فهرس الكتاب

الصفحة 4006 من 11127

2560 - (وَقَالَ اللَّيْثُ) ذكره هنا معلَّقًا، وقد وصله الذُّهلي في «الزُّهريات» عن أبي صالح كاتب اللَّيث، وهذا الحديث قد ذكره البخاري في كتابه في عدَّة مواضع أولها في «كتاب الصَّلاة» ، في باب «ذكر البيع والشِّراء على المنبر في المسجد» [خ¦456] عن عليِّ بن عبد الله، عن سفيان، عن يحيى، عن عمرة، عن عائشة رضي الله عنها.

(حَدَّثَنِي يُونُسُ) هو ابنُ يزيد الأيلي (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهري، أنَّه قال

ج 11 ص 608

(قَالَ عُرْوَةُ) أي ابن الزُّبير (قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا إِنَّ بَرِيرَةَ دَخَلَتْ عَلَيْهَا) أي على عائشة رضي الله عنها (تَسْتَعِينُهَا) جملة حاليَّة (فِي كِتَابَتِهَا) أي في مال كتابتها، أو شأن كتابتها.

(وَعَلَيْهَا خَمْسَةُ أَوَاقٍ) جمع أوقية، وهي أربعون درهمًا، ويجوز في الجمع تشديد الياء وتخفيفها (نُجِّمَتْ عَلَيْهَا) على صيغة المجهول صفة للأواقي (فِي خَمْسِ سِنِينَ) ومعنى نجِّمت؛ أي وزِّعت وفرِّقت، يُقال نَجَّمتُ المالَ إذا أدَّيته نجمًا نجمًا (فَقَالَتْ لَهَا عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا وَنَفِسَتْ فِيهَا) جملة حاليَّة معترضة بين القول ومقوله، وهي بكسر الفاء؛ أي رغبت. ومنه قوله تعالى {فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ} [المطففين 26] .

وإذا قيل نفست به يكون معناه بخلت، ونفست عليه الشَّيء نفاسة إذا لم تره له أهلًا. ونفست المرأة تنفس من باب علم يعلم إذا حاضتْ.

(أَرَأَيْتِ) أي أخبريني (إِنْ عَدَدْتُ لَهُمْ) أي لأهلك (عَدَّةً وَاحِدَةً) أي إن عددت الخمسة أواقي مرَّة واحدة (أَيَبِيعُكِ أَهْلُكِ، فَأُعْتِقَكِ، فَيَكُونَ وَلاَؤُكِ لِي) احتجَّ به من يُجوِّز بيع المكاتب، وقال بعضهم يجوز بيعه للعتق لا للاستخدام. وأجاب من لم يُجوِّز بيعه بأنَّها عجزت نفسها وفسخت الكتابة، وفي رواية عمرة عن عائشة إن أحبَّ أهلك أن أصبَّ لهم ثمنك صبَّة واحدة وأعتقك [خ¦2564] ، كذا في رواية الطحَّاوي.

(فَذَهَبَتْ بَرِيرَةُ إِلَى أَهْلِهَا، فَعَرَضَتْ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ فَقَالُوا لاَ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ لَنَا الْوَلاَءُ. قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فَدَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ. فَقَالَ لَهَا) أي لي، ففيه التفات من التكلُّم إلى الغيبة (رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اشْتَرِيهَا فَأَعْتِقِيهَا، فَإِنَّمَا الْوَلاَءُ لِمَنْ أَعْتَقَ، ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ مَا بَالُ رِجَالٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ) أي ليست في حكم الله وقضائه في كتابه أو سنَّة رسوله (مَنِ اشْتَرَطَ شَرْطًا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهْوَ بَاطِلٌ، شَرْطُ اللَّهِ أَحَقُّ وَأَوْثَقُ) قال الدَّاودي شرط الله هنا أراه والله أعلم هو قوله تعالى {فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ} [الأحزاب 5] ، وقوله {وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ} [الأحزاب 37] وقال في موضع آخر هو قوله تعالى {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} [البقرة 188] ،

ج 11 ص 609

وقوله تعالى {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ} [الحشر 7] الآية.

وقال القاضي عياض وعندي أنَّ الأظهر هو ما أعلم به صلى الله عليه وسلم من قوله (( إنَّما الولاءُ لمن أعتق ) ) [خ¦456] ، و (( مولى القوم منهم ) ) [خ¦6761] ، و (( الولاء لحمة كلحمة النَّسب ) ). وفي بعض الرِّوايات (( كتاب الله أحق ) )يحتمل أن يريد. حُكْمُه، ويحتمل أن يريد القرآن.

وفي هذا الحديث فوائد كثيرة حتَّى إنّ محمَّد بن جرير صنَّف في فوائده مجلَّدًا، وقد مرَّ أكثرها في «كتاب الصَّلاة» و «الزَّكاة» و «البيع» [خ¦2155] [خ¦2156] [خ¦2168] وغيرها. ومن أعظم فوائده ما احتجَّ به قوم على فساد البيع بالشَّرط، وبه قال أبو حنيفة والشَّافعي، وذهب قوم إلى أنَّ البيع صحيح، والشَّرط باطل، وقد ذكر فيما مضى مفصَّلًا.

تذييل اعلم أنَّ في هذا المعلَّق مقالًا من وجهين

أحدهما أن المحفوظ رواية اللَّيث له عن ابن شهاب نفسه بغير واسطة، وسيأتي في الباب الذي يليه «عن قتيبة عن اللَّيث» [خ¦2561] . وأخرجه مسلم أيضًا عن قتيبة، عن اللَّيث، عن ابن شهاب.

وكذلك أخرجه الطحَّاوي قال حدَّثنا يونس، قال أخبرنا ابن وهب، قال أخبرني رجال من أهل العلم منهم يونس بن يزيد واللَّيث بن سعد عن ابن شهاب حدَّثهم عن عروة بن الزُّبير، عن عائشة زوج النَّبي صلى الله عليه وسلم قال جاءت بَريرة ... الحديث.

وأخرجه النَّسائي عن يونس بن يزيد، عن ابن وهب ... إلى آخره نحو رواية الطحَّاوي.

وقد عُلِم من هذا أنَّ يونس بن يزيد رفيق اللَّيث فيه لا شيخه، وقد وقع التَّصريح بسماع اللَّيث من ابن شهاب عند أبي عَوانة من طريق مروان بن محمَّد، وعند النَّسائي من طريق ابن وهب كلاهما عن اللَّيث.

والوجه الآخر أنَّ فيه مخالفة للرِّوايات المشهورة في قوله «وعليها خمسة أواق نجِّمت عليها في خمس سنين» ، والمشهور ما في رواية هشام بن عروة الآتية بعد بابين [خ¦2563] عن أبيه «أنَّها كاتبت على تسع أواق كل عام أوقية» ، وكذا في رواية ابن وهب عن يونس عند مسلم، وقد جزم الإسماعيلي بأنَّ هذه الرِّواية المعلقة

ج 11 ص 610

غلط.

وأُجيب بأنَّه يمكن الجمع بأنَّ الأصل تسع، وأنَّ الخمس بقيت عليها، وبهذا جزم القرطبي والمحبُّ الطَّبري، ويعكِّر عليه قوله في رواية قتيبة «ولم تكن أدَّت من كتابتها شيئًا» [خ¦2561] . ويُجاب بأنَّها كانت حصَّلت الأربع الأواقي قبل أن تستعين عائشة رضي الله عنها، ثمَّ جاءتها وقد بقي عليها خمس.

وقال القرطبي يُجاب بأنَّ الخمس هي التي كانت استحقَّت عليها بحلول نجومها من جملة التسع الأواقي المذكورة في حديث هشام. ويؤيِّده قوله في رواية عَمْرة عن عائشة التي مضت في «كتاب الصَّلاة» في باب «ذكر البيع والشِّراء على المنبر في المسجد» [خ¦456] فقال أهلها إن شئتِ أعطيتِها ما بقي.

وذكر الإسماعيلي أنَّه رأى في الأصل المسموع على الفربري في هذه الطَّريق أنَّها كاتبت على خمسة أوساق، وقال إن كان مضبوطًا فهو يدفع سائر الأخبار.

وقال الحافظ العسقلاني لم يقع في شيء من النُّسخ المعتمدة التي وقفنا عليها إلَّا بلفظ «الأواقي» ، وكذا هو في نسخة النَّسفي عن البخاري، وكان يمكن على تقدير صحَّته أن يجمع فيه الأوساق الخمسة تسع أواق، لكن يعكِّر عليه قوله «في خمس سنين» . فيتعيَّن المصير إلى الجمع الأوَّل، والله تعالى أعلم.

ومطابقة الحديث للتَّرجمة تُؤخذ من قوله (( نجِّمت عليها في خمس سنين ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت