فهرس الكتاب

الصفحة 10532 من 11127

7108 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ) الملقب عبدان، قال (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ) هو ابن المبارك، قال (أَخْبَرَنَا يُونُسُ) هو ابن يزيد الأَيْليّ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) ابن شهابٍ، أنَّه قال (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ) بالحاء المهملة والزّاي (أَنَّهُ سَمِعَ) أباه (ابْنَ عُمَرَ) رضي الله عنهما (يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِقَوْمٍ عَذَابًا) أي عقوبةً لهم على سيّء أعمالهم (أَصَابَ الْعَذَابُ مَنْ كَانَ فِيهِمْ) ممَّن ليس هو على منهاجهم و (مَن) مِن صيغ العُموم، فالمعنى أنَّ العذاب يصيبُ حتَّى الصَّالحين منهم. وعند الإسماعيليّ من طريق أبي النُّعمان عن ابن المبارك (( أصاب به مَن بين أظهرهِم ) ).

(ثُمَّ بُعِثُوا) بضمّ الموحّدة (عَلَى) حسب (أَعْمَالِهِمْ) إن كانت صالحةً فعقباهُم صالحة، وإلَّا فسيئة، فذلك العذابُ طُهرة للصَّالح ونقمة للفاسق. وعن عائشة رضي الله عنها مرفوعًا (( إنَّ الله تعالى إذا أنزل سطوتَه بأهل نقمتهِ

ج 29 ص 438

وفيهم الصَّالحون قبضوا معهم، ثمَّ بعثوا على نيَّاتهم وأعمالهم )) ، صحَّحه ابن حبَّان، وأخرجه البيهقيُّ في «شعبه» فلا يلزمُ من الاشتراك في الموت الاشتراك في الثَّواب والعقاب، بل يجازى كلُّ أحدٍ بعملهِ على حسب نيّته، وهذا من الحكم بالعدل؛ لأنَّ أعمالَهم الصَّالحة إنَّما يجازون بها في الآخرة، وأمَّا في الدُّنيا فمهما أصابهم من بلاءٍ كان تكفيرًا لما قدَّموه من عملٍ سيّء كترك الأمر بالمعروف.

وفي «السّنن الأربعة» من حديث أبي بكرٍ الصِّديق رضي الله عنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (( إنَّ النَّاس إذا رأوا المنكر فلم يغيّروه أوشكَ أن يعمَّهم الله بعذاب ) )، وكذا رواه ابن حبَّان وصحَّحه فكان العذاب المرسل في الدُّنيا على الَّذين ظلموا يتناول مَن كان معهم ولم يُنكِر عليهم، فكان ذلك جزاءً لهم على مداهنتهم، ثمَّ يوم القيامة يبعث كلٌّ منهم فيجازى بعمله، فأمَّا من أَمر ونَهى فلا يرسل الله عليهم العذاب بل يدفع الله بهم العذاب، ويؤيِّده قوله تعالى {وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ} [القصص 59] ويدلُّ على التَّعميم لمن لم ينه عن المنكر وإن كان لا يتَعاطاه قولُه {فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ} [النساء 140] .

ويستفاد منه مشروعيَّة الهرب من الظَّلمة؛ لأنَّ الإقامة معهم من إلقاء النَّفس إلى التَّهلكة، وفيه تحذيرٌ وتخويف عظيم لمن سكت عن النَّهي، فكيف بمن داهنَ، فكيف بمن رضيَ، فكيف بمن عاون نسأل الله السَّلامة.

وأخرج البيهقيّ من طريق الحسن بن محمَّد بن عليّ بن أبي طالبٍ عن عائشة رضي الله عنها مرفوعًا (( إذا ظهر الشَّرّ في الأرض أنزلَ الله بأسه فيهم، قيل يا رسول الله، وفيهم أهل طاعته، قال نعم ثمَّ يبعثون إلى رحمة الله تعالى ) ).

وفي حديث زينب بنت جحش قالت (( أنهلك وفينا الصَّالحون قال (( نعم إذا كثر الخبث ) )فيكون إهلاك الجميع عند ظهور المنكر والإعلان بالمعاصي، وأخرج مسلمٌ من حديث عائشة رضي الله عنها مرفوعًا (( العجب أنَّ ناسًا من أمَّتي يَؤُمُّون هذا البيت حتَّى إذا كانوا بالبيداء خُسفَ بهم، فقلنا يا رسول الله، إنَّ الطَّريق قد يجمع النَّاس، فقال نعم فيهم المستنصر والمجبور وابن السَّبيل، يهلكون مهلكًا واحدًا ويصدرونَ مصادر شتَّى يبعثهم الله على نيَّاتهم ) ). ومن حديث أمِّ سلمة رضي الله عنها مثله، ولفظه (( فقلت يا رسول الله، فكيف بمن كان كارهًا؟ قال يخسف به معهم ولكنَّه يُبعث يوم القيمة على نيّته ) )، ومن حديث جابرٍ رضي الله عنه رفعه (( يُبعث

ج 29 ص 439

كلُّ عبدٍ على ما مات عليه )) .

وقال الدَّاوديّ معنى حديث ابن عمر رضي الله عنه في الباب أنَّ الأمم الَّتي تعذّب على الكفر يكون بينهم أهل أسواقهم ومن ليس منهم، فيصاب جميعهم بآجالهم، ثمَّ يُبعثونَ على أعمالهم، ويقال إذا أرادَ الله عذاب أمَّة أعقمَ نساءَهُم خمس عشرة سنةً قبل أن يصابوا لئلَّا يصابَ الولدان الَّذين لم يَجْرِ عليهم القلم. انتهى.

وقال الحافظ العَسقلاني وهذا ليس له أصلٌ، وعموم حديث عائشة رضي الله عنها يردُّه، وقد شوهدت السَّفينة ملئت من الرِّجال والنِّساء والأطفال تغرقُ فيهلكون جميعًا، ومثله الدَّار الكبيرة تحرق، والرِّفقة الكثيرة يخرجُ عليهم قطَّاع الطَّريق فيهلكون جميعًا أو أكثرهم، والبلد من بلاد المسلمين يهجمها الكفَّار فيبذلون السَّيف في أهلها.

وقد وقع ذلك من الخوارجِ قديمًا ثمَّ من القرامطة، والله المستعان، وعند ابن أبي الدُّنيا في كتاب «الأمر بالمعروف» عن إبراهيم بن عمر الصَّنعاني قال أوحى الله تعالى إلى يوشع بن نون إنِّي مُهلكٌ من قومك أربعين ألفًا من خيارهم، وستِّين ألفًا من شرارهم، قال يا ربّ، هؤلاء الأشرار فما بال الأخيار؟ فقال إنَّهم لم يغضبوا بغضبي، وكانوا يآكلونهم ويشاربونهم.

وقال مالك بن دينار أوحى الله تعالى إلى ملك من الملائكة أن اقلب مدينة كذا وكذا على أهلها قال يا ربّ، إنَّ فيهم عبدك فلان ولم يعصك طرفة عينٍ، فقال اقلبها عليه وعليهم، فإنَّ وجهه لم يتمعر فيَّ ساعةً قطُّ. رواه الطَّبرانيّ وغيره من حديث جابرٍ رضي الله عنه مرفوعًا، والمحفوظ كما قال البيهقي ما ذكر.

وقيل إنَّه قد تقوم كثرة رؤية المنكرات مقام ارتكابها، في فتسلب القلوب نور التَّمييز والإنكار؛ لأنَّ المنكرات إذا كثر على القلب ورودها، وتكرَّر في العين شهودُها، ذهبت عظمتها من القلوب شيئًا فشيئًا، إلى أن يراهَا الإنسان فلا يخطرُ بباله أنَّها منكرات، ولا يمرُّ بفكره أنَّها معاصٍ، لما أحدث تكرارها من تألف القلوب بها.

وفي «القوت» لأبي طالبٍ المكيِّ عن بعضهم أنَّه مرَّ يومًا في السُّوق فرأى بدعةً فبال الدَّم من شدَّة إنكارها له بقلبه، وتغيَّر مزاجه لرؤيتها، فلمَّا كان اليوم الثَّاني مرَّ فرآها فبال دمًا صافيًا، فلمَّا كان اليوم الثَّالث مرَّ فرآها فبال بوله المعتاد؛ لأنَّ حدَّة الإنكار الَّتي أثرت في بدنه ذلك الأثر ذهبت، فعاد المزاج إلى حاله الأوَّل، وصارت البدعة كأنَّها مألوفة عنده معروفة

ج 29 ص 440

مستمرئ لا يمكن جحوده، والله أعلم.

ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرةٌ، وقد أخرجه مسلم في (( صفة النَّار ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت