50 - (بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ، فِي المُكَاتَبِ) كذا وقع لأبي ذرٍّ، وفي رواية غيره وأثبتوا كلُّهم البسملة، و «المكاتَب» _ بفتح التاء _ هو الرَّقيق الذي يكاتبه مَولاه على مالٍ يؤدِّيه إليه بحيث إنَّه إذا أدَّاه عَتَقَ، وإن عجز رُدَّ إلى الرِّق، وبكسر التاء هو مولاه الذي بينهما عقد الكتابة، وبعبارةٍ أُخرى المكاتَب _ بالفتح _ من يقع له الكتابة، وبالكسر من تقع منه، وكاف «الكِتَابة» تكسر وتفتح كعين العتاقة.
والكتابة وكذا المكاتبة هي بيعُ الرَّقيق من نفسه بدين مؤجَّل يؤدِّيه بنجمين وأكثر، وقيل هي عقدٌ بين المولى وعبده بلفظ الكتابة، أو ما يؤدِّى معناه من كلِّ وجهٍ يوجب التَّحرير يدًا في الحال ورقبة في المآل. وقيل هي تعليق عتق بصفة على معاوضةٍ مخصوصةٍ، وقيل هي أن يقولَ الرَّجل لمملوكه كاتبتك على ألف درهمٍ مثلًا، ومعناه كتبتُ لك على نفسي أن تعتقَ منِّي إذا وفيت المال، أو كتبتُ لي على نفسك أن تفيَ بذلك؛ أي كتبتُ عليك وفاءَ المال، وكتبتُ عليَّ العتقَ.
قال الرَّاغب واشتقاقها من «كتب» بمعنى أوجبَ، ومنه قوله تعالى {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ} [البقرة 183] ، {إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا} [النساء 103] ، أو بمعنى جمع وضم، يُقال كتبتُ الكتاب، إذا جمعت بين الكلمات والحروف، فعلى الأول تكون مأخوذة من معنى الالتزام، وعلى الثَّاني تكون مأخوذة من الكتابة بمعنى الخطِّ؛ لوجوده عند عقدها غالبًا.
فإن قيل سائرُ العقود يوجد فيها هذان المعنيان أيضًا فلِمَ لا يسمَّى بهذا الاسم؟
فالجواب أنَّ وجه التَّسمية لا يلزم أن يطَّرد، ألا ترى أنَّ القارورة سُمِّيت بهذا الاسم؛ لقرار المائع فيها ولم يسمَّ الكوز ونحوه به، وإن كان يوجد
ج 11 ص 599
فيه معنى القرار أيضًا.
وقال الرُّوياني الكتابة إسلاميةٌ ولم تكن تعرف في الجاهلية، وردَّ عليه بأنَّها كانت متعارفةً قبل الإسلام فأقرَّها النَّبي صلى الله عليه وسلم.
وقال ابن خُزيمة في كلامه على حديث بَرِيرة قيل إنَّ بَرِيرة أوَّل مكاتبة في الإسلام، وقد كانوا يتكاتبون في الجاهليَّة بالمدينة.
وفي «التوضيح» واختلف في أوَّل من كوتب في الإسلام، فقيل سلمان الفارسي رضي الله عنه كاتب أهله على مائة وديةٍ نجمَّها لهم فقال صلى الله عليه وسلم (( إذا غرستها فآذنِّي قال فلمَّا غرستها آذَنته، فدعا فيها فلم يمت منها ودية واحدة ) ).
وقيل أوَّل من كوتب أبو المؤمِّل فقال صلى الله عليه وسلم (( أعينوه ) )فقضى كتابته وفضلت عنده، فاستفتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال (( أنفقْها في سبيل الله ) ).
وحكى ابن التِّين أنَّ أوَّل من كُوتب من النِّساء بَريرة، كما سيأتي حديثها في هذه الأبواب [خ¦2560] ، وأوَّل من كُوتب بعد النَّبي صلى الله عليه وسلم أبو أميَّة مولى عمر رضي الله عنه، ثمَّ سيرين مولى أنس رضي الله عنه.
ثمَّ الكتابة خارجةٌ عن القياس عند من يقول إنَّ العبد لا يملك، وهي لازمةٌ من جهة السَّيد إلَّا إن عجز العبد، وجائزةٌ له على الرَّاجح من أقوال العلماء.
1 - (بابُ إِثْمِ مَنْ قَذَفَ مَمْلُوكَهُ الْمُكَاتَبِ) كذا وقع هذا الباب هنا للجميع إلا النَّسفي وأبا ذرٍّ، ولم يذكر من أثبت هذه التَّرجمة فيها حديثًا.
قال الحافظُ العسقلاني ولا أعرف لدخولها في أبواب المكاتب معنى، وكأنَّ المصنِّف ترجم بها وأخلى بياضًا ليكتب فيه الحديث الوارد في ذلك، فكأنَّه لمَّا لم يظفر به تركه هكذا، وقد ترجم في «كتاب الحدود» باب «قذف العبد» ، وأورد فيه حديث (( من قذف مملوكه وهو بريء ممَّا قال جُلد يوم القيامة ... ) )الحديث [خ¦6858] . ولعلَّه أشار بذلك إلى أنَّه يدخل في هذه الأبواب فافهم.
(بابُ) أمر (الْمُكَاتَبِ وَ) أمر (نُجُومِهِ) جمع نجم، وهو في الأصل الطَّالع، ثم سُمِّي به الوقت، ومنه قول الشَّافعي أقل التَّأجيل نجمان؛ أي شهران ثمَّ سُمِّي به ما يؤدَّى فيه من الوظيفة يقال دين منجَّم جُعِل نجومًا.
وقال
ج 11 ص 600
الرَّافعي النَّجم في الأصل الوقت، وكانت العرب يبنون أمورهم في المعاملات على طلوع النَّجم مع المنازل لكونهم لا يعرفون الحساب، فيقول أحدهم إذا طلع الثريا مثلًا أدَّيت حقَّك، فسُمِّيت الأوقات نجومًا بذلك، ثمَّ سُمِّي المؤدَّى في الوقت نجمًا، وقيل أصل هذا من نجوم الأنواء؛ لأنَّهم كانوا لا يعرفون الحساب، وإنَّما يحفظون أوقات السنة بالأنواء.
(فِي كُلِّ سَنَةٍ نَجْمٌ) «نجمٌ» مرفوع بالابتداء وخبره هو قوله مقدمًا «في كلِّ سنة» ، والجملة في محلِّ الرفع على الخبرية؛ لقوله «ونجومه» ، وهو مبتدأ، ولم يثبت في رواية النَّسفي لفظ «نجم» ، فعلى هذا يكون قوله «في كلِّ سنة» ، نصبًا على الحال من نجومه، وهو عطف على «المكاتب» .
ثمَّ إنَّ قوله «في كل سنة نجم» ، أخذه المصنِّف من صورة الخبر الوارد في قصَّة بَريرة، كما سيأتي إن شاء الله تعالى [خ¦2560] ، ولم يرد المصنِّف أن ذلك شرط فيه، فإنَّ العلماء اتَّفقوا على أنه لو وقع التنجيم بالأشهُر جاز.
وقال الحافظ العسقلاني وعُرِف من التَّرجمة اشتراط التَّأجيل في الكتابة، وهو قول الشَّافعي وقوفًا مع التَّسمية، بناءً على أنَّ الكتابة مشتقة من الضم، وهو ضم بعض النُّجوم إلى بعض، وأقلُّ ما يحصل به الضم نجمان، ولأنَّه أمكن لتحصيل القدرة على الأداء. وذهب المالكيَّة والحنفيَّة إلى جواز الكتابة الحالَّة، واختاره بعضُ الشَّافعية كالرُّوياني.
وقال ابن التِّين لا نصَّ لمالك في ذلك إلَّا أنَّ محققي أصحابه شبَّهوه ببيع العبد من نفسه. واختار بعض أصحاب مالك أن لا يكون أقلَّ من نجمين كقول الشَّافعي. واحتجَّ الطَّحاوي وغيره بأنَّ التأجيل جعل رفقًا بالمكاتَب لا بالسيِّد، فإذا قدر العبد على ذلك لا يُمنع، وهذا قول اللَّيث، وبأنَّ سلمان رضي الله عنه كاتب بأمر النَّبي صلى الله عليه وسلم، ولم يذكر تأجيلًا، وقد تقدَّم ذكر خبره [الباب السابق] .
