5286 - 5287 - (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى) أي ابن يزيد الفراء الرَّازي، أبو إسحاق، يُعْرفُ بالصَّغير، قال (حَدَّثَنَا هِشَامٌ) هو ابنُ يوسف الصَّنعاني، أبو عبد الرَّحمن اليماني قاضيها (عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ) هو عبدُ الملك بن عبد العزيز بن جريج (وَقَالَ عَطَاءٌ) عطف على شيءٍ محذوف، كأنَّه كان في جملة أحاديث، حدَّث بها ابن جُريج عن عطاء، ثمَّ قال وقال عطاء وهو الخراساني، وهذا كما قال بعد فراغه من الحديث. وقال عطاء (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما (كَانَ الْمُشْرِكُونَ عَلَى مَنْزِلَتَيْنِ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُؤْمِنِينَ؛ كَانُوا) أي الأُوْلَى كانوا (مُشْرِكِي أَهْلِ حَرْبٍ، يُقَاتِلُهُمْ) صلى الله عليه وسلم (وَيُقَاتِلُونَهُ، وَمُشْرِكِي أَهْلِ عَهْدٍ)
ج 23 ص 208
أي والثَّانية كانوا مشركي أهل عهد، وفي رواية ابن عساكر بالقاف بدل الهاء (لاَ يُقَاتِلُهُمْ) صلى الله عليه وسلم (وَلاَ يُقَاتِلُونَهُ، وَكَانَ) وفي رواية أبي ذرٍّ بالفاء بدل الواو (إِذَا هَاجَرَتِ امْرَأَةٌ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ) إلى المدينة مسلمة (لَمْ تُخْطَبْ) على البناء للمفعول (حَتَّى تَحِيضَ وَتَطْهُرَ) وقد مرَّ الخلاف في المراد من الحيض آنفًا [خ¦5285] (فَإِذَا طَهُرَتْ) بضم الهاء (حَلَّ لَهَا النِّكَاحُ، فَإِنْ هَاجَرَ زَوْجُهَا قَبْلَ أَنْ تَنْكِحَ) أي تتزوَّج غيره (رُدَّتْ إِلَيْهِ) بالنِّكاح الأوَّل (وَإِنْ هَاجَرَ عَبْدٌ مِنْهُمْ) أي من أهل الحرب (أَوْ أَمَةٌ فَهُمَا حُرَّانِ، وَلَهُمَا) أي للعبد والأمة (مَا لِلْمُهَاجِرِينَ) من مكَّة إلى المدينة من تمام حرمة الإسلام والحرية (ثُمَّ ذَكَرَ) أي عطاء (مِنْ أَهْلِ الْعَهْدِ) أي من قصتهم (مِثْلَ حَدِيثِ مُجَاهِدٍ) وهو ما ذكره بقوله (وَإِنْ هَاجَرَ عَبْدٌ أَوْ أَمَةٌ لِلْمُشْرِكِينَ أَهْلِ الْعَهْدِ لَمْ يُرَدُّوا) إليهم (وَرُدَّتْ أَثْمَانُهُمْ) إليهم.
وهذا من باب فداء أسرى المسلمين، ولم يجز تملكهم؛ لانتفاء علَّة الاسترقاق التي هي الكفر فيهم، وقيل يحتمل أن يريدَ به كلامًا آخر يتعلَّق بنساء أهل العهد، وهو أولى؛ لأنَّه قسم المشركين إلى قسمين أهل حربٍ، وأهل عهد.
وذَكَرَ حكم نساء أهل الحرب، ثمَّ ذكر أرقاءهم، فكأنَّه أحال حكمَ نساء أهل العهدِ على حديث مجاهد، ثمَّ عقبه بحكم أرقائهم.
وحديث مجاهد وصله عبد بن حُميد من طريق ابنِ أبي نجيح عنه في قوله تعالى {وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ} [الممتحنة 11] ؛ أي إن أصبتُم مَغْتَنَمًا من قريش فأعطوا الذين ذهبتْ أزواجهم مِثْلَ ما أَنْفَقُوا عِوَضًا.
(وَقَالَ عَطَاءٌ) عطف على قوله السَّابق وقال عطاء بالإسناد السَّابق (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما (كَانَتْ قُريْبَةُ) بضم القاف وفتح الراء مصغَّر قربة، كذا هو في أكثر النُّسخ. وضبطها الحافظُ الدِّمياطي بفتح القاف وكسر الراء، وكذا هو في رواية الكُشْمِيْهني، وكذا في حديث عائشة رضي الله عنها الذي مضى في الشُّروط.
(ابْنَة
ج 23 ص 209
أَبِي أُمَيَّةَ) أخت أمُّ سلمة أمُّ المؤمنين رضي الله عنها، وأبو أميَّة ابن المغيرة بن عبد الله بن عُمَرَ بنِ مخزوم، واسم أبي أميَّة حذيفة، وقيل سهيل، واسم أمُّ سلمة هند. وقريبة ذُكِرَت في «الصَّحابيات» ذكرها الذَّهبي أيضًا، وكانت حاضرةً ببناء رسول الله صلى الله عليه وسلم على أختها أمِّ سلمة رضي الله عنها.
(عِنْدَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ) رضي الله عنه (فَطَلَّقَهَا فَتَزَوَّجَهَا مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ) قال الحافظُ العسقلاني وهذا ظاهر في أنَّها لم تكن أسلمت في هذا الوقت، وهو ما بين عمرة الحُديبية وفتح مكَّة. وفيه نظرٌ؛ لأنَّه ثبت عند النَّسائي بسند صحيحٍ من طريق أبي بكر بن عبد الرَّحمن بن الحارث بن هشام، عن أمِّ سلمة في قصَّة تزويج النَّبي صلى الله عليه وسلم بها ففيه وكانت أمُّ سلمة ترضع زينب بنتها، فجاء عمَّار فأخذها، فجاء النَّبي صلى الله عليه وسلم فقال (( أين زناب ) )فقالت قُرَيبة بنت أبي أميَّة صَادَفَهَا عندها أخذها عمَّار، الحديث.
فهذا يقتضي أنَّها هاجرت قديمًا؛ لأنَّ تزويج النَّبي صلى الله عليه وسلم بأمِّ سلمة كانت بعد أحد، وقبل الحديبية بثلاث سنين، أو أكثر. لكن يحتمل أن تكون جاءت إلى المدينة زائرةً لأختها قبل أن تُسْلِم، أو كانت مقيمةً عند زوجها عمر رضي الله عنه على دينها قبل أن تَنْزلَ الآية.
وليس في مجرَّد كونها كانت حاضرةً عند تزويج أم سلمة أختها أن تكون حينئذٍ مسلمة، ويحتمل أن يكون لأمِّ سلمة أختان كل منهما تسمَّى قُرَيبة تَقَدَّم إسلامُ إحداهما، وهي التي كانت حاضرةً عند تزويج أمِّ سلمة، وتأخَّر إسلام الأخرى، وهي المذكورة هنا.
ويؤيد هذا الثَّاني أنَّ ابن سعد قال في «الطَّبقات» قُرَيْبَة الصُّغرى بنت أبي أميَّة أخت أم سلمة تزوجها عبد الرَّحمن بن أبي بكر الصِّدِّيق رضي الله عنهما، فولدت له عبد الله وحفصة وأم حكيم. وساق بسند صحيحٍ أن قُرَيبة قالت لعبد الرَّحمن، وكان في خلقه شدَّة لقد حذَّروني منك، قال فأمْرُك بيدك قالت لا أختار
ج 23 ص 210
على ابن الصِّدِّيق أحدًا، فأقام عليها.
(وَكَانَتْ أُمُّ الْحَكَمِ ابْنَةُ) وفي رواية أبي ذرٍّ (أَبِي سُفْيَانَ) أخت معاوية وأمُّ حبيبة لأبيهما. وقال أبو عمر كانت في حين نزول {وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ} [الممتحنة 10] (تَحْتَ عِيَاضِ بْنِ غَنْمٍ) بفتح الغين المعجمة وسكون النون (الْفِهْرِيِّ) بكسر الفاء وسكون الهاء. قال أبو عُمر لا أعلم خلافًا أنَّه افتتح عامَّة بلاد الجزيرة والرَّقة، وصالحه وجوه أهلها، وهو أوَّل من أجاز الدَّرب إلى الرُّوم، وكان شريفًا في قومه، مات بالشَّام سنة عشرين، وهو ابنُ ستين سنة.
(فَطَلَّقَهَا) حينئذٍ (فَتَزَوَّجَهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ الثَّقَفِي) وهي أمُّ عبد الرَّحمن بن الحكم. وقال ابنُ سعد إنَّها هند بنت عتبة بن ربيعة.
ومطابقةُ الحديثِ للتَّرجمة ظاهرةٌ.
بقي أنَّه قد استشكلَ تَرْكَ ردِّ النِّساء إلى أهل مكَّة مع وقوع الصُّلح بينهم وبين المسلمين في الحُديبية، على أنَّ من جاء منهم إلى المسلمين ردُّوه، ومن جاء من المسلمين إليهم لم يردوه. وأُجيب بأنَّ حُكْمَ النِّساء منسوخ بآية {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ} [الممتحنة 10] الآية، إذ فيها {فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ} ، ثمَّ قال تعالى {ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ} أي في الصُّلح.
واستثناء النِّساء منه، والأمر بهذا كله هو حكمُ الله بين خلقهِ، والله عليم بما يُصلح عباده، أو أنَّ النِّساء لم يَدْخُلْنَ في أَصْلِ الصُّلح، ويؤيِّده ما في بعض طُرق الحديث (( على أنَّ لا يأتيك منَّا رَجُلٌ إلَّا رَدَدَّتَه ) )، إذ مفهومه عدم دخول النِّساء، والله تعالى أعلم.