيل بعض الأزمنة على بعضٍ كالأمكنة، وأنَّ العمل المفضول في الوقت الفاضل يلتحق بالعمل الفاضل في غيره، ويزيد عليه لمضاعفة ثوابه وأجره.
وفيه أيضًا تعظيم قدر الجهاد وتفاوت درجاته، وأنَّ الغاية القصوى بذل النَّفس لله تعالى.
ورجال إسناد الحديث ما بين كوفيٍّ وبصريٍّ وبسطاميٍّ.
وقد أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه، وقال الترمذيُّ حسن صحيحٌ غريبٌ.