وبأنَّ عجز المكاتَب عن القدر الحالِّ لا يمنع صحَّة الكتابة، كالبيع في المجلس كمن اشترى ما يساوي درهمًا بعشرة دراهم حالة، وهو لا يقدرُ حينئذٍ إلَّا على
ج 11 ص 601
درهم نفذ البيع مع عجزهِ عن أكثر الثَّمن، وبأنَّ الشَّافعية أجازوا السَّلَم الحال، ولم يقفوا مع التَّسمية مع أنَّها مشعرة بالتَّأجيل، والله أعلم.
(وَقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ {وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ} ) لمَّا ذكر الله تعالى تزويج الحرائر والإماء والأحرار والعبيد ذكر حال من يعجزُ عن ذلك بقوله تعالى {وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ} ؛ أي وليجتهد في العفَّة، وقمع الشَّهوة {لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا} أسبابه، ويجوز أن يراد بالنِّكاح ما ينكح به، وبالوجدان التمكُّن منه {حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} فيجدوا ما يتزوَّجون به، ثمَّ قال {وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ} أي يطلبون من البغية وهو الطلب.
قال الزَّمخشري {وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ} مرفوعٌ على الابتداء، وقوله {فَكَاتِبُوهُمْ} خبره أو منصوب بفعل مضمر تفسيره، قوله {فَكَاتِبُوهُمْ} كقولك زيدًا فاضربه، ودخلت الفاء لتضمن معنى الشَّرط {الْكِتَابَ} منصوب مفعول {يَبْتَغُونَ} الكتاب والمكاتبة كالعتابِ والمعاتبة مفاعلة بين اثنين، وهما السيِّد وعبده، وهي أن يقول الرَّجل لمملوكه كاتبتك على كذا من الكتاب؛ لأنَّ السيِّد كتبَ على نفسه العتق إذا أدَّى المال، أو لأنَّه ممَّا يكتب لتأجيله، أو من الكتب بمعنى الجمع؛ لأنَّ العوض فيه يكون منجمًا بضم بعضها إلى بعض وجوبًا عند الشَّافعي أو غالبًا عند أبي حنيفة.
( {مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} ) عبدًا كان أو أمة ( {فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا} ) اختلفوا في المراد بالخير، فقال الثَّوري هو القدرة على الاحتراف والكسب لأداء ما كُوتبوا عليه. وعن اللَّيث مثله، وكره ابن عمر رضي الله عنهما كتابة من لا حرفة له، وكذا رُوِي عن سلمان رضي الله عنه.
وقال الحسن البصري الصِّدق والأمانة والوفاء، وقيل الصَّلاح وإقامة الصَّلاة. وقال مجاهد المال، وكذا نقل عن عطاء وأبي رزين، وكذلك رُوِي عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما.
وفي «المصنَّف» وكتب عمر رضي الله عنه
ج 11 ص 602
إلى عمير بن سعد إِنْهَ من قِبَلك من المسلمين أن يكاتبوهم أرقاؤهم على مسألة النَّاس.
وقال ابن حزم قالت طائفة المال [1] ، فنظرنا في ذلك فوجدنا موضوع كلام العرب الذي نزل به القرآن أنَّه لو أراد عزَّ وجلَّ المال لقال إنْ علمتم لهم خيرًا أو عندهم أو معهم خيرًا؛ لأنَّ بهذه الحروف يضاف المال إلى من هو له في لغة العرب، ولا يُقال أصلًا في فلان مال، فعلمنا أنَّه تعالى لم يُرِد به المال فصحَّ أنَّه الدِّين.
ورُوِي عن عليٍّ رضي الله عنه أنه سُئل أَأُكاتِب وليس لي مال؟ فقال نعم، فصحَّ عنه أن الخير عنده لم يكن المال.
وقال الطحَّاوي من قال إنَّه المال لا يصحُّ عندنا؛ لأنَّ العبد نفسه مال لمولاه فكيف يكون له مال، والمعنى عندنا إن علمتم فيهم الدِّين والصِّدق وعلمتم أنَّهم يعاملونكم على أنَّهم متعبَّدون بالوفاء لكم بما عليهم من الكتابة والصِّدق في المعاملة فكاتبوهم.
أقول وبهذا اتَّضح ما قال البيضاوي، وقيل مالًا وضَعْفُه ظاهرٌ لفظًا ومعنى، ثمَّ إنَّ هذا الأمر عند الجمهور للنَّدب. وقال داود على الوجوب إذا سأله العبد أن يُكاتبه، ورُوِي ذلك عن عكرمة أيضًا. وقال عطاء يجب عليه إن علم أنَّ له مالًا.
وفي «تفسير النَّسفي» وقيل هو أمرُ إيجاب فُرِضَ على الرَّجل أن يكاتِبَ عبده الذي قد علم منه خيرًا إذا سأله ذلك بقيمته وأكثر، وهو قول داود ومحمَّد بن جرير من الفقهاء، وهي رواية العوفي عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما.
واحتجَّ مَنْ نصر هذا القول بما رَوَىَ قتادة أنَّ سيرين سأل أنس بن مالك رضي الله عنه أن يكاتبه، فلكأ عليه، فشكاه إلى عمر رضي الله عنه فعلاه بالدِّرَّة كما يجيء، واحتجُّوا أيضًا بأنَّ هذه الآية نزلت في غلام لحويطب بن عبد العزَّى يُقال له صَبِيح سأل مولاه أن يكاتبه فأبى عليه، فأنزل الله تعالى هذه الآية، فكاتب حويطب على مائة دينار، ووهب له منها عشرين دينارًا، فأدَّاها، وقُتل يوم حُنين في الحرب انتهى.
وسِيرين _ بكسر السين المهملة _ مولى أنس بن مالك رضي الله عنه، وهو من سبي عين التَّمر الذين أسرهم خالد بن الوليد رضي الله عنه، وقوله «فلكأ عليه» ؛ أي توقَّف وتباطأ
ج 11 ص 603
وكذلك تلكَّأ، وقوله فعلاه بالدِّرَّة _ بكسر الدال وتشديد الراء _ هي الآلة التي يُضرب بها.
وقصَّة سيرين رواها ابن سعد بسنده عن قتادة قال سأل سيرين أبو محمَّد أنسَ بن مالك رضي الله عنه الكتابة، فأبى أنس رضي الله عنه، فرفع عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه عليه الدِّرة وقال كاتبه فكاتبه.
وقال أخبرنا معمر بن عيسى ثنا محمَّد بن عَمرو سمعت محمَّد بن سيرين كاتبَ أنسٌ أبي على أربعين ألف درهم. وأمَّا حُويطب بن عبد العزَّى القرشي العامري أبو محمَّد، وقيل أبو الأصبع من المؤلَّفة قلوبهم شهد حنينًا، ثمَّ حُمِد [2] إسلامه، وعُمِّر مائة وعشرين سنة وله رواية، وصَبِيح غلامه _ بفتح الصاد المهملة وكسر الموحدة _، وقصَّته رواها سلمة بن الفضل، عن محمَّد بن إسحاق، عن خاله عبد الله بن صَبيح، عن أبيه قال كنتُ مملوكًا لحويطب فسألته الكتابة فنزلت {وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ} [النور 33] الآية، أخرجه ابن السَّكن وغيره في ترجمة صَبيح من الصَّحابة.
وحجَّة الجمهور في هذا أن الإجماع منعقد على أن السيِّد لا يُجبَر على بيعِ عبده، وإن ضُوعف له في الثَّمن، وإذا كان كذلك فالأولى أن لا يخرج عن ملكه بغير عوض، [و] لا يُقال إنَّها طريق العتق والشَّارع متشوِّق إليه فخالف البيع، لأنَّا نقول التشوُّق إنَّما هو في محلٍّ مخصوصٍ، وأيضًا الكسب له فكأنَّه قال أعتقني مجانًا، وأمَّا الآثار التي دلَّت على الوجوب فسيأتي الكلام فيها إن شاء الله تعالى.
( {وَآتُوهُمْ} ) أي أعطوهم ( {مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ} ) أي أعطاكم، اختُلِف في المخاطبين مَن هم؟ فقيل الأغنياء الذين تجب عليهم الزَّكاة، أُمِروا أن يُعينوا المكاتبين ويعطوهم من زكاتهم، ويحل ذلك للمولى وإن كان غنيًا؛ لأنه لا يأخذه صدقةً كالدَّائن والمشتري، ويدلُّ عليه قوله صلى الله عليه وسلم في حديث بَريرة (( هو لها صدقة ولنا هدية ) ).
وقيل الموالي كما قبله، أُمِروا بإعانتهم بأن يحطُّوا عنهم من مال الكتابة، واختُلِف أيضًا في الإيتاء هل هو واجبٌ أو مندوب؟ فذهب الشَّافعي إلى أنَّه واجب. وقال أبو حنيفة ومالك ليس بواجب،
ج 11 ص 604
والأمر فيه على النَّدب والحضِّ، على أن يضعَ الرَّجل عن عبده من مال كتاتبه شيئًا مسمَّى يستعين به على الخلاص. واختلفوا فيه أيضًا هل هو مقدار معين؟ فقال الشَّافعي هو غير مقدَّر، ولكنَّه واجب وهو المنقول عن سعيد بن جُبير.
وقال أحمد هو ربعُ المال وهو المرويُّ أيضًا عن عليِّ بن أبي طالب رضي الله عنه. وعن ابن مسعود رضي الله عنه الثلث، وقال الزَّمخشري {وَآَتُوهُمْ} أمر للمسلمين على وجه الوجوب بإعانة المكاتبين وإعطائهم سهمهم الذي جعل الله لهم من بيت المال لقوله {وَفِي الرِّقَابِ} [البقرة 177] عند أبي حنيفة وأصحابه. وقيل معنى {آتوهم} أسلفوهم، وقيل أنفقوا عليهم بعد أن يُؤدُّوا ويعتقوا، وهذا كله مستحبٌّ.
وقال ابن بطَّال وقول الجمهور أولى؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لم يأمر موالي بريرة بإعطائها شيئًا، وقد كُوتبت وبيعت بعد الكتابة، ولو كان الإيتاء واجبًا لكان مقدَّرًا كسائر الواجبات، حتَّى إذا امتنع السيِّد من جَعْلِه ادَّعاهُ عند الحاكم عليه.
ودعوى المجهول لا يُحكَم بها، ولو كان الإيتاء واجبًا وهو غير مقدَّر لكان الواجب للمولى على المكاتب هو الباقي بعد الحط، فأدَّى ذلك إلى جهل مبلغ الكتابة، وذلك لا يجوز والله أعلم.
وآخر الآية {وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ} أي إمائكم {عَلَى الْبِغَاءِ} أي الزِّنا، كانت لعبد الله بن أُبيٍّ ست جوار يُكرههنَّ على الزِّنا، وضرب عليهن الضَّرائب، فشكا بعضهنَّ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت {إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا} أي تعفُّفًا شرطٌ للإكراه، فإنَّه لا يوجد دونه، وإن جعل شرطًا للنهي لم يلزم من عدمه جواز الإكراه؛ لجواز أن يكون ارتفاع النَّهي بامتناع المنهي عنه، وإيثار «أنَّ» على «إذا» لأنَّ إرادة التحصُّن من الإماء كالشَّاذ النَّادر.
{لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [النور 33] أي لهنَّ أَوْ له إن تاب، والأول أوفقُ للظَّاهر. ولما في مصحف ابنِ مسعود رضي الله عنه ولا يَرِدُ عليه أن المكرهة غير آثمة فلا حاجة إلى المغفرة؛
ج 11 ص 605
لأنَّ الإكراهَ لا يُنافي المؤاخذة بالذَّات، ولذلك حُرِّم على المكره القتل، وأوجبَ عليه القصاص.
(وَقَالَ رَوْحٌ) هو ابنُ عبادة (عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ) هو عبدُ الملك بن عبد العزيز بن جُريج المكِّي، أنَّه قال (قُلْتُ لِعَطَاءٍ) هو ابنُ أبي رباح (أَوَاجِبٌ عَلَيَّ إِذَا عَلِمْتُ لَهُ مَالًا أَنْ أُكَاتِبَهُ قَالَ مَا أُرَاهُ إِلاَّ وَاجِبًا) وهذا التَّعليق رواه ابنُ حزم من طريق إسماعيل بن إسحاق ثنا عليُّ بن عبد الله قال ثنا روحُ بن عبادة حدَّثنا ابن جُريج به. ووصله أيضًا إسماعيل القاضي في «أحكام القرآن» قال ثنا علي بن المديني ثنا رَوْح بن عُبادة بهذا، وكذلك أخرجه عبد الرَّزَّاق والشَّافعي من وجهين آخرين عن ابن جُريج.
(وَقَالَهُ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ) هكذا وقع في جميع النُّسخ المرويَّة عن الفربري. وظاهره أنَّ هذا الأثر من رواية عمرو بن دينار عن عطاء.
قال الحافظ العسقلاني وليس كذلك، بل وقع فيه تحريفٌ لزم منه الخطأ، والنُّسخة المعتمد عليها من رواية النَّسفي عن البخاري، بالضَّمير المنصوب بعد «قال» ؛ أي وقال القول المذكور عَمرو بن دينار. وقد وقع في رواية إسماعيل القاضي «وقاله لي أيضًا عَمرو بن دينار» ، والقول المذكور هو القول بوجوبها، وفاعل «قال» هو ابن جُريج وهو أيضًا فاعل (قُلْتُ لِعَطَاءٍ) لا عَمرو بن دينار، وحاصله أنَّ عَمرو بن دينار قال مثل ما قال عطاء في سؤال ابن جُريج؛ لا أنَّ عمرو سأل عطاء عن ذلك مثل ما سأل ابن جُريج. وقد صرَّح بذلك في رواية إسماعيل حيث قال فيها بالسَّند المذكور قال ابن جُريج وأخبرني عطاء، وكذلك أخرجه عبد الرَّزَّاق والشَّافعي. ومن طريقه البيهقي عن عبد الله بن الحارث كلاهما عن ابنِ جُريج وقالا فيه وقالها عَمرو بن دينار.
والحاصل أنَّ ابن جريج نقل عن عطاء التردُّد في الوجوب، وعن عمرو بن دينار الجزم به أو موافقة عطاء.
(تَأْثُرُهُ) بضم المثلثة؛ أي ترويه (عَنْ أَحَدٍ؟) من أثر يأثر أثرًا، يُقال أثرتُ الحديث أثرًا، إذا ذكرتَه عن غيرك، ومنه قيل حديثٌ مأثور؛ أي ينقله خلف عن سلف (قَالَ لاَ) أي لا آثره عن أحدٍ (ثُمَّ أَخْبَرَنِي) أي قال ابن جريج ثمَّ أخبرني عطاء، كذا وقع مصرَّحًا في رواية إسماعيل القاضي في «أحكام القرآن» ولفظه قال ابن جريج وأخبرني عطاء
ج 11 ص 606
(أَنَّ مُوسَى بْنَ أَنَسٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ سِيرِينَ) هو أبو محمَّد بن سيرين، يُكنى أبا عَمْرة وهو والد محمَّد بن سيرين الفقيه المشهور، وكان من سبي عين التَّمر، اشتراه أنسٌ في خلافة أبي بكر رضي الله عنه، وروى هو عن عمر وغيره، وذكره ابن حبَّان في ثقات التَّابعين.
(سَأَلَ أَنَسًا الْمُكَاتَبَةَ، وَكَانَ كَثِيرَ الْمَالِ فَأَبَى) أي امتنعَ من فعل الكتابة (فَانْطَلَقَ إِلَى عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فَقَالَ كَاتِبْهُ. فَأَبَى فَضَرَبَهُ بِالدِّرَّةِ) بكسر الدال وتشديد الراء (وَيَتْلُو عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ {فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا} فَكَاتَبَهُ) أي أنس رضي الله عنه، وفي رواية إسماعيل بن إسحاق فاستعداه عليه، وزاد في آخر القصَّة فكاتبه أنس، وفي رواية عبد الرَّزَّاق، عن ابن جُريج أخبرني مُخْبِرٌ أنَّ موسى بن أنس أخبره، وقد عُرِف اسم المخبر من رواية روح، وظاهر سياقه الإرسال؛ لأنَّ موسى لم يُدرك وقت سؤال سيرين من أنس الكتابة.
