فهرس الكتاب

الصفحة 5761 من 11127

32 - (ذِكْرُ الْجِنِّ) ويروى بزيادة لفظ «باب» ، وتقدَّم الكلام في الجنِّ في أوائل «بدء الخلق» [خ¦3296 قبل] (وَقَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ) بالرفع والجر عطفًا على ذكر الجن على الرِّوايتين ( {قُلْ} ) أي أخبر يا محمد قومك ما ليس لهم به علم، ثم بيَّن فقال ( {أُوحِيَ إِلَيَّ} ) أي أُخْبرتُ بالوحي من الله تعالى ( {أَنَّهُ} ) أي الأمر والشَّأن، وكلمة «أنْ» ، بالفتح مع اسمه وخبره في محلِّ الرفع؛ لأنه قام مقام فاعل {أُوحِيَ} .

( {اسْتَمَعَ} ) أي القرآن، وحذف لأنَّ ما بعده يدلُّ عليه والاستماع طلبُ السَّماع بالإصغاء إليه ( {نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ} ) أي جماعة منهم. ذكر في «التفسير» [خ¦3860] [خ¦4921] وكانوا تسعة من جنِّ النِّصيبين، وقيل من بني الشِّيْصبان، وهم أكثر الجن عددًا وهم عامة جنود إبليس. وقيل كانوا سبعة كانوا من اليمن وكانوا يهود، وقيل كانوا مشركين. وقد أنكر ابن عبَّاس رضي الله عنهما أنهم اجتمعوا بالنَّبي صلى الله عليه وسلم كما تقدَّم في «الصلاة» من طريق أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما قال «ما قرأ النَّبي صلى الله عليه وسلم على الجنِّ ولا رآهم» الحديث [خ¦773] .

وحديث أبي هريرة رضي الله عنه في هذا الباب [خ¦3860] وإن كان ظاهرًا في اجتماع النَّبي صلى الله عليه وسلم بالجنِّ وحديثه معهم، لكنه ليس فيه أنَّه قرأ عليهم، ولا أنهم الجن الذين استمعوا القرآن؛ لأن في حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنه كان مع النبي صلى الله عليه وسلم

ج 17 ص 21

ليلة الجنِّ، وأبو هريرة رضي الله عنه إنما قدم على النَّبي صلى الله عليه وسلم في السنة السابعة بالمدينة، وقصَّة استماع الجن للقرآن كانت بمكَّة قبل الهجرة.

وحديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما صريحٌ في ذلك، فيجمع بين ما نفاه وما أثبته غيره بتعدُّد وفود الجنِّ على النَّبي صلى الله عليه وسلم، فأمَّا ما وقع في مكَّة فكان لاستماع القرآن والرُّجوع إلى قومهم منذرين، كما وقع في القرآن، وأمَّا ما في المدينة فللسؤال عن الأحكام، وذلك بيِّن في الحديثين المذكورين.

ويحتمل أن يكون القدوم الثاني كان أيضًا بمكة وهو الذي يدل عليه حديث ابن مسعود رضي الله عنه كما سيجيء قريبًا [خ¦3859] ، وأمَّا حديث أبي هريرة رضي الله عنه فليس فيه تصريح بأن ذلك وقع بالمدينة، ويحتمل تعدُّد القدوم بمكة مرَّتين وبالمدينة أيضًا، فقد ورد في الأحاديث ما يدلُّ على أنَّ وفادة الجنِّ كانت ستَّ مرَّات

الأولى قيل فيها اغتيل أو استظير والتُمِس.

الثانية كانت بالحجون.

الثالثة كانت بأعلى مكَّة وانصاع في الجبال.

الرابعة كانت في بقيع الغرقد، وفي هؤلاء اللَّيالي حضر ابن مسعود رضي الله عنه وخط عليه.

الخامسة كانت خارج المدينة وحضرها الزُّبير بن العوام.

السادسة كانت في بعض أسفاره حضرها بلال بن الحارث.

وقال ابن إسحاق لما أيسَ رسول الله صلى الله عليه وسلم من خبر ثقيف انصرفَ عن الطائف راجعًا إلى مكة حتى كان ببطنِ نخلةٍ قام من جوف اللَّيل يصلِّي، فمرَّ به النفوس من الجنِّ الذين ذكرهم الله في القرآن، وفيما ذُكِرَ لي هم سبعة نفرٍ من أهل جنِّ نصيبين، فاستمعوا له فلمَّا فرغ من صلاته ولوا إلى قومهم منذرين، قد آمنوا وأجابوا إلى ما سمعوا، فقصَّ الله خبرهم عليه فقال تعالى {وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ} [الأحقاف 29] الآية، ثم قال تعالى {قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ} [الجن 1] إلى آخر القصة من خبرهم، والله تعالى أعلم.

وقال البيهقي حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما حكى ما وقعَ في أوَّل الأمر عندما علم الجنُّ بحاله صلى الله عليه وسلم، وفي ذلك الوقت

ج 17 ص 22

لم يقرأ عليهم ولم يرهم، ثم أتاه داعي الجنِّ مرَّة أخرى فذهب معه وقرأ عليهم القرآن، كما حكاه عبدُ الله بن مسعود رضي الله عنه، انتهى.

وأشار بذلك إلى ما أخرجه أحمدُ والحاكم من طريق زرِّ بن حُبيش عن عبدِ الله بن مسعود رضي الله عنه قال هبطوا على النَّبي صلى الله عليه وسلم وهو يقرأُ القرآن ببطن نخلةٍ، فلمَّا سمعوه قالوا أنصتوا وكانوا سبعة أحدهم زوبعة. قال العسقلانيُّ وهو يوافقُ حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما.

وحاصله أنَّ النَّفي من ابن عبَّاس رضي الله عنهما إنما هو حيث استمعوا التِّلاوة في صلاة الفجر ولم يُرِدْ به نفي الرُّؤية والتِّلاوة مطلقًا.

وقال القرطبيُّ معنى حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما أنَّه لم يقصدهُم في القراءة، فعلى هذا فلم يعلم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم باستماعهم ولا كلَّمهم، وإنما أعلمه الله تعالى بقوله {قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ} . .. إلى آخرى. ويقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أُعلِم بقصَّة الجن من عبد الله بن عبَّاس رضي الله عنهما فإنه حضرها وحفظها، وعبد الله بن عباس رضي الله عنهما كان إذ ذاك طفلًا رضيعًا فقد قيل إن قصَّة الجنِّ كانت قبل الهجرة بثلاث سنين.

وقال الواقديُّ كانت في سنة إحدى عشرة من النُّبوة وابن عبَّاس رضي الله عنهما كان في حجَّة الوداع قد ناهزَ الاحتلام، والله أعلم بحقيقة المرام.

وأخرج مسلم من طريق داود بن أبي هند عن الشعبي عن علقمة قال قلتُ لعبد الله بن مسعود رضي الله عنه هل صحب أحد منكم رسولَ الله صلى الله عليه وسلم ليلة الجنِّ؟ قال لا، ولكنَّا فقدناه ذات ليلة فقلنا اغتيل أو استُطِير فبتنا بشر ليلةٍ، فلمَّا كان عند السَّحر إذا نحن به يجيءُ من قِبَلِ حراء، فذكرنا له، فقال أتاني دَاعي الجنِّ فأتيتهم فقرأت عليهم، فانطلقَ فأرانا آثارهُم وآثار نيرانهم.

وقول ابنِ مسعود رضي الله عنه في هذا الحديث أنَّه لم يكن مع النَّبي صلى الله عليه وسلم أصحُّ ممَّا رواه الزُّهري أخبرني

ج 17 ص 23

أبو عثمان بن شيبة الخزاعي أنَّه سمع ابن مسعود رضي الله عنه يقول إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه وهو بمكَّة «من أحبَّ منكم أن يحضرَ اللَّيلة أَمْرَ الجنِّ فليفعل» قال فلم يحضر منهم أحدٌ غيري، فلمَّا كنَّا بأعلى مكَّة خطَّ لي برجله خطًّا، ثم أمرني أن أجلس فيه، ثمَّ انطلق، ثمَّ قرأ القرآن فغشيته أسودة كثيرةً حالت بيني وبينه حتى ما أسمع صوته، ثم انطلقوا وفرغ منهم مع الفجر فانطلق.

وقال البيهقي يحتمل أن يكون قوله في «الصَّحيح» ما «صحبه منا أحدٌ» ، أراد به في حال قراءته القرآن، لكن قوله في «الصَّحيح» «أنهم فقدوه» يدلُّ على أنهم لم يعلموا بخروجه.

إلَّا أن يحمل على أنَّ الذي فقدوه غير الذي خرج معه، والله تعالى أعلم.

ولرواية الزُّهري متابع من طريقِ موسى بن عليِّ بن رباح، عن أبيه، عن أبي مسعود رضي الله عنه قال استتبعنِي النَّبي صلى الله عليه وسلم فقال «إن نفرًا من الجنِّ خمسة عشر بني إخوة، وبني عمٍّ يأتونني اللَّيلة فأقرأ عليهم القرآن» فانطلقتُ معه إلى المكان الذي أرادَ فخطَّ لي خطًا ... فذكر الحديث نحوه الدَّارقطني وابن مردويه وغيرهما.

وأخرج ابنُ مَرْدويه من طريق أبي الجَوْزاء عن ابنِ مسعود رضي الله عنه نحوه مختصرًا.

وذكر ابنُ إسحاق أنَّ استماعَ الجنِّ بعد رجوع النَّبي صلى الله عليه وسلم من الطَّائف لما خرج إليها يدعو ثقيفًا إلى نصره، وذلك بعد موتِ أبي طالب، وكان ذلك في سنة عشر من المبعث، كما جزم ابنُ سعد بأن خروجه إلى الطَّائف كان في شوال.

وسوق عُكاظ التي أشار إليها ابن عبَّاس رضي الله عنهما كانت تقامُ في ذي القعدة. وقول ابن عبَّاس رضي الله عنهما في حديثهِ «وهو يصلِّي بأصحابه» لم يُضبَط ممَّن كان معه في تلك السَّفرة غير زيد بن حارثة، فلعلَّ بعض الصَّحابة تلقَّاه لما رجع، والله تعالى أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت