4498 - (حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ) هو عبدُ الله بن الزُّبير بن عيسى المكي، وحُميد أحدُ أجداده نسب إليه، وهو حميدُ بن زهير، وهو أوَّل من حدَّث عنه البُخاري في «الجامع» ، قال (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) هو ابنُ عيينة، قال (حَدَّثَنَا عَمْرٌو) هو ابنُ دينار (قَالَ سَمِعْتُ مُجَاهِدًا) هو ابنُ جبر المفسِّر (سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما يَقُولُ كَانَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ الْقِصَاصُ وَلَمْ تَكُنْ فِيهِمُ الدِّيَةُ، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِهَذِهِ الأُمَّةِ {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنْثَى بِالأُنْثَى فَمَنْ عُفِي لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ} [البقرة 187] ) أي شيءٌ من العفو؛ لأنَّ عفا لازمٌ، وفائدته الإشعار بأنَّ بعضَ العفو عن الدَّم كالعفو التَّامِّ في إسقاط القصاص، أو عفو بعض الورثة يسقط القصاص ولم يجب إلَّا الدِّيَة، وقيل هو في من قُتِل وله وليَّان، فعفى أحدُهما فللآخر أن يأخذَ مقدار حصَّته من الدِّيَة [وقيل] عفى بمعنى ترك، فشيءٌ مفعول به وهو ضعيفٌ إذا لم يثبت عفا الشَّيء بمعنى تركه بل أعفاه، ثمَّ إن عفا يتعدَّى بعن إلى الجاني وإلى الذَّنب قال الله تعالى {عَفَا اللَّهُ عَنْكَ} [التوبة 43] وقال {عَفَا اللَّهُ عَنْهَا} [المائدة 101] فإذا عدي به إلى الذَّنب عدي إلى الجاني باللام، يُقال عفوت لفلانٍ عمَّا جنى، كما تقول غفرتُ له ذنبه وتجاوزتُ له عنه، وعلى هذا ما في الآية كأنَّه قيل فمن عُفي له عن جنايتهِ من جهة أخيه؛ يعني وليَّ الدَّم فاستغنى عن ذكر الجناية، وإنَّما ذكره بلفظ الأخوَّة الثَّابتة بينهما من الجنسيَّة والإسلام ليعطف أحدهما على الآخر بذكر ما هو ثابتٌ بينهما،
ج 19 ص 70
قاله القاضي في «تفسيره» .
وقال الخطَّابي العفو في الآية يحتاجُ إلى تفسير، وذلك أنَّ ظاهر العفو يوجب أن لا تبعة لأحدهما على الآخر، فما معنى الاتِّباع والأداء، فمعناه أنَّ من عُفي عنه الدَّم بالدِّيَة فعلى صاحب الدِّيَة اتِّباع؛ أي مطالبةٌ بالدِّيَة، وعلى القاتل أداء الدِّيَة إليه، وهذا معنى قوله (فَالْعَفْوُ أَنْ يَقْبَلَ) أي الولي (الدِّيَةَ فِي الْعَمْدِ) أي في القتل العمد ( {فَاتِّبَاعٌ} ) أي فليكن اتِّباع أو فالأمر اتباعٌ ( {بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ} ) يعني (يَتَّبِعُ) بتشديد الفوقية وكسر الموحدة، وفي رواية أبي ذرٍّ بضم التحتية وسكون الفوقية وفتح الموحدة؛ أي يُطالب وليَّ القتيل الدِّيَة (بِالْمَعْرُوفِ) من غير تشديدٍ وعنفٍ (وَيُؤَدِّي) المعفوُّ عنه الدِّية (بِإِحْسَانٍ) من غير مطلٍ ولا بخسٍ ( {ذَلِكَ} ) أي الحكم المذكور من العفو والدِّيَة ( {تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ} مِمَّا كُتِبَ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ) فإنَّ أهل التَّوراة كُتب عليهم القصاص، وحَرُم عليهم العفو وأخذ الدِّيَة، وعلى أهل الإنجيل العفو، وحرم عليهم القصاص والدِّيَة، وخُيِّرت هذه الأمَّة المحمديَّة بين الثَّلاثة القصاص والدِّيَة والعفو توسعةً عليهم وتيسيرًا، فالمراد بمن كان قبلكم أهل التَّوراة والإنجيل ( {فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ} ) أي بعد التَّخفيف وتجاوز ما شرع له أو قتل بعد أخذ الدِّيَة، وهو معنى قوله الآتي ( {فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ} ) نوعٌ من العذاب شديد الألم في الآخرة، أو في الدُّنيا بأن يقتل لا محالة، قال سعيد بن أبي عَروبة عن قتادة عن الحسن عن سمرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( لا أعافي رجلًا ) )وفي رواية (( أحدًا ) )قتل بعد أخذه الدِّية»؛ يعني لا أقبل منه الدِّيَة بل أقتله (قَتَلَ) على البناء للفاعل من الماضي (بَعْدَ قَبُولِ الدِّيَةِ) وهذا وقع تفسيرًا لقوله {فَمَنْ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ} [البقرة 178] .
ومطابقة الحديث للآية أوضحُ ما يكون، وقد أخرجه البُخاري في «الدِّيات» أيضًا [خ¦6881] ، وأخرجه النَّسائي في التَّفسير.