1861 - (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابنُ مسرهد الأسديُّ البصريُّ، قال (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ) هو ابنُ زياد العبديُّ البصريُّ، قال (حَدَّثَنَا حَبِيبُ بْنُ أَبِي عَمْرَةَ) بفتح العين وسكون الميم، القصاب الحِمامي _ بكسر المهملة _ الكوفي، وقد مرَّ في أول الحج مع الحديث [خ¦1520] (قَالَ حَدَّثَتْنَا عَائِشَةُ بِنْتُ طَلْحَةَ) بن عبيد الله التيميَّة، وكانت فائقة الجمال (عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا) أنَّها (قَالَتْ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؛ أَلاَ نَغْزُوا) أي نقصد الجهاد (وَنُجَاهِدُ) ببذل المقدور في القتال (مَعَكُمْ؟) ويحتمل أن يكون الغزو والجهاد لفظين مترادفين، فيكون ذكر الجهاد بعد الغزو للتَّأكيد، كذا في الفرع وغيره (( نغزوا ونجاهد ) )بالواو، وعليه شرح
ج 9 ص 77
البرماوي كالكرمانيِّ وغيره، وقال الحافظ العسقلانيُّ هذا شكٌّ من الراوي وهو شيخ البخاريِّ مسدد.
وقد رواه أبو كامل عن أبي عَوَانة شيخ مسدَّد بلفظ (( ألا نغزوا معكم ) )أخرجه الإسماعيليُّ.
وأغرب الكرمانيُّ فقال ليس الغزو والجهاد بمعنىً واحد، فإنَّ الغزو القصد إلى القتال، والجهاد هو بذل النَّفس في القتال، أو ذكر الثاني تأكيدًا للأول. انتهى.
وكأنَّه ظنَّ أنَّ الألف تتعلَّق بـ (( نغزو ) )فشرح على أنَّ الجهاد معطوفٌ على الغزو بالواو، أو جعل (( أو ) )بمعنى الواو. انتهى كلام الحافظ العسقلانيِّ.
وتعقَّبه العينيُّ بأنَّه لم يظن الكرماني ذلك وإنَّما اعتمد في كلامه ذلك على نسخة ليس فيها كلمة الشكِّ، وفرق بين الغزو والجهاد، وهو فرقٌ حسنٌ.
وقد قال في «القاموس» الجهاد _ بالكسر _ القتال مع العدو، ثم قال غَزَاه غَزْوًا، أراده وطلبَه وقصدَه، كاغْتَزاه، والعدو سار إلى قتالِهِم وانتهابِهِم، ففرَّق بين الجهاد والغزو كالكرمانيِّ.
وقال القسطلانيُّ وجدته في ثلاثة أصول معتمدة (( ألا نغزوا ونجاهد ) )بألف واحدة بين الواوين، فيحتمل أن يكون فيها روايتان واو العطف و (( أو ) )للشكِّ والعلم عند الله تعالى.
وقد أخرجه النَّسائي من طريق جرير عن حبيب بلفظ (( ألا نخرج فنجاهد معك؟ ) ). وأخرجه ابن خزيمة من طريق زائدة عن حبيب مثله وزاد (( فإنا نجد الجهاد أفضل العمل ) ). وأخرجه الإسماعيليُّ من طريق أبي بكر بن عيَّاش عن حبيب بلفظ لو جاهدنا معك؟ قال (( لا جهادُكنَّ حجٌّ مبرور ) ).
وقد تقدم في أوائل الحج من طريق خالد الطحَّان عن حبيب بلفظ (( نرى الجهاد أفضل العمل ) ) [خ¦1520] فظهر أنَّ التَّغاير بين اللَّفظين من الرواة، فيقوى أنَّ (( أو ) )للشك، كذا قال الحافظ العسقلانيُّ أيضًا، فليتأمل.
(فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم (لَكُنَّ) بضم الكاف وتشديد النون بلام الجر الدَّاخلة على ضمير المخاطبات، وهو خبرٌ مقدَّم للمبتدأ الذي هو قوله (أَحْسَنُ الْجِهَادِ وَأَجْمَلُهُ) عطف على (( أحسن الجهاد ) )، وقوله (الْحَجُّ) بدل منه، قوله (حَجٌّ مَبْرُورٌ) بدل البدل، ويحتمل أن يكون خبر مبتدأ محذوف؛ أي هو حجٌّ مبرور.
وقال التيميُّ (( لكن ) )بتخفيف النون وسكونها (( وأحسن ) )مبتدأ (( والحج ) )خبره، ويحتمل أن يكون بتشديد النون للاستدراك أيضًا (( وأحسن ) )منصوب بها، وهذا في الفرع كأصله.
وعزاه الحافظ العسقلانيُّ في باب فضل الحج المبرور للحمويِّ، وفي رواية جرير (( حج البيت حج مبرور ) ). وسيأتي في الجهاد من وجهٍ آخر عن عائشة بنت طلحة
ج 9 ص 78
بلفظ استأذنته نساؤه في الجهاد فقال (( يكفيكُنَّ [1] الحج ) ) [خ¦2875] .
وروى ابن ماجه من طريق محمد بن فضيل عن حبيب قلت يا رسول الله! على النِّساء جهاد؟ قال (( نعم جهاد، لا قتال فيه؛ الحج والعمرة ) ).
وقد تقدَّم [خ¦1773] فيما مضى أنَّهم اختلفوا في المراد بالحجِّ المبرور، فقيل هو الَّذي لا يخالطه شيءٌ من مأثم، وقيل هو المتقبَّل، وقيل هو الَّذي لا رياء فيه ولا سمعة ولا رفث ولا فسوق، وقيل الذي لم يتعقَّبه معصية.
(فَقَالَتْ عَائِشَةُ) رضي الله عنها (فَلاَ أَدَعُ الْحَجَّ) أي لا أتركه (بَعْدَ إِذْ سَمِعْتُ هَذَا) الفضل (مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وقد سبق الحديث في فضل الحجِّ المبرور، في أوائل كتاب الحج [خ¦1520] .
قال ابن بطال وزعم بعض من تنقَّص عائشة رضي الله عنها في خروجها في قصَّة الجمل أنَّ قوله تعالى {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ} [الأحزاب 33] يقتضي تحريم السَّفر عليهنَّ قال وهذا الحديث يردُّ عليهم؛ لأنَّه قال لكنَّ أفضل الجهاد، فدلَّ على أنَّ لهنَّ جهادًا غير الحجِّ والحجُّ أفضل منه. انتهى.
ويحتمل أن يكون المراد بقوله (( لا ) )في جواب قولهنَّ ألا نخرج فنجاهد معك؟ أي ليس ذلك واجبًا عليكنَّ كما وجب على الرجال، ولم يرد بذلك تحريمه عليهنَّ، فقد ثبت في حديث أمِّ عطية أنهنَّ كنَّ يخرجن فيداوين الجرحى، وفهمت عائشة رضي الله عنها ومن وافقها من هذا الترغيب في الحجِّ إباحةَ تكريره لهنَّ، كما أبيح للرجال تكرير الجهاد، وخصَّ به عموم قوله صلى الله عليه وسلم (( هذه ثم ظهور الحصر ) )، وقوله تعالى {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ} [الأحزاب 33] وكان عمر رضي الله عنه كان متوقفًا في ذلك، ثمَّ ظهر له قوَّة دليلها فأذن لهنَّ في آخر خلافته، ثمَّ كان عثمان رضي الله عنه يحجُّ بهنَّ في خلافته أيضًا، ووقف بعضهنَّ عند ظاهر النَّهي، كما تقدَّم [خ¦1860] .
وقال البيهقيُّ في حديث عائشة رضي الله عنها هذا دليلٌ على أنَّ المراد بحديث أبي واقد وجوب الحج مرة واحدة كالرِّجال لا المنع من الزيادة، وفيه دليلٌ على أنَّ الأمر بالقرار في البيوت ليس على سبيل الوجوب، واستدلَّ بحديث عائشة رضي الله عنها هذا على جواز حجِّ المرأة مع من تثق به، ولو لم يكن زوجًا ولا محرمًا. وسيأتي البحث فيه في الَّذي يليه إن شاء الله تعالى [خ¦1862] .
[1] ولفظ المطبوع من الصحيح (جهادكن) .