وقد رواه عبد الرَّزَّاق والطَّبري من وجه آخر متَّصل من طريق سعيد بن أبي عَروبة، عن قتادة، عن أنس رضي الله عنه قال أرادني سيرين على المكاتبة فأبيت، فأتى عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه فذكر نحوه.
وقد روى ابن سعد من طريق محمَّد بن سيرين قال كاتب أنس أبي على أربعين ألف درهم، فإن قيل روى البيهقي من طريق أنس بن سيرين عن أبيه قال كاتبني أنسٌ على عشرين ألف درهم.
فالجواب أنَّهما إن كانا محفوظين جُمِع بينهما بأن يُحملَ أحدهما على الوزن، والآخر على العدد، ولابن أبي شيبة من طريق عبيد الله بن أبي بكر بن أنس قال هذه مكاتبة أنس عندنا هذا ما كاتب أنس غلامه سيرين كاتبه على كذا وكذا، وعلى غلامين يعملان مثل عمله.
واستدلَّ بفعل عمر رضي الله عنه على أنَّه كان يرى بوجوب الكتابة إذا سألها العبد؛ لأنَّ عمر رضي الله عنه لمَّا ضرب أنسًا على الامتناع دلَّ على ذلك، وليس بلازم لاحتمال أنَّه أدَّبه على ترك المندوب المؤكد.
قال ابن القصَّار إنَّما علا عمر أنسًا بالدِّرَّة
ج 11 ص 607
على وجه النُّصح لأنس، ولو كانت الكتابة لزمت أنسًا ما أبى، وإنَّما ندبه عمر رضي الله عنه إلى الأفضل، انتهى.
وفيه نظرٌ لا يخفى؛ لأن الضَّرب على ترك المندوب غير موجَّه خصوصًا من مثل عمر لمثل أنس رضي الله عنهما، ولا سيَّما تلا عمر رضي الله عنه قوله تعالى {فَكَاتِبُوهُمْ} [النور 33] الآية عند ضربه إيَّاه، والله تعالى أعلم.
تتمَّة روى عبد الرَّزَّاق أنَّ عثمان رضي الله عنه قال لمن سأله الكتابة لولا آية من كتاب الله ما فعلت. وهو أيضًا لا يدلُّ على أنَّه كان يرى الوجوب. ونقل ابنُ حزم القول بوجوبها عن مسروق والضَّحاك. زاد القرطبي وعكرمة. وعن إسحاق بن راهويه مكاتبته واجبة إذا طلبها، ولكن لا يُجبِرُ الحاكمُ السيِّدَ على ذلك. وللشَّافعي قول بالوجوبِ. وبه قال الظَّاهرية، واختاره ابن جرير الطَّبري.
وقال القرطبي لما ثبت أنَّ رقبة العبد وكسبه ملك لسيِّده دلَّ على أنَّ الأمر بكتابته غير موجب؛ لأنَّ قوله خذْ كسبي وأعتقني، يصير بمنزلة أعتقني بلا شيء، وذلك غير موجب اتِّفاقًا، ومحلُّ الوجوب عند من قال به إذا كان العبد قادرًا على ذلك، ورضي السيِّد بالقدر الذي تقع به المكاتبة.
وقال أبو سعيد الإصطخري القرينة الصَّارفة للأمر في هذا عن الوجوب الشَّرطُ في قوله {إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا} [النور 33] فإنه وكَّل الاجتهاد في ذلك إلى المولى، ومقتضاه أنَّه إذا رأى عدمه لم يُجبَر عليه، فدلَّ على أنه غير واجب.
وقال غيره الكتابة عقد غررٍ فكان الأصل أن لا يجوز، فلمَّا وقع الإذن فيها كان أمرًا بعد منع، والأمر بعد المنع للإباحة، ولا يردُّ على هذا كونها مستحبَّة؛ لأن استحبابها ثبت بأدلَّة أخرى، والله تعالى أعلم.
[1] تتمة لكلام ابن حزم السابق قبل 8 أسطر تقريبًا.
[2] في هامش الأصل في نسخة (( ثم حمد ) )ما الفرق بينها وبين المثبت أعلاه.