فهرس الكتاب

الصفحة 1017 من 11127

19 - (بابٌ) بالتنوين (هَلْ يُتْبِعُ) بضم المثناة التحتية وإسكان الفوقية وكسر الموحدة، من الإتباع، وهو رواية الأَصيلي، وفي رواية غيره بفتح المثناة التحتية وفتح الفوقيتين، من التَّتبع.

وقوله (الْمُؤَذِّنُ) مرفوع على أنَّه فاعل، وقوله (فَاهُ) مفعوله، وتكلَّف الكرماني حيث جعل «المؤذِّن» منصوبًا و «فاه» بدلًا عنه ليطابق قوله «فجعلت أتتبَّع فاه» ، وجعل الفاعل الشَّخص المقدَّر، وأنت خبير بأنه تكلَّف مستغنىً عنه؛ لأنَّ المطابقة غير لازمة.

(هَاهُنَا وَهَاهُنَا) يمينًا وشمالًا،

ج 4 ص 79

وهما ظرفا مكان (وَهَلْ يَلْتَفِتُ) أي المؤذِّن (فِي الأَذَانِ) يمينًا وشمالًا في الحيعلتين، وكأنَّه تفسير لما تقدَّم، وسيجيء ما هو المراد من الالتفات إن شاء الله تعالى [خ¦634] .

(وَيُذْكَرُ) على البناء للمفعول (عَنْ بِلاَلٍ) المؤذِّن رضي الله عنه (أَنَّهُ جَعَلَ إِصْبَعَيْهِ) أي أنملتي إصبعيه، فهو من باب إطلاق الكلِّ وإرادة الجزء، والمراد من الإصبعين المسبِّحتان على ما نصَّ عليه النَّووي، ولو كان فيهما علَّة جعل الإصبع الأخرى.

(فِي) صماخي (أُذُنَيْهِ) ، وإنما يجعل ذلك لفائدتين إحداهما أنَّه يكون أرفع لصوته، وثانيهما أنَّه علامة للمؤذِّن ليعرف من يراه على بعدٍ أو كان به صمم أنَّه يؤذِّن، ومن ثمَّة قال بعضُهم يجعل يده فوق أذنه حسبُ.

وفي كتاب أبي الشَّيخ من حديث عبد الرَّحمن بن سعد بن عمَّار حدَّثني أبي، عن أبيه، عن جدِّه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بلالًا أن يجعلَ إصبعيه في أذنيه.

ومن حديث ابن كاسب نا عبد الرحمن بن سعد، عن عبد الله [1] بن محمد وعُمَير وعمَّار ابني حفص عن آبائهم، عن أجدادهم، عن بلال أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم قال (( إذا أذَّنت فاجعلْ إصبعيك في أذنيك فإنَّه أرفعْ لصوتك ) )وهو عند أبي عَوَانة عن مؤمِّل عن سفيان، لكن في إسناد كلٍّ منها ضعفٌ، فلذا ذكره البخاري بصيغة التَّمريض على التَّعليق.

وذكر ابن المنذر في كتاب «الأشراف» أنَّ أبا محذورة جعل إصبعيه في أذنيه، وزاد في بعض «شروح الهداية» وختم أصابعه الأربع، وفي «المصنَّف» لابن أبي شيبة عن ابن سيرين أنَّه كان إذا أذَّن استقبل القبلة وأرسل يديه، فإذا بلغ الصلاة والفلاح أدخل إصبعيه في أذنيه.

وفي «الصَّلاة» لأبي نُعيم عن سهل بن أبي أسد [2] قال من السنَّة أن تدخلَ إصبعيك في أذنيك، وكان سويدُ بن غفلة يفعله، وكذا ابن جُبير وأمر به الشَّعبي وشريك.

قال ابنُ المنذر وبه قال الحسن وأحمد وإسحاق وأبو حنيفة ومحمد بن الحسن، وقال مالك ذلك واسع.

وقال الترمذيُّ استحبَّ أهل العلم أن يُدخِل المؤذِّن إصبعيه في أذنيه في الأذان، واستحبَّه الأوزاعي في الإقامة أيضًا، وصرَّح الرُّوياني أن ذلك لا يستحب في الإقامة لفقد المعنى الذي علَّل به.

وقال ابن بطَّال وهو مباح عند العلماء، وروى أبو يوسف عن أبي حنيفة رحمهما الله إنْ جَعَلَ إحدى يديه على أذنيه فحسن.

تنبيه قال الحافظ العسقلاني وقع في «المغني» للموفق

ج 4 ص 80

نسبة حديث أبي جُحَيفة بلفظ أنَّ بلالًا أذَّن ووضع إصبعيه في أذنيه إلى تخريج البخاري ومسلم وهو وهمٌ، انتهى.

(وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ) رضي الله عنهما (لاَ يَجْعَلُ إِصْبَعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ) وهذا التَّعليق وصله ابن أبي شيبة عن وكيع نا سفيان، عن نُسَيْر _ بضم النون وفتح السين المهملة _ هو أبو طعمة ابن ذُعْلُوق _ بضم الذال المعجمة وسكون العين المهملة وضم اللام وفي آخره قاف _، قال رأيت ابن عمر رضي الله عنهما يؤذِّن على بعير، قال سفيان فقلت له رأيتَه يجعل أصابعه في أذنيه قال لا.

ثم إن المؤلف رحمه الله ذكر هذا التَّعليق بصيغة التَّصحيح بعدما ذكر التَّعليق السَّابق بصيغة التَّمريض إشارة إلى أنَّ ميله إلى عدم جعل إصبعيه في أذنيه.

(وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ) هو النَّخعي (لاَ بَأْسَ أَنْ يُؤَذِّنَ) المؤذِّن (عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ) وهذا التَّعليق وصله ابن أبي شيبة في «مصنَّفه» عن جرير، عن منصور، عن إبراهيم قال لا بأسَ أن يؤذِّن على غير وضوءٍ ثمَّ ينزل فيتوضأ. ونا وكيع، عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم لا بأسَ أن يؤذِّن على غير وضوء. وعن قتادة وعبد الرحمن بن الأسود وحمَّاد لا بأس أنَّ يؤذِّن الرَّجل وهو على غير وضوءٍ. وعن الحسن لا بأس أن يؤذِّن غير طاهر ويقيم وهو طاهر.

وقال صاحب «الهداية» وينبغي أن يؤذِّن ويقيم على طهر؛ لأنَّ الأذان والإقامة ذكرٌ شريف، فيستحبُّ فيه الطَّهارة، فإن أذَّن على غير وضوء جاز، وبه قال الشَّافعي وأحمد وعامة أهل العلم. وعن مالك إنَّ الطَّهارة شرط في الإقامة دون الأذان. وقال عطاء والأوزاعي وبعض الشَّافعية شرط فيهما. وقال أصحابنا يُكره أن يُقيم على غير وضوء لما فيه من الفصل بين الإقامة والصَّلاة بالاشتغال بأعمال الوضوء. وعن الكرخيِّ لا تُكره الإقامة بلا وضوء، ويُكره عندنا أن يؤذِّن وهو جنب.

وذكر محمد في «الجامع الصغير» إذا أذَّن الجنب أحبُّ إليَّ أن يعيد الأذان وإن لم يُعِد أجزاءه.

وقال صاحب «الهداية» الأشبه بالحقِّ أن يعاد أذان الجنب ولا تعاد الإقامة؛ لأنَّ تكرار الأذان مشروع في الجملة.

(وَقَالَ عَطَاءٌ) هو ابنُ أبي رباح (الْوُضُوءُ) أي للأذان (حَقٌّ) أي ثابتٌ في الشرع (وَسُنَّةٌ) مسنونة من الشارع، وهذا التَّعليق وصله عبد الرَّزَّاق عن ابن جريج قال قال لي عطاء حقٌّ وسنَّة مسنونة أن لا يؤذِّن المؤذِّن إلَّا متوضأ، هو من الصَّلاة، هو فاتحةُ الصَّلاةِ.

