فهرس الكتاب

الصفحة 4619 من 11127

2954 - (وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ) هو عبدُ الله بن وهب المصري (أَخْبَرَنِي عَمْرٌو) بفتح العين، هو ابنُ الحارث المصري (عَنْ بُكَيْرٍ) على صيغة التصغير، هو ابنُ عبد الله بن الأشج (عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ) ضد اليمين، وفي رواية أحمد من حديث هاشم بن القاسم، عن الليث حدَّثني بكير بن عبد الله بن الأشج، وأوضح بنسبته وبالتَّحديث.

(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) كذا وقع في جميع الطُّرق عن الليث، ليس بين سليمان بن يسار وأبي هريرة أحدٌ، وكذا وقع عند النَّسائي. ورواه محمَّد بن إسحاق في «السيرة» وأدخل بين سليمان وأبي هريرة رجلًا، وهو أبو إسحاق الدوسي، وأخرجه الدَّرامي وابن السكن وابن حبَّان في «صحيحه» من طريق ابن إسحاق.

وقال التِّرمذي وقد ذكر محمَّدٌ بين سليمان بن يسار وأبي هريرة رجلًا في هذا الحديث، وروى غير واحدٍ مثل رواية اللَّيث، وحديث اللَّيث بن سعدٍ أشبه وأصحُّ. انتهى.

وسليمان بن يسار صحَّ سماعُه من أبي هريرة رضي الله عنه، وهذا الرَّجل ذكره أبو أحمد الحاكم في «الكنى» فيمن تكنَّى بأبي إسحاق، ولم يقف له على اسمٍ، ولم يذكر له راويًا غير سليمان بن يسار وقال حديثه في أهل الحجاز، وذكره صاحب «الميزان» في الكنى، وقال أبو إسحاق

ج 13 ص 495

الدَّوسي، عن أبي هريرة مجهول.

وسمَّاه ابن أبي شيبة في «مصنفه» إبراهيم، في روايته هذا الحديث عن عبد الرَّحيم بن سليمان، عن ابن إسحاق، عن يزيد بن حبيب، عن بكير بن عبد الله بن الأشج، فذكره.

(قَالَ) أي إنَّه قال (بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَعْثٍ) أي في جيش، وكان أمير هذا البَعْثِ حمزة بن عمرو الأسلمي، رواه أبو داود من رواية محمَّد بن حمزة بن عمرو الأسلمي، عن أبيه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أمَّره على سريَّةٍ قال فخرجت فيها، وقال (( إن وجدتم فلانًا فأحرقوه بالنَّار ) )، فولَّيت فناداني فرجعت إليه فقال (( إن وجدتم فلانًا فاقتلوه ولا تحرقوه، فإنَّه لا يعذِّب بالنَّار إلَّا ربُّ النَّار ) )وهذا كما رأيت ذكره فلانًا بالإفراد، وقد قال البخاري كغيره.

(وَقَالَ لَنَا إِنْ لَقِيتُمْ فُلاَنًا وَفُلاَنًا لِرَجُلَيْنِ مِنْ قُرَيْشٍ سَمَّاهُمَا فَحَرِّقُوهُمَا بِالنَّارِ. ثُمَّ أَتَيْنَاهُ نُوَدِّعُهُ حِينَ أَرَدْنَا الْخُرُوجَ، فَقَالَ إِنِّي كُنْتُ أَمَرْتُكُمْ أَنْ تُحَرِّقُوا فُلاَنًا وَفُلاَنًا بِالنَّارِ، وَإِنَّ النَّارَ لاَ يُعَذِّبُ بِهَا إِلاَّ اللَّهُ، فَإِنْ أَخَذْتُمُوهُمَا فَاقْتُلُوهُمَا) ثمَّ إنَّهما هَبَّار بن الأسود والرَّجل الذي سبق منه إلى زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ما سبق، وكان زوَّجها أبا العاص بن الربيع، ولمَّا أسره الصَّحابة وأطلقه النَّبي صلى الله عليه وسلم من المدينة شرط عليه أن يجهز إليه ابنته زينب، فجهَّزها فتبعها هبار بن الأسود ورفيقه فنخسا بعيرها، فأسقطَتْ ومَرِضَتْ من ذلك.

وفي رواية سعيد بن منصورُ عن ابن عيينة، عن ابن أبي نجيح أنَّ هُبَّار بن الأسود أصاب زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيءٍ، وهي في خِدرها فأسقطت، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سريَّة فقال (( إن وجدتموه فاجعلوه بين حزمتي حطب، ثمَّ أشعلوا فيه النَّار ) )، ثمَّ قال (( إنِّي لأستحيي من الله لا ينبغي لأحدٍ أن يُعَذِّبَ بعذاب الله ) ).

فكان إفراد هبَّار هنا بالذِّكر؛

ج 13 ص 496

لكونه كان الأصل في ذلك والآخر كان تبعًا له، وسمَّاه ابن السكن في روايته من طريق ابن إسحاق نافع بن عبد القيس، وكذا نصَّ عليه ابن هشام في «سيرته» .

وحكى السُّهيلي عن «مسند البزار» أنَّه خالد بن عبد قيس، قيل لعلَّه تصحَّف عليه، وإنَّما هو نافع، كذا هو في النُّسخ المعتمدة من «مسند البزار» وكذا أورده ابن بشكوال من «مسند البزار» .

وأخرجه محمَّد بن عثمان بن أبي شيبة في «تاريخه» من طريق ابن لهيعة كذلك، وأمَّا هبَّار فهو بفتح الهاء وتشديد الباء الموحدة وآخره راء، ابن الأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى بن قُصَي القرشي الأسدي.

قال أبو عمر ثمَّ أسلم هبَّار بعد الفتح وحَسُنَ إسلامه وصَحِبَ النَّبي صلى الله عليه وسلم، وذكر الزُّبير أنَّه أسلم وقدم مهاجرًا وجعلوا يسبُّونه فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال (( سب من سبَّك ) )فانتهوا عنه.

ثمَّ إنَّ قوله (( وإنَّ النَّار لا يعذب بها إلَّا الله ) )خبر بمعنى النَّهي، ووقع في رواية ابن لهيعة (( وإنَّه لا ينبغي ) )، وفي رواية ابن إسحاق (( ثمَّ رأيت أنهَّ لا ينبغي أن يعذب بالنَّار إلَّا الله ) ).

وقال المهلَّب ليس نهيه عن التَّحريق بالنَّار على معنى التَّحريم، وإنَّما هو على سبيل التَّواضع لله تعالى، والدَّليل على أنَّه ليس بحرامٍ تسميل أعين الرعاة بالنَّار في مصلَّى المدينة بحضرة الصَّحابة، وتحريق الخوارج بالنَّار.

وأكثر علماء المدينة يُجيزون تحريق الحصون على أهلها بالنَّار، وقول أكثرهم تحريق المراكب.

وروى ابنُ شاهين من حديث صالح بن حبَّان، عن ابن بريدة، عن أبيه أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم بعث رجلًا إلى رجلٍ كذب عليه، فقال (( إن وجدته حيًّا فاقتله وإن وجدته ميتًا فحرقه بالنَّار ) )فوجده لدغ، فمات فحرقه.

وفي الحديث (( أنَّ نبيًّا من الأنبياء صلوات الله عليهم قرصته نملة فأمر بقرية النَّمل،

ج 13 ص 497

فأحرقت فقال الله له هلَّا نملة واحدة )) .

قال الحكيم في «نوادر الأصول» وهو أذن في إحراقها؛ لأنَّه إذا جاز إحراق واحدةٍ جاز في غيرها، وقالوا لا حجَّة فيما ذكر للجواز؛ لأنَّ قصَّة العرنيين كانت قصاصًا أو منسوخةً، وتجويز الصَّحابي معارض بمنع آخر، وقصَّة الحصون والمراكب مقيدةٌ بالضَّرورة إلى ذلك إذا تعيَّن طريقًا للظَّفر بالعدو، ومنهم من قيَّده بأن لا يكون معهم نساءٌ وصبيان.

وقيل حديث الباب يردُّ هذا كله؛ لأنَّ ظاهر النَّهي فيه التَّحريم، وهو نسخ لأمر المتقدِّم سواءٌ كان ذلك بوحي أو باجتهادٍ منه صلى الله عليه وسلم.

وقال ابن العربي في هذا نسخ الحكم قبل العمل به، ومنع منه المبتدعة والقدرية، وقال الحازمي ذهبت طائفةٌ إلى منع الإحراق في الحدود، وقالوا يُقْتَلُ بالسَّيف، وإليه ذهب أهل الكوفة النَّخعي والثَّوري وأبو حنيفة وأصحابه ومن الحجازيين عطاء. وذهبت طائفةٌ في حقِّ المرتد إلى مذهب علي رضي الله عنه، وقالت طائفة من حَرَقَ يُحْرَق، وبه قال مالك وأهل المدينة والشافعي وأصحابه وأحمد وإسحاق.

وفي الحديث جواز الحكم اجتهادًا، ثمَّ الرُّجوع عنه، واستحباب ذكر الدَّليل عند الحكم لرفع الإلباس، وفيه نسخ السنة بالسنة، وهو بالاتِّفاق. وفيه جواز نسخ الحكم قبل العمل به، أو قبل التَّمكن من العمل به، وفيه خلاف بيِّن في موضعه، وفيه مشروعية توديع المسافر لأكابر أهل بلده، وتوديع أصحابه له أيضًا.

ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله (( ثمَّ أتيناه نودِّعه ) )، وهو توديع المسافر للمقيم.

وقد أخرجه هنا معلقًا، وأخرجه بعد عدَّة أبواب مسندًا، وترجم بقوله (( باب لا يُعَذَّبُ بِعذاب الله ) ) [خ¦3016] وأخرجه أبو داود والنَّسائي أيضًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت