ج 12 ص 323
على البناء للمفعول؛ أي كيف يستحلفُ من يتوجَّه عليه اليمين (وَقَوْلُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ {ثُمَّ جَاؤُكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا} [النساء 62] ) والآية في سورة النِّساء وقبلها {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آَمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ} [النساء 60] عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما (( أنَّ منافقًا خاصم يهوديًّا فدعاه اليهوديُّ إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم، ودعاه المنافق إلى كعب بن الأشرف، ثمَّ إنَّهما احتكما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحكم لليهوديِّ فلم يرض المنافقُ، وقال نتحاكمُ إلى عمر رضي الله عنه فقال اليهوديُّ لعمر رضي الله عنه قضَى لي رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يرض بقضائهِ وخاصم إليك، فقال عمر رضي الله عنه للمنافق أكذلك؟ فقال نعم. فقال مَكانكما حتَّى أخرجَ إليكما، فدخلَ فأخذ سيفه، ثمَّ خرج فضرب به عُنق المنافق حتَّى برد وقال هكذا أقضي لمن لم يرضَ بقضاء الله ورسوله فنزلت، وقال جبريل عليه السَّلام إنَّ عمر فرق بين الحقِّ والباطل، فسمِّي الفاروق ) ).
والطَّاغوت على هذا كعب بن الأشرف، وفي معناه من يحكم بالباطل ويؤثر لأجله، سمِّي بذلك لفرط طُغيانه أو لشبهه بالشَّيطان، أو لأنَّ التَّحاكم إليه تحاكمٌ إلى الشَّيطان من حيث إنَّه الحامل عليه؛ كما قال تعالى {وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا} وقرئ (( أن يكفروا بها ) )على أنَّ الطَّاغوت جمع لقوله تعالى {أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ} [البقرة 257] .
{وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا} وهو مصدرٌ أو اسم للمصدر الذي هو الصَّدُّ، والفرق بينه وبين الصَّدِّ أنَّه غير محسوسٍ، والصَّد محسوس، ويصدُّون في موضع الحال {فَكَيْفَ} يكون حالهم {إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ} كقتل عمر المنافق
ج 12 ص 324
أو النَّقمة من الله {بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ} من التَّحاكم إلى غيرك وعدم الرِّضا بحكمك {ثُمَّ جَاءُوكَ} حين يصابون للاعتذار عطفٌ على أصابتهم، وقيل على يصدُّون وما بينهما اعتراضٌ {يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ} حال {إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا} ما أردنا بذلك إلَّا الفصل بالوجه الحسن، والتَّوفيق بين الخصمين، ولم نردْ مخالفتك.
وقيل جاء أصحابُ القتيل طالبين بدمهِ، وقد أهدره الله تعالى، وقالوا ما أردنا بالتَّحاكم إلى عمر إلَّا أن يحسنَ إلى صاحبنا ويوفِّق بينه وبين خصمه {أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ} من النِّفاق فلا يغني عنهم الكتمان والحلف الكاذب من العقاب {فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ} عن عقابهم لمصلحة في استبقائهم، أو عن قبول معذرتهم {وَعِظْهُمْ} بلسانك وكفهم عمَّا هم عليه {وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ} أي في معنى أنفسهم، أو خاليًا بهم، فإنَّ النُّصح في السِّرِّ أنجع {قَوْلًا بَلِيغًا} [النساء 61 - 63] يبلغ منهم ويؤثِّر فيهم، أمره بالتَّجافي عن ذنوبهم والنُّصح لهم والمبالغة فيه بالتَّرغيب والترهيب، وذلك مقتضى شفقة الأنبياء عليهم السَّلام.
وفي بعض النُّسخ زيادة قوله ؛ أي المنافقون < {بِاللِه إِنَّهُمْ لَمِنْكُم} > أي لمن جملة المسلمين.
وزيادة قوله < {يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ} > أي على معاذيرهم فيما قالوا، أو تخلَّفوا < {لِيُرْضُوكُمْ} > أي لترضوا عنهم والخطاب للمؤمنين، وزيادة قوله < {فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا} > أي أصدق منها وأولى بأن تقبل.
ذكر هذه الآيات التي فيها الحلف بالله المناسبة للتَّرجمة؛ إشارةً إلى أنَّ أصل اليمين أن تكون بلفظ الله، لما يذكر عن قريب عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم قال (( من كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت ) ).
وقال الحافظ العسقلانيُّ وغرضه بذلك أي بذكر هذه الآيات أنَّه لا يجب تغليظ الحلف بالقول، وقد مرَّ القول في ذلك في باب يحلف المدَّعى عليه حيث ما وجبت عليه اليمين.
(يُقَالُ بِاللَّهِ وَتَاللَّهِ وَوَاللَّهِ)
ج 12 ص 325
أشار بذلك إلى الاسم الذي يحلف به، وإلى حروف القسم، أمَّا الاسم الذي يحلف به فهو لفظة الله، وهو الأصل فيه.
وأمَّا حروف القسم فهي الباء الموحدة، نحو بالله، والتاء المثناة الفوقية، نحو تالله، والواو نحو والله، والكل ورد في القرآن. أمَّا الباء فكقوله تعالى {يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ} [النساء 62] وقد تقدَّم، وأمَّا التَّاء فكقوله تعالى {تَاللَّهِ لَقَدْ آَثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا} [يوسف 91] ، وأمَّا الواو فكقوله تعالى {وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} [الأنعام 23] .
(وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَجُلٌ حَلَفَ بِاللَّهِ كَاذِبًا بَعْدَ الْعَصْرِ) هو طرفٌ من حديث أبي هريرة رضي الله عنه المتقدِّم قريبًا موصولًا في باب اليمين بعد العصر [خ¦2672] لكن بالمعنى. وسيأتي في الأحكام بلفظ [خ¦7212] (( فحلف لقد أعطي بها كذا فصدَّقه رجلٌ ولم يعط بها ) )والمقصود من ذكره هنا قوله (( حلف بالله ) ).
(وَلاَ يُحْلَفُ بِغَيْرِ اللَّهِ) هو من كلام البخاريِّ لا من الحديث، ذكره تكميلًا للتَّرجمة، وذلك مستفادٌ من حديث ابنِ عمر رضي الله عنهما ثاني حديثي الباب حيث قال (( من كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت ) ).