وروى ابن أبي شيبة

ج 4 ص 81

في «مصنَّفه» عن محمد بن عبد الله الأسَدي، عن مَعقِل بن عبيد الله، عن عطاء أنَّه كره أن يؤذِّن الرَّجل وهو على غير وضوء، وقد جاءت هذه اللَّفظة مرفوعة، وذكرها أبو الشَّيخ عن ابن أبي عاصم حدَّثنا هشام بن عمَّار نا الوليد بن مسلم، عن معاوية، عن يحيى، عن الزُّهري، عن سعيد بن المسيِّب، عن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم قال (( لا يؤذِّن إلَّا متوضِّئ ) ).

وقال البيهقيُّ كذا رواه معاوية بن يحيى الصَّدفي وهو ضعيفٌ، والصَّحيح رواية يونس وغيره عن الزُّهري مرسلًا، ولمَّا ذكر التِّرمذي حديث يونس، قال هذا أصح؛ يعني من الحديث المرفوع الذي عنده من حديث الزُّهري، عن أبي هريرة رضي الله عنه.

وعند أبي الشِّيخ من حديث عبد الجبار بن وائل، عن أبيه قال حقٌّ وسنَّة مسنونة أن لا يؤذِّن إلَّا وهو طاهر. وقاله علي بن عبد الله بن عبَّاس، ورواه عن أبيه أيضًا مرفوعًا.

وعند ابن أبي شيبة أَمَرَ مجاهدٌ مؤذِّنه أن لا يؤذِّن حتى يتوضَّأ.

(وَقَالَتْ عَائِشَةُ) أمُّ المؤمنين رضي الله عنها (كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَذْكُرُ اللَّهَ عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ) سواء كان على وضوءٍ أو لم يكن، ولا شكَّ أنَّ الأذان من جملة الذِّكر، وهذا التَّعليق وصله مسلم من حديث عبد الله البهيِّ عنها، وقال فيه الترمذيُّ حسنٌ غريب، وإنما ذكر البُخاري رحمه الله هاهنا عن بلال وابن عمر وإبراهيم وعطاء وعائشة رضي الله عنهم مع أنَّه ليس في التَّرجمة ما يشتملُ على شيءٍ من ذلك؛ لأنَّه لمَّا ترجم هذا الباب بما ترجم به، وذكر فيه الاستفهام في موضعَين، ولم يجزمْ بشيءٍ منهما لأجل الاختلاف الَّذي ذَكَرَ، أشار بالخلاف الذي بين بلال وابن عمر رضي الله عنهما إلى أنَّ الذي شاهد بلالًا حين يتَّبع فاه رآه بالضَّرورة أنه جعل إصبعيه في أذنيه.

والذي شاهد ابن عمر لم يرَ منه ذلك فكان لذكر ذلك في هذا الباب وجه من هذه الحيثيَّة، ثم أشار بالخلاف الذي بين إبراهيم وعطاء إلى أنَّ هذا المؤذِّن الذي يتبع فاه أو غيره يتبعه فاه كيف حاله؟ أهو في الطهارة أم لا؟ وهو أيضًا وجهٌ ما من هذه الحيثيَّة، وأدنى المناسبة كافٍ؛ لأنَّ المقام إقناعي غير برهاني، وأمَّا وجه ما ذكر عن عائشة رضي الله عنها هاهنا فهو لبيان عدم صحة إلحاق الأذان بالصلاة، فإنَّ منهم من شرط فيه الطَّهارة، فذكر المؤلف رحمه الله أنَّ حكمه مخالفٌ لحكم الصلاة؛ لأنه من جملة الأذكار،

ج 4 ص 82

فلا يشترط فيه الطَّهارة كما لا يشترط في سائر الأذكار، وهو مثل قول النَّخعي، وهو قول أصحابنا أيضًا، وكذا قول مالك.

[1] في عمدة القاري عبد الرحمن بن محمد.

[2] في عمدة القاري سهل بن سعد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت