1536 - (وقَالَ أَبُو عَاصِمٍ) النَّبيل، واسمه الضَّحَّاك بن مخلد، وهو من شُيوخ البخاري من أفراده، وهذا بصورة التَّعليق.
وقال الحافظ العسقلاني ولم أره عنه إلَّا بصيغة التَّعليق، وبذلك جزم الإسماعيلي، فقال ذكره عن أبي عاصم بلا خبر. وقال أبو نُعيم ذكره بلا رواية.
وقال الكِرماني وفي بعض النُّسخ العراقية فهو إمَّا محمَّد بن المثنى المعروف بالزَّمِن، وإمَّا محمَّد بن معمر بن بشار، بالشين المعجمة، قال (أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ) هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جُرَيج، بضم الجيم وفتح الراء، وقد مرَّ ذكره مرارًا [خ¦296] [خ¦398] [خ¦423] قال (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَطَاءٌ) هو ابن أبي رباح.
(أَنَّ صَفْوَانَ بْنَ يَعْلَى) ذكره ابن حبَّان في «الثِّقات» ، وروى له جماعة سوى ابن ماجه (أَخْبَرَهُ أَنَّ يَعْلَى) بن أُمَيَّة، بضم الهمزة وفتح الميم وتشديد التحتانية، التَّميمي المكِّي، أبو خلف، أو أبو خالد أو أبو صفوان، وهو معروف بيعلى بن مُنْيَة، بضم الميم وسكون النون وفتح المثناة التحتانية، ويقال منية جدَّته، وهي منية بنت غزوان، أخت عتبة بن غزوان، ويقال منية بنت جابر.
أسلم يوم الفتح وكان جوادًا معروفًا بالكرم، وشهد طائفًا وحنينًا وتبوك مع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، روي له عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثمانية وعشرون حديثًا، للبخاري ثلاثة، وقتل بصفِّين مع عليٍّ رضي الله عنه سنة سبع وثلاثين.
(قَالَ لِعُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) قيل فيه انقطاع؛ لأنه قال إنَّ يعلى قال لعمر، ولم يقل إنَّ يعلى أخبره أنَّه قال لعمر رضي الله عنه اللَّهم إلَّا إذا كان صفوان حضر مراجعتهما فيكون متَّصلًا، لكن سيأتي إن شاء الله تعالى في أبواب العمرة من وجهٍ آخر عن صفوان بن يعلى، عن أبيه [خ¦1789] ، فذكر الحديث. والله أعلم.
(أَرِنِي النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) من الإراءة التي تقتضي مفعولين (حِينَ يُوحَى إِلَيْهِ) على البناء للمفعول (قَالَ) أي يعلى (فَبَيْنَمَا) قد مرَّ غير مرة أنَّ أصل بينما وبينا وبين زيدت فيه الميم والألف، وهو ظرف زمان يضاف إلى جملة ويحتاج إلى جواب يتمُّ به المعنى، وهنا الجملة قوله (النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْجِعْرَانَةِ) بكسر الجيم وسكون العين وتخفيف الراء، وربما يقول العراقيون بكسر الجيم والعين
ج 7 ص 415
وتشديد الراء، وكذا الخلاف في الحديبية، والأولى أفصح، وهي بين الطَّائف ومكَّة وهي إلى مكَّة أدنى.
وقال ابن الأثير وهي قريب من مكَّة، وهي في الحلِّ وميقات للإحرام. انتهى يعني للمحاذاة. وقال ياقوت هي غير الجعرانة التي بأرض العراق، قال سيف بن عمر نزلها المسلمون لقتال الفرس. وقال يوسف بن ماهك اعتمر منها ثلاثمائة نبي عليهم الصَّلاة والسَّلام؛ يعني الجعرانة التي بقرب مكَّة.
(وَمَعَهُ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ) الجملة حالية (جَاءَهُ رَجُلٌ) جواب بينما، وفي الرواية الآتية بعد أبواب [خ¦4329] بلفظ (( جاءه أعرابي ) ).
قال الحافظ العسقلاني ولم أقف على اسمه، لكن ذكر ابن فتحون في «الذيل عن تفسير الطَّرطوشي» أنَّ اسمه عطاء بن منية.
وقال ابن فتحون إن ثبت ذلك فهو أخو يعلى راوي الخبر، ويجوز أن يكون خطأ من اسم الرَّاوي، فإنَّه من رواية عطاء، عن صفوان بن يعلى بن منية، عن أبيه، ومنهم من لم يذكر بين عطاء ويعلى أحدًا.
وقال سراج الدِّين ابن الملقِّن صاحب «التَّوضيح» هذا الرجل يجوز أن يكون عمرو بن سواد؛ إذ في كتاب «الشِّفاء» للقاضي عياض عنه قال (( أتيت النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأنا متخلِّق فقال ورسٌ ورسٌ حُطَّ حُطَّ، وغَشِيني بقضيبٍ بيده في بَطْني فأوجعني ) )، الحديث لكن عَمرو هذا لا يدرك ذا فإنَّه صاحب ابن وهب. انتهى كلامه.
واعترض عليه الحافظ العسقلاني، من تلامذته، من وجهين أمَّا أولًا فبأنَّها ليست هذه القصَّة شبيهة بتلك القصَّة حتى يفسَّر صاحبها بها.
وأمَّا ثانيًا فبان في الاستدراك غفلة عظيمة؛ لأنَّ من يقول «أتيت النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» لا يتخيَّل فيه أنَّه صاحب ابن وهب صاحب مالك، بل إن ثبت فهو آخر وافق اسمه اسمه، واسم أبيه اسم أبيه، والفرض أنَّه لم يثبت قال لأنَّه انقلب على شيخنا، وإنَّما الذي في «الشِّفاء» سواد بن عمرو. انتهى.
وقال العيني رأيت بخط من أخذ عنه هذا المعترض، على هامش الورقة التي في هذا الموضع من كتاب «التَّوضيح» قال فائدة الذي في «الشِّفاء» سواد بن عمرو، ذكره في الباب الثاني من القسم الثَّالث ولفظه وأمَّا حديث سواد بن عمرو (( أتيت النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأنا متخلِّق فقال ورسٌ ورسٌ حُطَّ حُطَّ وغشيني بقضيب في يده فأوجعني، فقلت القصاص يا رسول الله، فكشف لي عن بطنه ) )إنَّما ضربه النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
ج 7 ص 416
لمنكر رآه، ولعلَّه لم يرد بضربه بالقضيب إلَّا تنبيهه، فلمَّا كان منه إيجاع لم يقصده طلب التحلُّل منه.
هذا وقد روى الطَّحاوي من طريق أبي حفص بن عمرو، عن يعلى أنَّه مرَّ على النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو متخلِّق فقال (( ألك امرأة؟ قال لا قال فاذهب فاغسله ) )، فقد يتوهم من لا خبرة له أنَّ يعلى بن أميَّة هو صاحب القصَّة وليس كذلك، فإنَّ راوي هذا الحديث يعلى بن مرة الثقفي، فهي قصة أخرى غير قصة صاحب الإحرام.
نعم روى الطحاوي في موضع آخر أنَّ يعلى بن أمية صاحب القصة قال حدثنا سليمان بن شعيب حدثنا عبد الرَّحمن هو ابن زياد الرَّصَاصي حدثنا شعبة، عن قتادة، عن عطاء بن أبي رباح قال إنَّ رجلًا يقال له يعلى بن أمية أحرم وعليه جبة فأمره النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن ينزعها قال قتادة قلت لعطاء إنَّما كنا نرى أن نَشُقَّها، فقال عطاء إنَّ الله لا يحب الفساد.
(فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ تَرَى فِي رَجُلٍ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ، وَهْوَ مُتَضَمِّخٌ بِطِيبٍ) جملة حالية، والمتضمخ بالضاد والخاء المعجمتين يقال تضمخ بالطيب إذا تلطَّخ به وتلوَّث.
(فَسَكَتَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَاعَةً فَجَاءَهُ الْوَحْيُ فَأَشَارَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ إِلَى يَعْلَى فَجَاءَ يَعْلَى وَعَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَوْبٌ قَدْ أُظِلَّ بِهِ) بضم الهمزة وكسر الظاء المعجمة؛ أي جُعِلَ عليه كالظلة يستظل بها، وهذه الجملة المصدَّرة بقد صفة لثوب، ويجوز أن تكون حالية، فافهم.
(فَأَدْخَلَ) أي يعلى (رَأْسَهُ) تحت الثَّوب (فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُحْمَرُّ الْوَجْهِ) كلمة إذا للمفاجأة (وَهُوَ يَغِطُّ) بفتح الياء التحتانية وكسر الغين المعجمة بعدها طاء مهملة؛ أي ينفخ وهو من الغطيط، وهو صوت النَّفَس المتردِّد من النَّائم أو المغمى عليه.
ويقال الغطيط صوت به بحوحة، وهو كغطيط النَّائم؛ أي شخيره وصوته الذي يردده في حلقه ومع نفسه.
وسبب ذلك شدَّة الوحي وثقله، وهو كقوله تعالى {إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا} الآية [المزمل 5] ، وكان سبب إدخال يعلى رأسه في تلك الحال أنَّه كان يحبُّ لو رآه في حالة نزول الوحي، كما سيأتي إن شاء الله تعالى في أبواب العمرة من وجه آخر عنه [خ¦1789] ، فكان يقول ذلك لعمر رضي الله عنه، فقال له عمر رضي الله عنه حينئذٍ تعال فانظر، وكأنَّه علم أنَّ ذلك لا يشقُّ على النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
ج 7 ص 417
(ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ) بضم السين المهملة وكسر الراء المشددة؛ أي كُشِفَ عنه شيئًا فشيئًا بالتدريج ما تغشاه من بُرَحَاء الوَحْي، وروي بتخفيف الراء المكسورة أيضًا، والرواية بالتَّشديد أكثر.
(فَقَالَ) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (أَيْنَ الَّذِي سَأَلَ عَنِ الْعُمْرَةِ؟ فَأُتِيَ بِرَجُلٍ فَقَالَ اغْسِلِ الطِّيبَ الَّذِي بِكَ) وهو أعم من أن يكون بثوبه أو بدنه (ثَلاَثَ مَرَّاتٍ) مبالغة في الإزالة، ولعلَّ الطِّيب الذي كان على هذا الرَّجل كان كثيرًا، ويؤيِّده قوله «متضمِّخ» فإنَّ باب التفعل يجيء للمبالغة.
وقال القاضي يحمل قوله ثلاث مرات، على أنَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال ثلاث مرات (( اغسل الطِّيب الذي بك ) )يدلُّ على صحَّته ما روي من عادة النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في كلامه أنَّه كان إذا تكلَّم بكلمة أعادها ثلاثًا. انتهى.
(وَانْزِعْ عَنْكَ الْجُبَّةَ) وفي رواية أبي داود (( أمره أن ينزعها نزعًا ويغتسل مرتين أو ثلاثًا ) ) (وَاصْنَعْ فِي عُمْرَتِكَ مَا تَصْنَعُ فِي حَجَّكَ) وفي رواية الكُشْمِيْهني وسيأتي إن شاء الله تعالى في أبواب العمرة [خ¦1789] بلفظ (( كيف تأمرني أن أصنع في عمرتي ) ).
ولمسلم من طريق قيس بن سعد، عن عطاء (( وما كنت صانعًا في حجِّك فاصنع في عمرتك ) )، ويدلُّ هذا على أنَّه كان يعرف أعمال الحج قبل ذلك.
وقال ابن العربي كأنَّهم كانوا في الجاهليَّة يخلعون الثِّياب ويجتنبون الطِّيب في الإحرام إذا حجوا، وكانوا يتساهلون في ذلك في العمرة، فأخبره النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنَّ مجراهما واحد.
وقال ابن المنيِّر في «الحاشية» قوله واصنع معناه اترك؛ لأنَّ المراد بيان ما يجتنبه المحرم، فيؤخذ منه فائدة حسنة وهي أنَّ التَّرك فعل قال وأمَّا قول ابن بطَّال أراد الأدعية وغيرها ممَّا يشترك فيه الحج والعمرة، ففيه نظر؛ لأنَّ التروك مشتركة بخلاف الأعمال، فإنَّ في الحجِّ أشياء زائدة على العمرة كالوقوف وما بعده.
وقال النَّووي كما قال ابن بطَّال وزاد ويستثنى من الأعمال ما يختصُّ به الحج. وقال الباجي المأمور به غير نزع الثَّوب وغسل الخلوق؛ لأنَّه صرَّح له بهما فلم يبق إلَّا الفدية، كذا قال، ولا وجه لهذا الحصر.
وقد تبيَّن من طريق
ج 7 ص 418
أخرى أنَّ المأمور به هو الغسل والنَّزع، وذلك أنَّ عند مسلم والنَّسائي من طريق سفيان، عن عمرو بن دينار، عن عطاء، عن صفوان بن يعلى، عن أبيه قال أتى النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ يعني رجلًا وهو بالجعرَّانة، وأنا عند النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وعليه مقطعات؛ يعني جبة، وهو متضمِّخ بالخلوق فقال إنِّي أحرمت بالعمرة، وعليَّ هذا وأنا متضمِّخ بالخلوق، فقال له النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( ما كنت صانعًا في حجِّك؟ قال أنزعُ عني هذه الثِّياب، وأغسلُ عنِّي هذا الخَلوق، فقال ما كنت صانعًا في حجِّك فاصنعه في عمرتك ) ).
(فقُلْتُ لِعَطاءٍ) القائل هو ابن جريج (أَرَادَ الإِنْقَاءَ حِينَ أَمَرَهُ أنْ يَغْسِلَ ثَلاثَ مَرَّاتٍ قَالَ نَعَمْ) وهذا يدلُّ على أنَّه فهم من السِّياق أنَّ قوله ثلاث مرات، من لفظ النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لكن يحتمل أن يكون من كلام الصَّحابي، وأنَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أعاد لفظ اغسله مرَّة ثم مرَّة على عادته أنَّه كان إذا تكلَّم بكلمة أعادها ثلاثًا لتفهم عنه، كما سبق نقلًا عن القاضي عياض.
واعترض الإسماعيلي على المؤلِّف رحمه الله بأنَّه ليس في حديث الباب أنَّ الخلوق كان على الثَّوب كما في التَّرجمة، وإنَّما فيه أنَّ الرَّجل كان متضمخًا وقوله له (( اغسل الطِّيب الذي بك ) )يوضِّح أنَّ الطِّيب لم يكن في ثوبه، وإنَّما كان على بدنه، ولو كان على الجبَّة لكان في نزعها كفاية من جهة الإحرام. انتهى.
والجواب أنَّا لا نسلِّم ذلك؛ لأنَّ في الحديث وهو متضمِّخ بطيب، وهو أعم من أن يكون على بدنه أو على ثوبه، وكذا قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( اغسل الطِّيب الذي بك ) )أعم من أن يكون على بدنه أو على ثوبه كما نبَّهت عليه، على أنَّ الخلوق في العادة يكون في الثَّوب.
على أنَّ عادة المؤلِّف رحمه الله أن يشير إلى ما وقع في بعض طرق الحديث الذي يورده في التَّرجمة، وسيأتي إن شاء الله تعالى في محرَّمات الإحرام من وجه آخر [خ¦1847] بلفظ «عليه قميص فيه أثر صفرة» .
وروى أبو داود الطَّيالسي في «مسنده» عن شعبة، عن قتادة، عن عطاء بلفظ «رأى رجلًا عليه جبَّة عليها أثر خلوق» .
وروى مسلم قال حدَّثني إسحاق بن منصور قال أخبرنا أبو علي عبيد الله بن عبد المجيد حدَّثنا رباح بن أبي معروف قال سمعت عطاء قال أخبرني صفوان بن يعلى، عن أبيه قال كنَّا مع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأتاه رجل عليه جبَّة بها أثر من خلوق فقال يا رسول الله
ج 7 ص 419
إنِّي أحرمت بعمرة فكيف أفعل؟ فسكت النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عنه فلم يرجع إليه، وكان عمر رضي الله عنه يستره إذا أنزل عليه الوحي يظلُّه، فقلت لعمر رضي الله عنه إنِّي أحبُّ إذا أنزل عليه الوحي أن أدخل رأسي معه في الثَّوب، فجئته فأدخلت رأسي معه في الثَّوب فنظرت إليه، فلمَّا سرِّي عنه قال (( أين السَّائل آنفًا عن العمرة؟ ) )فقام إليه الرَّجل فقال (( انزع عنك جبَّتك واغسل أثر الخلوق الذي بك، وافعل في عمرتك ما كنت فاعلًا في حجِّك ) )، وهذا ينادي بأعلى صوته أنَّ أثر الخلوق كان على ثوب الرَّجل، ولم يكن على بدنه.
وفي رواية أبو علي الطُّوسي عليه جبَّة فيها ردع من زعفران. الحديث، وروى البيهقي من حديث أبي داود الطَّيالسي حدَّثنا شعبة، عن قتادة، عن عطاء، عن يعلى مرفوعًا رأى رجلًا عليه جبَّة عليها أثر خلوق أو صفرة فقال (( اخلعها عنك، واجعل في عمرتك ما تجعل في حجَّتك ) )قال قتادة قلت لعطاء كنَّا نسمع أنَّه قال (( شقَّها قال هذا فساد والله لا يحبُّ الفساد ) ).
وعند أبي داود «فأمره أن ينزعها نزعًا ويغسلها مرَّتين أو ثلاثًا» ، وعنده «فخلعها من رأسه» . وقال سعيد بن منصور حدَّثنا هشيم أخبرنا عبد الملك ومنصور وغيرهما، عن عطاء عن يعلى بن أميَّة أنَّ رجلًا قال يا رسول الله، إنِّي أحرمت وعليَّ جبتي هذه، وعلى جبته رَدْعٌ من خَلوق، الحديث، وفيه فقال (( اخلع هذه الجبَّة واغسل هذا الزَّعفران ) ).
فهذه الأحاديث كلُّها تردُّ على الإسماعيلي أنَّ الطِّيب لم يكن على ثوبه، وإنَّما كان على بدنه، والله أعلم.
وفي الحديث جواز نظر الرجل إلى غيره وهو مغطَّى بشيء، وإدخال رأسه في غطائه إذا علم أنه لا يكره ذلك منه، فإنَّ يعلى أدخل رأسه فيما أظلَّ به صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ لأنَّه علم أنَّه لا يكره ذلك [1] في ذلك الوقت؛ لأنَّ فيه تقوية الإيمان بمشاهدة حال الوحي الكريم، وكذلك عمر رضي الله عنه عَلِمَ ذلك من الرَّسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتَّى قال «تعال فانظر» .
وفيه أنَّ المفتي إذا لم يعلم حكم المسألة أمسك عن جوابها حتَّى يعلمه، وفيه أنَّ من الأحكام التي ليست في القرآن ما هو يوحى ولا يتلى.
وفيه أنَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يأمر الرَّجل بالفدية، فأخذ به الشَّافعي والثَّوري وعطاء وإسحاق وداود وأحمد في رواية قالوا إنَّ من لَبِسَ في إحرامه ما ليس له لبْسُه جاهلًا، فلا فدية عليه، والنَّاسي في معناه.
ج 7 ص 420
وقال أبو حنيفة والمزني في رواية عنه يلزمه إذا غطَّى رأسه ووجهه متعمِّدًا أو ناسيًا يومًا إلى اللَّيل، فإن كان أقل من ذلك فعليه صدقة يتصدَّق بها.
وعن مالك يلزمه إذا انتفع بذلك أو طال لبْسُه عليه، وفيه المبالغة في الإنقاء من الطِّيب وفيه أنَّ المحرم إذا كان عليه مخيط نَزَعه ولا يَلْزَمُه تمزيقَه ولا شقَّه؛ خلافًا للنَّخعي والشَّعبي حيث قالا لا ينزعه من قبل رأسه؛ لئلَّا يصير مغطِّيًا رأسه، أخرجه ابن أبي شيبة عنهما، وعن عليٍّ رضي الله عنه نحوه، وكذا عن الحسن وأبي قلابة.
وقد وقع عند أبي داود بلفظ اخلع عنك الجبَّة فخلعها من قِبَلِ رأسه، وعن أبي صالح وسالم يخلعه من قِبَلِ رجليه. وعن جعفر بن محمَّد بن علي رضي الله عنه إذا أحرم وعليه قميص لا ينزعه من رأسه، بل يشقَّه ثمَّ يخرج منه، وفيه غسل الطِّيب عند الإحرام.
واختلف العلماء في استعمال الطِّيب عند الإحرام واستدامته بعده، فكرهه قوم ومنعوه، منهم مالك ومحمَّد بن الحسن، ومنعهما عمر وعثمان وابن عمر وعثمان بن أبي العاص رضي الله عنهم. وكذا عطاء والزُّهري.
وخالفهم في ذلك آخرون، فأجازوه منهم أبو حنيفة والشَّافعي تمسُّكًا بحديث عائشة رضي الله عنها «طيَّبت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بيدي لإحرامه حين أحرم، ولحله حين أحلَّ قبل أن يطوف بالبيت» .
وفي رواية للبخاري كما سيأتي [خ¦5922] (( وطيَّبته بيميني قبل أن يفيض ) )، وعنها (( كأنِّي أنظر إلى وبيص المسك في مفرق رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو محرم ) ).
والوبيص، بالصاد المهملة البريق واللَّمعان قالا وحديث يعلى إنَّما أمره بغسل ما عليه؛ لأنَّ ذلك الطِّيب كان زعفرانًا، وقد نهى الرَّجل عن التزعفر مطلقًا محرمًا كان أو غير محرم.
ولنا جواب آخر أنَّ قصة يعلى كانت بالجعرانة، كما ثبت في هذا الحديث، وهي في سنة ثمان بلا خلاف، وحديث عائشة رضي الله عنها كان في حجَّة الوداع سنة عشر بلا خلاف، وإنَّما يؤخذ بالآخر فالآخر من الأمر، لا يُقال إنَّ ذلك الوبيص الذي أبصرته عائشة رضي الله عنها إنَّما كان بقايا ذلك الطِّيب، وقد تعذَّر قلعها فبقي بعد أن غسل، وأيضًا كان ذلك من خواصه، فإنَّ المحرم إنَّما منع من الطِّيب لئلا يدعوه إلى الجماع، والشَّارع معصوم.
وأيضًا كان ذلك ممَّا لا تبقى رائحته بعد الإحرام لأنَّا نقول
ج 7 ص 421
قد ذكر أنَّ ذلك الطِّيب كان زعفرانًا فلا ينهض حديث يعلى دليلًا، ودعوى الخصوصيَّة تحتاج إلى دليل.
وقد روى ابن حزم من طريق حمَّاد بن زيد، عن عمرو بن دينار، عن سالم بن عبد الله، عن عائشة رضي الله عنها أنَّها قالت «طيَّبته صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بيدي» ، وروى أنَّهن كنَّ يضمخن جباههنَّ بالمسك ثمَّ يحرمن ثمَّ يعرقن فيسيل على وجوههنَّ فيرى ذلك رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فلا ينكره، والله أعلم.
ورجال إسناد حديث الباب ما بين بصري وهو أبو عاصم، ومكِّي وهم البقيَّة.
وقد أخرج متنه المؤلِّف في فضائل القرآن [خ¦4985] ، والمغازي أيضًا [خ¦4329] ، وأخرجه مسلم في الحجِّ، وكذا أخرجه أبو داود، والتِّرمذي، وأخرجه النَّسائي فيه وفي فضائل القرآن.
[1] من قوله (( منه فإن يعلى. .. إلى قوله يكره ذلك ) )ليس في (خ) .