225 - (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) أي عثمان بن محمد بن إبراهيم بن أبي شيبة، نُسِب إلى جده الأعلى لشهرته به [1] (قَالَ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) هو ابن عبد الحميد (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابن المُعْتَمِر (عَنْ أَبِي وَائِلٍ) شقيق الكوفي (عَنْ حُذَيْفَةَ) أي ابن اليمان رضي الله عنه، وقد تقدم رجال هذا الإسناد بهذا الترتيب في باب من جعل لأهل العلم أيامًا، [خ¦70] ، وهم ما بين كوفي ورازي، وقد تقدم بيان من أخرج متنه في الباب السابق.
(قَالَ) أي إنَّه قال (رَأَيْتُنِي) بضم المثناة من فوق، وجاز اتحاد الفاعل والمفعول
ج 2 ص 292
في أفعال القلوب، وهو من خصائصها لا يجوز في غيرها (أن أَنَا وَالنَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم) بالنصب عطف على الضمير المنصوب في رأيتني وأنا للتأكيد؛ أي رأيت نفسي ورأيت النبي صلى الله عليه وسلم.
قال الكِرماني النصب هو الرواية، ويحتمل رفعه عطفًا على (أنا) لصحة المعنى عليه أيضًا، وقال القسطلاني وكلاهما بفرع اليونينية، فافهم. (صلى الله عليه وسلم) حال كوننا (نَتَمَاشَى) أي متماشيين (فَأَتَى سُبَاطَةَ قَوْمٍ خَلْفَ حَائِطٍ) أي جدار، ويجيء بمعنى البستان أيضًا، وهو واوي من الحوط.
(فَقَامَ صلى الله عليه وسلم كَمَا يَقُومُ أَحَدُكُمْ، فَبَالَ، فَانْتَبَذْتُ) بالنون والذال المعجمة؛ أي تنحيت. قال الجوهري جلس فلان نبذة بفتح النون وضمها؛ أي ناحية، وانتبذ فلان؛ أي ذهب ناحية. وقال الخطابي أي تنحيت عنه حتى كنت على نبذة منه قال تعالى {إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا} [مريم 16] .
(فَأَشَارَ) صلى الله عليه وسلم (إِلَيَّ) بيده أو برأسه، هذا يدل على أنَّه لم يبعد [2] منه بحيث لا يراه، وإنما صنع ذلك ليجمع بين المصلحتين عدم مشاهدته في تلك الحالة، وسماع ندائه لو كانت له حاجة أو رؤية إشارته إذا أشار إليه وهو مستدبره، وفي رواية مسلم (( اُدْنُه ) ).
وفي رواية الطبري من حديث عصمة بن مالك قال خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض سكك المدينة، فانتهى إلى سُباطة قوم فقال (( يا حذيفة استرني ) )الحديث، فظهر أن ما قاله الحافظ العسقلاني إنَّ رواية البخاري هذه بيَّنت أن قوله في رواية مسلم أنه كان بالإشارة لا باللفظ، ليس على ما ينبغي، ويمكن أن يجمع بين الروايتين بأنه كان عليه السلام أشار أولًا بيده أو برأسه، ثمَّ قال (( استرني ) )، وما قاله من أنه ليست فيه دلالة على جواز الكلام في حال البول ففيه أن إشارته عليه السلام إلى حذيفة، أو قوله (( استرني ) )لم يكن إلا قبل شروعه في البول، فكيف يظن من ذلك هذا الجواز حتى يُنْفي؟ فتأمَّل.
(فَجِئْتُهُ، فَقُمْتُ) أي مستدبرًا (عِنْدَ عَقِبِهِ) بالإفراد، وفي رواية الأَصيلي بالتثنية (حَتَّى فَرَغَ) قال الخطابي والمعنى في إدنائه إياه مع استحباب إبعاده في الحاجة إذا أرادها أن يكون سترًا بينه وبين الناس، إذ السُّباطة إنما تكون في الأفنية والمحالِّ المسكونة أو قريبة منها، ولا تكاد تخلو عن مار [3] ، فيستفاد منه أنه صلى الله عليه وسلم
ج 2 ص 293
كان إذا أراد قضاء حاجة توارى عن أعين الناس بما يستره من حائط أو نحوه.
وقال ابن بطال من السنة أن يقرب من البائل إذا كان قائمًا؛ أي يستره عن أعين الناس، هذا إذا أَمِنَ أن يرى منه عورة، وأما إذا كان قاعدًا، فالسنة البعد منه، هذا فظهر منه أن ما جاء في (( الصحيح ) )أنه صلى الله عليه وسلم حين أراد قضاء الحاجة تنحى، فهو عند القعود قال وإنما انتبذ حذيفة؛ لئلا يسمع شيئًا مما يقع حال الحدث، فلمَّا بال صلى الله عليه وسلم قائمًا وأَمِنَ ما خَشِيَه حذيفة أمَرَه بالقرب منه، ففي الحديث جواز البول قائمًا، وجواز قرب الإنسان من البائل، وجواز طلب البائل من صاحبه القرب منه ليستره.
[1] (( به ) )ليست في (خ) .
[2] في (خ) (( يدل على بعد ) ).
[3] في (خ) (( تخلو عنها ) ).