فهرس الكتاب

الصفحة 6832 من 11127

4 - (باب قَوْلِهِ) وقد سقط في بعض النُّسخ لفظ وفي بعضها لفظ ( {الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرآنَ عِضِينَ} ) نعت للمقتسمين، أو بدل منه، أو بيان، وقبله {وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ*كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ} [الحجر 89 - 90] حذف المفعول وهو المشبَّه، فدلَّ عليه المشبَّه به، كما تقول أُرِيْتُكَ القمر في الحسن؛ أي رجلًا كالقمر؛ أي أنذر قريشًا عذابًا مثل ما أنزلنا من العذابِ على المقتسمين؛ يعني اليهود، وهو ما جرى على قريظة والنَّضير، جعل المتوقَّع بمنزلة الواقع، وهو من الإعجاز؛ لأنَّه أخبر بما سيكون وقد كان، وقيل الكاف زائدة؛ أي أنذرهم ما أنزلنا بالمقتسمين، وقيل متعلِّق بقوله {وَلَقَدْ آَتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي} .

ويجوز أن يكون (( الذين جعلوا القرآن عضين ) )منصوبًا بالنَّذير؛ أي أنذر المعضين الذين يجزئون القرآن إلى سحر وشعر وأساطير مثل ما أنزلنا على المقتسمين، وقوله {عِضِينَ} ؛ أي أعضاء مفرَّقة كأعضاء الجزور من عضوت الشَّيء؛ أي فرَّقته، وقيل هو جمع عِضة وأصلها عضوة، من عضى الشَّاة إذا جعلها أعضاء؛ أي أجزاء، وقيل أصلها عِضْهة فحذفت الهاء الأصلية، كما حذفت من الشَّفة أصلها شَفَهَة، ومن الشَّاة أصلها شاهة وبعد الحذف جمع على عضين مثل ما جمع بُرَة على بُرِين، وكُرَة على كُرِين وقلَّة على قلين. وروى الطَّبري من طريق قَتادة، قال عضين عضهوه وبهتوه، ومن طريق عكرمة، قال العَضْه السِّحر بلسان قريش، تقول للساحرة العاضهة، أخرجه ابنُ أبي حاتم.

وروى ابنُ أبي حاتم أيضًا من طريق عطاء مثل قول الضَّحَّاك ولفظه عَضُّوا القرآن أعضاء فقال بعضُهم ساحر، وقال

ج 20 ص 104

آخر مجنونٌ، وقال آخر كاهنٌ، فذلك العضين. ومن طريق مجاهد مثله وزاد، وقالوا أساطير الأوَّلين. ومن طريق السُّدي، قال اقتسموا القرآن واستهزؤوا به، فقالوا ذكر محمَّد البعوض والذُّباب والنَّمل والعنكبوت، فقال أحدهم أنا صاحب البعوض، وقال آخر أنا صاحب النَّمل، وقال آخر أنا صاحب العنكبوت، وكان المستهزئون خمسة الأسود بن عبد يغوث، والأسود بن المطَّلب، والعاص بن وائل، والحارث بن قيس، والوليد بن المغيرة. ومن طريق عكرمة وغيره في عدِّ المستهزئين مثله. ومن طريق الرَّبيع بن أنس مثله، وزاد بيان كيفية هلاكهم في ليلة واحدة.

( {الْمُقْتَسِمِينَ} الَّذِينَ حَلَفُوا) جعله من القسم بمعنى الحلف؛ أي مثل ما أنزلنا على الرَّهط الذين تقاسموا على أن يبيتوا صالحًا، كما قال الله تعالى {قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ} [النمل 49] .

قال في «الكشاف» والاقتسام بمعنى التَّقاسم، والمعروف أنَّه من القسمة، وبه جزم الطَّبري وغيره، وسيأق الكلام يدلُّ عليه وهو قولُه {الذين جعلوا القرآن عضين} . والحاصل أنَّهم كانوا يستهزؤون بالقرآن فيقول بعضهم هذه السُّورة لي، ويقول الآخر هذه السُّورة لي.

وقال مجاهد فرَّقوا كتابهم فآمن بعضُهم ببعضها وكفر ببعضها، وقيل هم قومٌ اقتسموا القرآن فقالَ بعضهم سحر، وقالَ آخرون شعر، وقال آخرون أساطير الأولين، وقال آخرون كذب وسمر. وقال مقاتل كانوا ستَّة عشر رجلًا، وقيل يقربُ عددهم أربعين بعثهم الوليد بن المغيرة أيَّام الموسم فاقتسموا عقار مكَّة وطرقها، وقعدوا على أبوابها وأنقابها، فإذا جاء الحاج، قال فريق منهم لا تغتروا بالخارج منَّا يدعي النبوَّة فإنَّه مجنون. وقالت طائفةٌ على طريق آخر إنَّه كاهن. وقالت طائفة إنَّه عرَّاف. وقالت طائفة إنَّه شاعر، والوليد قاعد على باب المسجد نصبوه [1] كاهنًا، فإذا سُئل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم

ج 20 ص 105

قالَ صدق أولئك يعني المقتسمين، وأهلكهم الله عزَّ وجلَّ يوم بدر وقبله بآفات.

(وَمِنْهُ) أي من معنى المقتسمين ( {لَا أُقْسِمُ} أَي أُقْسِمُ) قال الحافظُ العسقلاني ليس هو من الاقتسام، بل هو من القسم، وقوله (( أي أقسم ) )أشار بذلك إلى أن كلمة {لَا} مقحمة. وقال أبو عُبيدة في قوله تعالى {لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ} [القيامة 1] مجازها أقسم بيوم القيامة، واختلف المعربون في {لَا} ، فقيل زائدة، وإلى هذا يُشير كلام أبي عُبيدة كما ترى، وتُعقب بأن {لَا} لا تزاد إلَّا في أثناء الكلام. وأجيب بأنَّ القرآن كله كالكلام الواحد، وقيل هي جواب شيءٍ محذوف؛ أي ليس الأمر كما زعمتُم أقسم؛ وقيل نفي على بابها، وجوابها محذوف، والمعنى لا أقسم بكذا بل كذا.

(وَتُقْرَأُ(( لأُقْسِمُ ) )) أي بغير مد، وهي رواية البزِّي عن ابن كثير، واختلف في اللام، فقيل هي لام القسم المقدر تقديره والله لأنا أقسم، وقيل لام التأكيد. واتَّفقوا على إثبات الألف في التي بعدها {وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ} [القيامة 2] وعلى إثباتها في {لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ} [البلد 1] اتباعًا لرسم المصحف في ذلك.

( {قَاسَمَهُمَا} ) وفي رواية أبي ذرٍّ كما في النَّظم. (حَلَفَ لَهُمَا وَلَمْ يَحْلِفَا لَهُ) أشار بذلك إلى أن باب المفاعلة هنا ليس على أصله، بل هو بمعنى فعل لا للمشاركة؛ أي حلف إبليس لآدم وحواء أنَّه من النَّاصحين لهما، ولم يحلف آدم وحواء له (وَقالَ مُجَاهِدُ {تَقَاسَمُوا} تَحَالَفُوا) أي قال مجاهد في معنى قوله تعالى {تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ} [النمل 49] أي تحالفوا، فهو كما أخرجه الفريابي من طريق ابن أبي نَجيح عنه قال في قوله {تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ} تحالفوا على إهلاكه فلم يصلوا إليه حتى هلكوا جميعًا، وأراد بذكر هذا والذي قبله تقوية ما ذهب إليه من أنَّ لفظ المقتسمين من القسم لا من القسمة، وهو خلاف ما ذكره الجمهور من المفسِّرين، ولعلَّ البخاري رحمه الله اعتمدَ في ذلك على ما رواه الطَّبري عن ابن زيد بن أسلم أنَّ المراد بقوله {الْمُقْتَسِمِينَ} قوم صالح الذين تقاسموا على إهلاكهِ، والله تعالى أعلم.

[1] كذا في العمدة، وفي كتب التفسير (حكمًا)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت