فهرس الكتاب

الصفحة 6460 من 11127

23 - (باب {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} ) وسقط في رواية غير أبي ذرٍّ لفظ ( {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ} إِلَى قَوْلِهِ {عَذَابٌ أَلِيمٌ} ) هكذا في رواية غير أبي ذرٍّ، وفي روايته بعد القصاص ، وفي بعض النُّسخ سيقت الآية بتمامها، وقد روى ابنُ أبي حاتم في سبب نزول هذه الآية أنَّ حيين من العرب اقتتلوا في الجاهليَّة قبل الإسلام بقليل، وكان بينهم قتلٌ وجراحات حتَّى قتلوا العبيد والنِّساء، فلم يأخذ بعضهم من بعضٍ حتَّى أسلموا، وكان أحد الحيَّين يتطاولُ على الآخر في العدَّة والمال، فحلفوا أن لا يرضوا حتَّى يُقْتَلَ الحرُّ منهم بالعبد، والذَّكر بالأنثى، فنزلت.

وقال الفرَّاء نزلت هذه الآية

ج 19 ص 68

في حيَّين من العرب كان لأحدهما طولٌ على الآخر في الكثرة والشَّرف، فكانوا يتزوَّجون نساءهم بغير مهرٍ، فقتل الأوضع من الحيين من الشَّريف قتلى، فأقسم الشَّريف ليقتلنَّ الذَّكر بالأنثى، والحرَّ بالعبد، وأن يضاعفوا الجراحات، فأنزلَ الله تعالى هذه الآية على نبيِّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثمَّ نسخ حكمها، نسخه آية المائدة قوله تعالى {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيْهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ} [المائدة 45] الآية، فآية البقرة منسوخةٌ لا يُعمل بها ولا يُحكم، ومذهب أبي حنيفة أنَّ الحرَّ يقتل بالعبد والذَّكر بالأنثى على مقتضى آية المائدة، فالقصاص ثابتٌ بينهما، وإليه ذهب الثَّوري وابن أبي ليلى وداود، وهو مرويٌّ عن عليٍّ وابن مسعود وسعيد بن المسيَّب وإبراهيم النَّخعي وقتادة والحكم، وقد استدلُّوا أيضًا بقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( المسلمون تتكافأ دماؤهم ) )وبأنَّ التَّفاضل في الأنفس غير معتبرٍ بدليل أنَّ جماعةً لو قتلوا واحدًا قتلوا به. فإن قيل دعوى النَّسخ بآية المائدة غير سائغةٍ؛ لأنَّه حكايةُ ما في التَّوراة فلا تنسخ ما في القرآن.

فالجواب أنَّ ذلك النَّسخ ليس باعتبار ما في التَّوراة بل باعتبار ذكره في القرآن من غير نكيرٍ، وعن عمر بن عبد العزيز والحسن البصري وعطاء وعكرمة وهو مذهب الشَّافعيَّة والمالكيَّة أنَّ الحرَّ لا يقتل بالعبد، والذَّكر لا يقتل بالأنثى استدلالًا بآية البقرة أعني قوله {الحُرُّ بِالْحُرِّ وَالعَبْدُ بِالعَبْدِ} الآية. وقد قالت الحنفيَّة إنَّها منسوخةٌ.

وقال البيضاوي لا دَلالة فيها على أن لا يقتل الحرُّ بالعبد والذَّكر بالأنثى، كما لا تدلُّ على عكسه، فإنَّ المفهوم إنَّما يعتبر حيث لم يظهر للتَّخصيصِ غرضٌ سوى اختصاص الحكم، وإنَّما منع مالكٌ والشَّافعي قتل الحرِّ بالعبد سواءٌ كان عبده أو عبد غيره لحديث (( لا يقتل حرٌّ بعبد ) )رواه الدَّارقطني، وذكر الواحدي في قوله {كُتِبَ عَلَيْكُمْ القِصَاصُ} أنَّ معناه في اللُّغة المماثلة والمساواة، وقيل القصاص المساواة والمجازاة، والمراد به العدل في الأحكام، وهذا حكم الله عزَّ وجلَّ الَّذي لم يزل ولا يزال أبدًا فلا نسخَ فيه ولا تبديلَ له.

والمراد بآية المائدة تبيين العدلِ في تكافؤ الدِّماء في الجملة

ج 19 ص 69

وترك التَّفاضل، وعلى هذا فليس بينهما تعارضٌ الأنسب عموم آية المائدة، وفيها مقابلةٌ مطلقةٌ، وهذه الآية فيها مقابلةٌ مقيَّدةٌ، ولا يحمل المطلقُ على المقيَّد على أنَّ مقابلة الحرِّ بالحرِّ لا تنافي مقابلة الحرِّ بالعبد؛ لأنَّه ليس فيه إلَّا ذكر بعض ما يشمله العموم على موافقة حكمه، وذلك لا يوجب تخصيص ما بقي، فافهم.

( {عُفِيَ} تُرِكَ) أشار به إلى تفسير قوله تعالى {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيْهِ شَيْءٌ} [البقرة 178] ؛ أي فمن ترك وصفح له من الواجب عليه في العمد فرضي بالدِّيَة فعلى وليِّ القتيل أن يتبعَ بالمعروف في المطالبة وترك التَّشديد على القاتل، وقد سقطَ ذلك في بعض النُّسخ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت