فقال رحمه الله تعالى
1 - (حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ) بصيغة التصغير، نسبة إلى جده الأعلى حُمَيْد أو إلى الحميدات قبيلة، أو لحميد بطن من أسد بن عبد العزَّى، هو أبو بكر عبد الله بن الزُّبير بن عيسى القرشيُّ الأسديُّ، يجتمع مع رسول الله صلَّى الله عليه وسلم في قصي، ومع خديجة بنت خويلد بن أسدٍ زوج النَّبي صلَّى الله عليه وسلم في أسد بن عبد العزَّى، من رؤساء أصحاب ابن عيينة، وصحب الشَّافعي أيضًا، وأخذ عنه، ورحل معه إلى مصر، فلما مات الشَّافعي رجع إلى مكة، وهو أفقه قرشي مكي، أخذ عنه البخاريُّ، قيل ولذا قدَّمه.
وروى أبو داود والنَّسائي عن رجل عنه، وروى مسلم في المقدِّمة عن سلمة بن شبيب، عنه. توفي بمكة سنة تسع عشرة ومائتين، وليس هو أبا عبد الله محمد بن أبي نصر فتوح بن عبد الله بن فتوح بن حميد بن يِصِلَ _ بكسر الياء آخر الحروف والصاد المهملة المكسورة ثم لام _ الأندلسي الإمام، ذا التصانيف في فنون، وهو صاحب (( الجمع بين الصحيحين ) )المتوفى ببغداد سابع عشر ذي الحجة سنة ثمان وثمانين وأربعمائة.
(قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) وفي رواية بضم السين على المشهور، وحكي كسرها وفتحها أيضًا، وهو محمد بن عيينة بن أبي عمران الهلالي الكوفي المكي التابعي الجليل، أحد مشايخ الشَّافعي، والمشارك لإمام دار الهجرة في أكثر شيوخه، قال قرأتُ القرآن وأنا ابن أربع سنين، وكتبت الحديث وأنا ابن سبع سنين. وروي عن ابن أخيه الحسن بن عمران بن عيينة، قال قال لي سفيان بمزدلفة قد وافيت هذا الموضع سبعين مرَّة أقول كل مرة اللهم لا تجعله آخر العهد من هذا المكان، وقد استحييتُ من الله من كثرة ما أسأله، فتوفي في السنة الداخلة يوم السبت غرة رجب، سنة ثمان وتسعين ومائة. وروى سفيان الثوري عن يحيى القطان عن ابن عيينة، وهذا من الظُّرف؛ لأنه من رواية الأكابر عن الأصاغر.
(قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الأَنْصَارِيُّ) وفي نسخة هو أبو سعيد بن سعيد بن قيس المدنيُّ التابعيُّ المشهور. اتَّفق العلماء على جلالته وعدالته وحفظه. قال أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى يحيى بن سعيدٍ أثبت النَّاس، وهو من أئمة المسلمين، ولي قضاء المدينة، وأقدمَه المنصور العراق، وولَّاه
ج 1 ص 8
القضاء بالهاشمية، وتوفي بها، وقيل بالعراق سنة ثلاث أو أربع أو ست وأربعين ومائة.
والأنصاري نسبة إلى الأنصار الَّذي هو كالعلم للقبيلتين الأوس والخزرج ابنا حارثة _ بالمهملة _، ولهذا جاز النَّسبة إلى لفظ الجمع، وسمُّوا أنصارًا؛ لأنهم نصروا رسول الله صلَّى الله عليه وسلم.
(قَالَ أَخْبَرَنِي) بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن الحارث، أبو عبد الله المدنيُّ القرشيُّ (التَّيْمِيُّ) نسبة إلى تيم قريش، التابعي كان كثير الحديث، توفي سنة عشرين أو إحدى وعشرين ومائة، روى له الجماعة (أَنَّهُ سَمِعَ عَلْقَمَةَ) بفتح العين المهملة (بْنَ وَقَّاصٍ) بتشديد القاف (اللَّيْثِيَّ) بالمثلثة، نسبة إلى ليث بن بكر المكنَّى بأبي واقد _ بالقاف _ ذكره أبو عمر وابن مندهْ في الصحابة، وذكره الجمهور في التابعين، توفي بالمدينة أيام عبد الملك بن مروان (يَقُولُ سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) بن نفيل بصيغة التصغير ابن عبد العزَّى بن رياح _ بالمثناة التَّحتانية _ العدويَّ القرشيَّ يجتمع مع رسول الله صلَّى الله عليه وسلم في كعب، وأمُّه حنتمة _ بالحاء المهملة _ بنت هاشم بن المغيرة، وقيل بنت هشام، والصحيح هو الأول، فمن قال بنت هشام، فهي أخت أبي جهل، ومن قال بنت هاشم، فهي ابنة عم أبي جهل، أسلم رضي الله عنه بمكة قديمًا، وشهد مع رسول الله صلَّى الله عليه وسلم بدرًا والمشاهد كلها، وهو أول من سمِّي بأمير المؤمنين من الخلفاء، وَلي الخلافة عشر سنين وخمسة أشهر، أو ستة أشهر، طعنَه أبو لؤلؤة يوم الأربعاء لأربعٍ بقين من ذي الحجَّة، أو لثلاث سنة ثلاث وعشرين، وتوفي مستهل المحرم لسنة أربع وعشرين، وهو ابن ثلاث وستين سنة، مثل سنِّ النَّبي صلَّى الله عليه وسلم وأبي بكر رضي الله عنه على الصَّحيح، وصلى عليه صهيب رضي الله عنه، ودفن مع رسول الله صلَّى الله عليه وسلم وأبي بكر رضي الله عنه في حجرة عائشة رضي الله عنها.
ومناقبه أكثر من أن تحصى، وليس في الصَّحابة من اسمه عمر بن الخطاب غيره، وفي الصحابة عمر ثلاثة وعشرون نفسًا على خلاف في بعضهم. وفي الرُّواة عمر بن الخطاب ستة الأول كوفي، والثاني راسبي، والثالث اسكندري، والرابع عنبري، والخامس سجستاني، والسادس سدوسي بصري.
وليس في الكتب السِّتة من اسمه علقمة بن وقاص غيره، وجملة من اسمه يحيى بن سعيد ستة عشر.
ج 1 ص 9
وفي (( الصحيح ) )جماعة يحيى بن سعيد بن أبان الأموي، ويحيى بن سعيد بن حيَّان أبو حيَّان التيمي الإمام، ويحيى بن سعيد بن العاص الأموي التابعي، ويحيى بن سعيد بن فرُّوخ القطان التَّميمي الحافظ أحد الأعلام، ولهم يحيى بن سعيد العطَّار _ براء في آخره _ واهٍ.
وعبد الله بن الزُّبير في الكتب السِّتة ثلاثة أحدهم الحميدي المذكور، والثاني الصحابي، والثالث البصري. وفي الصحابة أيضًا عبد الله بن الزُّبير بن المطلب بن هاشم، وليس لهما ثالث في الصحابة رضي الله عنهم.
ومن لطائف هذا الإسناد أنَّ رجاله ما بين مكي ومدني، ومنها رواية تابعي عن تابعي، وهما يحيى ومحمد التيمي، وإن شئت قلت فيه ثلاثة تابعيون بعضهم عن بعض بزيادة علقمة على قول الجمهور أنه تابعي لا صحابي. ومنها رواية صحابي عن صحابي على قول من عدَّه صحابيًا، ومنها أنَّ فيه التحديث والإخبار والسَّماع والعنعنة، وهل بينها فرق أَوْ لا، سيجيء في موضعه إن شاء الله تعالى.
وقد أخرج متنه المؤلِّف في (( الإيمان ) ) [خ¦54] و (( العتق ) ) [خ¦2529] و (( الهجرة ) ) [خ¦3898] و (( النِّكاح ) ) [خ¦5070] و (( الأيمان والنُّذور ) ) [خ¦6689] و (( ترك الحيل ) ) [خ¦6953] ، وأخرجه مسلم، والترمذيُّ والنَّسائي وابن ماجه وأحمد والدارقطني وابن حبَّان والبيهقي، ولم يخرِّجه مالك في (( موطَّأه ) ).
ثمَّ إنَّه قد زعم بعضهم أنَّ هذا الحديث متواتر، وليس كذلك؛ لأن الصحيح أنه لم يروه عن النبي صلَّى الله عليه وسلم إلا عمر رضي الله عنه، ولم يروه عن عمر رضي الله عنه إلَّا علقمة، ولم يروه عن علقمة إلَّا محمد بن إبراهيم، ولم يروه عن محمد بن إبراهيم إلا يحيى بن سعيد الأنصاري، ومنه انتشر، فقيل رواه عنه أكثر من مائتي راوٍ، وقيل سبعمائة من أعيانهم مالك والثَّوري والأوزاعي وابن المبارك والليث بن سعد وحماد بن زيد وسعيد وابن عيينة.
وقد حُكي عن الحافظ أبي إسماعيل الهروي الملقب بشيخ الإسلام قال كتبتُه عن سبعمائة رجل من أصحاب يحيى بن سعيد، فهو مشهور بالنسبة إلى آخره، غريب بالنسبة إلى أوله، وبذلك جزم الترمذي والنسائي والبزار وابن السَّكن وحمزة بن محمد الكناني.
وقال الخطابيُّ لا أعلم خلافًا بين أهل العلم أن هذا الحديث لا يصحُّ مسندًا عن النبي صلَّى الله عليه وسلم إلا من حديث عمر رضي الله عنه، وهو كما قال، لكن بقيدين أحدهما
ج 1 ص 10
الصحة؛ لأنَّه ورد من طرق معلولة ذكرها أبو القاسم ابن مندهْ حيث قال رواه عن النَّبي صلَّى الله عليه وسلم غير عمر سعد بن أبي وقاص، وعليُّ بن أبي طالب، وأبو سعيد الخدري، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عمر، وأنس، وابن عبَّاس، ومعاوية، وأبو هريرة، وعبادة بن الصامت، وعتبة ابن عبد الأسلمي، وعقبة بن عامر، وجابر بن عبد الله، وأبو ذرٍّ، وعقبة بن المنذر، وعقبة بن مسلم رضي الله تعالى عنهم.
وقال أيضًا رواه عن عمر رضي الله عنه غير علقمة ابنه عبد الله وجابر وأبو جُحيفة وعبد الله بن عامر بن ربيعة، وذو الكلاع، وعطاء بن يسار، وواصل ابن عمرو الجذامي، ومحمد بن المنكدر.
ورواه عن علقمة غير التيمي سعيد بن المسيب، ونافع مولى ابن عمر، وتابع يحيى بن سعيد على روايته عن التَّيمي محمد بن محمد بن علقمة أبو الحسن الليثي، وداود بن أبي الفرات، ومحمد بن إسحاق، وحجاج بن أرطاة، وعبد الله بن قيس الأنصاري.
وثانيهما السِّياق؛ لأنَّه ورد في معناه عدَّة أحاديث صحَّت في مطلق النية.
والحاصل أن هذا الحديث مشهور ملحق بالمتواتر عند أهل الحديث، والله تعالى أعلم.
(عَلَى الْمِنْبَرِ) النَّبوي المدني، فاللام فيه للعهد، وهو بكسر الميم مشتقٌّ من النبر وهو الارتفاع، وسمِّي به؛ لأنه يرتفع ويرفع الصَّوت عليه، وكان القياس فيه فتح الميم؛ لأنَّه موضع الارتفاع إلَّا أنه من الأسماء الموضوعة على هذه الصيغة، وليست على القياس (يَقُوْلُ) وفي نسخة (سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلَّى الله عليه وسلم يَقُولُ) أي سمعت كلامه حال كونه يقول، أو سمعتُ قوله على أن يكون قوله «يقول» ، بدل اشتمالٍ من رسول الله صلَّى الله عليه وسلم على طريقة قولهم تسمعُ بالمُعَيْدِيِّ خير من أن تراه، وأتى بالمضارع؛ إمّا حكاية لحال وقت السماع أو لإحضار ذلك في ذهن السامعين؛ تحقيقًا وتأكيدًا له، وإلا فالأصل أن يقال قال، كما في رواية أخرى؛ ليطابق سمعت.
(إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ) كذا ورد هنا، وهو من مقابلة الجمع بالجمع؛ أي كل عمل بنيته، وقيل جمعت النية في هذه الرواية باعتبار مقاصد الناوي، فإنه قد يقصد بعمله وجه الله تعالى، وقد يقصد تحصيل موعوده، وقد يقصد اتَّقاء وعيده.
ووقع في معظم
ج 1 ص 11
الروايات بإفراد النية ووجهه أن محلَّ النية وهو القلب واحدٌ كما أن مرجعها وهو الإخلاص للواحد الذي لا شريك له واحدٌ، فناسب إفرادها بخلاف الأعمال، فإنها متعلِّقة بالظَّواهر، وهي متعددة فناسب جمعها، وفي رواية (( الأعمال بالنية ) )بدون إنما، وفي أخرى (( العمل بالنية ) )كلُّ ذلك واقع عند المصنِّف على ما فصله محمود العينيُّ. وفي (( صحيح ابن حبَّان ) ) (( الأعمال بالنيات ) )بحذف إنَّما، وجمع الأعمال والنِّيات، وهذا أيضًا موجود في بعض نسخ البخاري، فهذه روايات خمسة، ووقع في رواية سادسة (( إن الأعمال بالنية، وإن لكل امرئ ما نوى ) )، وفي رواية غريبة (( ليس للمرء من عمله إلا ما نواه ) ). وفي رواية البيهقي من حديث أنس رضي الله عنه (( لا عمل لمن لا نيَّة له ) )وهو بمعناه لكن في إسناده جهالة.
والأعمال جمع عمل، وهو حركة البدن بكلِّه أو بعضه، وربَّما يطلق على حركة النفس أيضًا، فعلى هذا يقال العمل إحداث أمر قولًا كان أو فعلًا، بالجارحة أو بالقلب، لكن الأسبق إلى الفهم الاختصاص بفعل الجارحة سواء كان فعلًا أو قولًا، فلا يتناول نحو النية؛ رفعًا للتَّسلسل، فإنه إذا تناول النية تحتاج إلى نية أخرى، وهلمَّ جرًّا، فيلزم التَّسلسل. وبعضهم خصَّ العمل بما لا يكون قولًا أيضًا، ولو خصَّ بذلك لفظ الفعل؛ لكان أقرب من حيث أنهما يستعملان متقابلين فيقال الأقوال والأفعال.
فإن قيل هل من فرق بين الفعل والعمل؟
فالجواب أن الفعل هو الذي يكون زمانه يسيرًا ولم يتكرر، قال تعالى {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ} [الفيل 1] ، حيث كان إهلاكهم في زمان يسير ولم يتكرَّر، بخلاف العمل فإنه الذي يوجد من الفاعل في زمان مديدٍ بالاستمرار والتكرار، قال تعالى {فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ} [الصافات 61] ، فإنَّ المطلوب هو الذي يدوم ويستمرُّ ويتجدد كل مرَّة ويتكرر، لا نفسه ولو مرَّة، فالعمل أخصُّ من الفعل، ومن ثمَّة قال النبي صلى الله عليه وسلم (( إنَّما الأعمال ) )ولم يقل الأفعال؛ لأن ما يندر من الإنسان لا يعتبر فيه النية، كذا قيل، فليُتأمل.
ثم المراد من الأعمال هي الصادرة من المكلَّفين المؤمنين، فتخرج أعمال الكفَّار؛ لأنها لا تصح مطلقًا وإن كانوا مخاطبين بها معاقَبين على تركها، فافهم.
و «النيات» بتشديد الياء وهو المشهور، جمع نيَّة من نوى ينوي، من باب ضَرَبَ يَضْرِب، وقيل هي من النوى بمعنى البعد، فكأن الناوي للشيء يطلبُ بقصده وعزمه ما لم يصل إليه بجوارحه وحركاته الظاهرة؛ لبعده عنه، فجعلت النِّية وسيلة إلى بلوغهِ.
وقد حكى النَّووي تخفيف
ج 1 ص 12
الياء، فقيل هي من وَنَى يَنِي، إذا أبطأ وتأخر؛ لأن النِّية يحتاج في توجيهها وتصحيحها إلى إبطاءٍ وتأخُّرٍ، واستبعده محمود العيني.
وقال البيضاويُّ النِّية عبارة عن انبعاث القلب نحو ما يراه موافقًا لغرضٍ، من جلب نفعٍ، أو دفع ضرٍّ، حالًا أو مآلًا، والشرع خصَّصها بالإرادة المتوجِّهة نحو الفعل؛ ابتغاء لوجه الله، وامتثالًا لحكمه، وهي هاهنا محمولةٌ على المعنى اللُّغوي؛ ليحسن تطبيقه على ما بعده، وتقسيمَه إلى أحوال المهاجر، فإنه تفصيل لما أُجمل أولًا، والباء في قوله (( بالنِّيات ) )، للمصاحبة، كما في قوله تعالى {وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ} [المائدة 61] .
وقيل يحتمل أن تكون للسببية بمعنى أنها مقوِّمة للعمل، فكأنها سبب في إيجادهِ، قيل وعلى الأول تكون النية ركنًا، وعلى الثاني شرطًا وفيه نظر؛ لأن كُلًَّا من المصاحبة والسَّببية يصدق على كلٍّ من الشرطية والرُّكنية، أمَّا المصاحبة؛ فلأن الجزء من حيث هو جزء للكل مصاحبٌ للكل، وكذا الشرط من حيث أنه شرط للمشروط مصاحب للمشروط.
وأما السَّببية فلأن الشرط يتوقف عليه المشروط، وكذا الكُلُّ يتوقَّف على الجزء، ويمكن أن تكون للاستعانة، ولا يخفى أن المصاحبة أَوْلى؛ لأنها يستفاد حينئذٍ منها المقارنة، لكنها في الأعمال الشَّرعية مختلفة الكيفية بناء على التوسعة العرفية الشاملة للحالة القبلية والبعدية، فليُتأمل.
وقد اختلف في أنها ركنٌ أو شرط، والأشبه عند الغزالي أنها شرط؛ لأن النية في الصلاة مثلًا تتعلق بها، فتكون خارجة عنها، وإلا لكانت متعلِّقة بنفسها، ولافتقرت إلى نيةٍ أخرى، والأظهر عند الأكثرين أنها من الأركان؛ لاقترانها بالتكبير، وانتظامها مع سائر الأركان، والحقُّ أن إيجادها ذِكرًا في أول العمل ركنٌ، واستصحابها حُكمًا بأن تعرى عن المنافي كإسلام النَّاوي وتمييزه، وعلمه بالمنوي شرط.
وأما النُّطق بها ليساعد اللِّسان القلب فمستحبٌّ، وسيجيء باقي مباحث النية إن شاء الله تعالى، ثم إنه لا بدَّ هاهنا من محذوف يتعلَّق به الجار والمجرور، وليس هو الكون المطلق؛ لأن كلام الشارع محمول على ما يفيد الحكم الشرعي؛ لأن المخاطبين بذلك هم أهل اللسان، فكأنهم خوطبوا بما ليس لهم به علم إلا من قِبل الشارع، فتعيَّن الحمل على ما يفيد الحكم الشرعي، ولو كان المحذوف هو الكون المطلق فقط [1] لا يفيد الكلام الحكم الشرعي، فهو عندنا قولنا كاملة؛ أي مثاب عليها، وعند الأئمة الثلاثة قولهم صحيحة أو مجزية،
ج 1 ص 13
وتحقيق ذلك أن الكلام لمَّا دلَّ عقلًا على أنه متروك الظاهر؛ لأن التقدير لا عمل إلا بنية، وظاهره نفي ذات العمل بدون النية، وليس المراد ذلك، إذ قد يحصلُ العمل من غير نية، بل المراد بالأعمال حكمها باعتبار إطلاق الشَّيء على أثره وموجبه.
والحكم نوعان نوعٌ يتعلَّق بالآخرة، وهو الثواب في الأعمال الصالحة، والإثم في الأعمال المحرمة، لكن المراد هنا هو الأعمال الصالحة بقرينة دَلالة العقل، ونوع يتعلَّق بالدُّنيا وهو الصحة والفساد، والكراهة والاستحباب، ونحو ذلك، والنوعان مختلفان بدليل أن مبنى الأول على صدق العزيمة، وخلوص النية، فإن وجد وجد الثَّواب، وإلا فلا.
ومَبنى الثاني على وجود الأركان والشرائط المعتبرة في الشرع، حتى لو وجدت صحَّ، وإلا فلا، فلفظ الأعمال باعتبار الإطلاق المذكور كان مشتركًا بين النَّوعين المختلفين بحسب الوضع النَّوعي على القول به، فلا يجوز إرادتهما جميعًا، أما عندنا فلأن المشترك لا عموم له، وأما عند غيرنا فلأن المجاز لا عموم له، بل يجب حمله على أحد النَّوعين، فحمله الأئمة الثلاثة على النوع الثاني؛ بناءً على أن المقصود من بعثة النَّبي صلَّى الله عليه وسلم بيان الحِلِّ والحرمة، والصحة والفساد، ونحو ذلك.
ولأن نفي الصِّحة وأمثالها أَوْلى؛ لأنه أشبه بنفي الشَّيء نفسه، ولأن اللَّفظ يدل على نفي الذَّات بالتصريح، وعلى نفي جميع الصِّفات بالتَّبع، فلما منع الدليل دَلالته على نفي الذَّات بقيت دَلالته على نفي جميع الصفات، وهو يحصل بنفي الصحة، فهو أقرب إلى الفهم، فيكون المعنى أن صحة الأعمال لا تكون إلا بالنية، وتكون النية هي الفاصلة بين ما يصح وما لا يصح، وكلمة «إنما» عاملة بركنيها إيجابًا ونفيًا، فهي تثبت الشيء وتنفي ما عداه، فدلَّت على أن العبادة إذا صحبتها النية صحت، وإن لم تصحبْها لم تصح، ومقتضى حق العموم أن لا يصح عمل من الأعمال الدينية أقوالها وأفعالها، فرضها ونفلها، قليلها وكثيرها إلا بنيَّة، فلا يصح الوضوء بدون النية عندهم، وحمله أبو حنيفة ومن حذا حذوه على النوع الأول؛ بناء على أنه الذي يطَّرِد، فإنَّ كثيرًا من الأعمال تُوجَد وتُعتَبر شرعًا بدونها، كأداء الدَّين، وردِّ الودائع، والأذان، والتِّلاوة، والأذكار، وهداية الطريق، وإماطة الأذى.
فإن قلت النية تلازم هذه الأعمال، فإن مؤدَّى الدَّين يقصد براءة الذِّمة، وكذلك الوديعة وأخواتها، فإنه لا ينفك تعاطيهن عن القصد، وذلك نيَّة.
فالجواب
ج 1 ص 14
أنَّا لا ندَّعي عدم وجود النية في هذه الأعمال، وإنما ندَّعي عدم اشتراطها، ومؤدِّى الدَّين مثلًا، إذا قصد براءة الذِّمة برئت ذمَّته، وحصل له الثواب، وليس لنا فيه نزاع، وإذا أدَّى من غير قصد براءة الذِّمة، هل يقول أحدٌ أن ذمَّته لم تبرأ؟.
ولأن إضمار الثواب متَّفق عليه على إرادته، إذ لا ثواب بدون النية أصلًا، بخلاف الصِّحة، ولأنه يلزم من انتفاء الصحة انتفاء الثواب دون العكس؛ فكان هذا أقل إضمارًا فهو أَوْلى، ومنهم من جعل المقدَّر القَبول، لكن تردد في أنَّ القَبول ينفك عن الصحة أم لا.
فعلى الأول يكون كتقدير الكمال والثواب، وعلى الثاني كتقدير الصِّحة، ومنهم من قال لا حاجة إلى إضمار محذوف من الصِّحة أو الكمال أو نحوهما، إذ الإضمارُ خلاف الأصل، وإنما المراد من الأعمال الأعمال الشرعيَّة، فيكفي تقدير الكون المطلق، فتأمل.
ثم إن الخلاف بيننا وبين الأئمة الثلاثة في أن الأعمال بدون النية تصح أم لا، ليس إلَّا في الوسائل، أما المقاصد فلا اختلاف في اشتراط النية فيها، ومن ثمَّة لم يشترط الحنفيَّة في الوضوء النية؛ لأنه مقصودٌ لغيره لا لذاته، فكيف ما حصلَ حصل المقصود، فهو كستر العورة، وباقي شروط الصلاة التي لا تفتقرُ إلى نية، وكذا الغسل.
وزاد الأوزاعيُّ والحسن التَّيمُّم، ولأجل كون الخلاف في الوسائل دون المقاصد، قال بعض المتأخرين الأَوْلى في التَّقدير أن يقال الأعمال مطلقًا _ أي مقاصد كانت، أو وسائل_ إنما تعتبر بالنية، ففي المقاصد اعتبارها للصحة، وفي الوسائل بمجرَّد المثوبة، وهذا أمر متَّفق عليه، فينبغي حمل الحديث عليه، لكن الأَوْلى الأليق ما أشار إليه الطِّيبي في تحقيق قوله عليه السلام (( وإنما لكلِّ امرئٍ ما نوى ) )وسيجيء إن شاء الله تعالى.
ثم إن هذا التركيب يفيد الحصر باتِّفاق المحققين، وإن اختلف في وجه إفادته، فقيل هي من كون الأعمال جمعًا محلى باللام الاستغراقيَّة، أو هو مستلزم للقصر، ويعبر عنه البيانيون بقصر الموصوف على الصِّفة، وقيل هي من إنما، واختلف في أن إفادتها للحصر هل هي بالمنطوق، أو بالمفهوم، أو بالوضع، أو العرف، أو بالحقيقة، أو المجاز، ومقتضى كلام الإمام وأتباعه أنها تفيده بالمنطوق وضعًا حقيقيًا، بل نقله شيخُ الإسلام البُلقيني عن جميع أهل الأصول من المذاهب الأربعة إلا اليسير كالآمديِّ، وقد فصل ذلك في موضعه. فعلى كل تقدير معناه كل عملٍ بنية، لا عمل إلَّا بنية.
ثم إن هذا الحصر إضافي لا حقيقي؛ لأن الأعمال لا تصحُّ ولا تكمل بمجرَّد النية، بل لا بدَّ لها من باقي شروطها وأركانها، وهذا الحصر مستقيمٌ عند من قدَّر الكمال والثواب، سواء كان العمل من المقاصد، أو من الوسائل، أو من قبيل التُّروك، فإن التُّروك أيضًا من الأعمال؛ لأن الأصح أن الترك كفُّ النَّفس وهو عمل. أمَّا إذا كان من المقاصد فلا صحَّة بدون النية فضلًا عن الثواب، وأما إذا كان
ج 1 ص 15
من الوسائل فلا كمال ولا ثواب فيه من غير نية وإن صح، وأما إذا كان هذا من التُّروك؛ فلأنه إذا أريد بها تحصيل الثواب بامتثال أمر الشارع، فلا بدَّ من النية فيها حتى يحصل الثَّواب، فمن لم تخطر المعصية بباله أصلًا ليس كمن خطرتْ، فكفَّ نفسه عنها خوفًا من الله تعالى.
والحاصل أنَّ الكلام على تقدير الكمال والثَّواب يكون باقيًا على عمومه بحيث لا يخرج عنه شيءٌ من الأعمال.
وأما نحو النية فقد عرفت خروجه عن الأعمال بأن الأسبقَ إلى الفهم هو الاختصاصُ بفعل الجارحةِ، وكذا على تقدير الاعتبار على ما اختاره بعضُ المتأخرين كما مرَّ آنفًا.
وأما على تقدير الصِّحة، فيكون الحديث عامًّا خُصَّ منه البعض بدليل كأداء الدَّين، وردِّ الودائعِ والأذان والتِّلاوة والأذكار والأدعية وهداية الطريق وإماطة الأذى، وكذلك التُّروك في إسقاط العقاب، ومع ذلك فلو قصد بكلٍّ منها القربة إلى الله تعالى؛ لكان أكثر ثوابًا.
ومن ثمَّة قال الغزاليُّ حركة اللِّسان بالذِّكر مع الغفلة عنه تحصل الثَّواب؛ لأنها خير من حركة اللسان بالغيبة مثلًا، بل هو خيرٌ من السُّكوت المجرَّد عن التَّفكر، وإنما هي ناقصة بالنسبة إلى انضمام عمل القلب إليها، ويؤيِّده قوله صلَّى الله عليه وسلم (( في بُضعِ أحدكُم صدقة ) )وقد قال في الجواب عن قولهم أيأتي أحدنا شهوتَه ويُؤجر؟ (( أرأيتَ لو وضعَها في حرامٍ ) ).
ويُفهم من إطلاق الغزالي أن المرء يثاب على فعل مباحٍ؛ لأنَّه خير من فعل حرامٍ، لكن ليس ذلك بمرادٍ له، ثم إن الشافعية فرَّعت على أصلهم مسائل منها أنَّ بعضهم أوجبوا النية في غسل النَّجاسة؛ لأنه عمل واجبٌ. وقيل إنها تجب لإزالة النجاسة التي على البدن دون الثوب، وقد رد ذلك بحكاية الإجماع، وبأنها من باب التُّروك، فصار كترك المعاصي، نعم يحتاج إلى النية فيها؛ لقصد الثواب كما مرَّ. واعترض على التَّعليل الثاني بأن الصوم أيضًا من باب التُّروك، ولهذا لا يبطل بالعزم على قطعه.
وقد أجمعوا على وجوب النية فيه وأُجيب بمنع الإجماع على وجوبها فيه، كيف وعطاء ومجاهدٌ لا يريان وجوب النية فيه إذا كان في رمضان إلَّا إذا كان مسافرًا أو مريضًا.
ومنها اشتراط النية في الخطبة وفيه وجهان للشَّافعية كما في الأذان، قال الرَّافعي إن القاضي حسين حكى اشتراط نية الخُطبة وفرضيتها،
ج 1 ص 16
كما في الصلاة.
ومنها أن من صرح بالطلاق والظِّهار والعتق، ولم يكن له نيَّة في ذلك لم يلزمه فيما بينه وبين الله تعالى طلاق ولا ظهار ولا عتق، وإن لزمه في الحكم.
ومنها أنه لو وطئ امرأته يظنُّها أجنبيَّة، فإذا هي مباحة له أَثِمَ، ولو اعتقدها زوجته أو أمته فلا إثم، وكذا لو شرب مباحًا يعتقده حرامًا أَثِمَ، وبالعكس لا يَأْثم، ومثله ما إذا قتل من يعتقده معصومًا فبان أنه مستحق دمه، أو أتلف ما يظنُّه لغيره، فكان ملكه.
ومنها اشتراط النية لسجود التِّلاوة؛ لأنه عمل وهو قولُ الجمهور منهم خلافًا لبعضهم.
ومنها وجوب النية على الغاسل في غسل الميِّت؛ لأنه عمل واجبٌ، وهو أحدُ الوجهين لأصحاب الشَّافعي. ويدلُّ عليه نص الشَّافعي على وجوب غسل الغريق، وأنه لا يكفي إصابة الماء له، ولكن أصح الوجهين عندهم أنَّه لا تجب النِّية على الغاسل.
ومنها أنه يجب النية على الزوج إذا غسل زوجته المجنونة من حيضٍ أو نفاسٍ، أو الذِّمِّية إذا امتنعت، فغسلها الزَّوج، وهو أصحُّ الوجهين على ما قالوا.
ومنها غير ذلك على ما ذكره محمود العينيُّ.
ثم اعلم أن الأعمال عاديَّة وعباديَّة، والنية شُرِعت لتميز الثاني عن الأول؛ ليترتب عليه الصحة أو المثوبة. ثم إنه قد قيل إن جميع النِّيات المعتبرة في العبادات لا بدَّ لها من المقارنة للعمل إلا الصَّوم والزَّكاة والكفَّارات، فإنه يجوزُ تقديمها على العمل والشُّروع. ثم إنه يشترط استحضار النية أول كل عمل وإن تكرَّر فعله مقارنًا لأوله فيه مذاهب أحدها نعم. وثانيها يشترط ذلك في أوَّله، ولا يشترط إذا تكرَّر بل يكفي أن ينوي أول كل عمل، ولا يشترط تكرارها فيما بعدُ، ولا مقارنتها، ولا الاتصال. وثالثها يشترط المقارنة دون الاتصال. ورابعها يشترط الاتصال.
(وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ) هو بكسر الراء، بمعنى الرَّجُل، وكذا المَرْءُ بوزن فَلْس، وجمعهما رجال، وليس لهما جمع من لفظه، ومن الغريب أن عَيْنَ اللَّفظ الأول تابعة للامه في الحركات الثَّلاث (مَا نَوَى) أي الذي نواه، فكلمة «ما» موصولة، أو نيته، فكلمة «ما» مصدريَّة، والأول أَوْلى لرواية (( ليس للمرء من عمله إلَّا ما نواه ) )وكذا لكل امرأة ما نوت؛ لأنَّ النساء شقائق الرجال. وهذه الجملة أيضًا تفيد الحصر، لكنَّه من قصر الصِّفة على الموصوف عكس الجملة الأولى، وذلك لأنَّ المقصور عليه في إنما هو المؤخر دائمًا، والأمر في تقديم الخبر أيضًا كذلك، فالمعنى أن ثبوت العمل لكلِّ امرئ صحةً أو ثوابًا على اختلاف القولين مقصور على ما نواه، فحينئذٍ تكون هذه الجملة في معنى الجملة الأُولى، فيكون تأكيدًا لها، تنبيهًا على شرف الإخلاص، وتحذيرًا من الرياء المانع من الإخلاص، على ما قاله القرطبي.
وقال النَّووي إنَّ فائدة الجملة الثانية اشتراط تعيين المنوي، فإذا كان على الإنسان صلاة فائتة لا يكفيه أن ينوي الصلاة الفائتة بل يشترط أن ينوي كونها ظهرًا أو عصرًا أو غيرهما، ولولا اللَّفظ الثاني؛ لاقتضى الأول صحة النية بلا تعيين، ولا يخفى عليك أن محلَّه ما إذا لم تتعين الفائتة كمن فاته صلاة واحدة معيَّنة في يوم معين، فأراد أن يقضيها، فإنَّه لا يلزمه ذِكر كونها ظهرًا أو عصرًا مثلًا.
ج 1 ص 17
وقال ابنُ دقيق العيد إن فائدتها أن من نوى شيئًا يحصل له ثوابُ ما نوى، سواء عمله بشرائطهِ، أو حال دون عمله ما يعذر به شرعًا في عدم عمله، وكل ما لم ينوه لم يحصل له، والجملة الأولى لا تفيدها، ومراده بقوله ما لم ينوه؛ ما لم ينوه لا خصوصًا ولا عمومًا. أمَّا إذا لم ينو شيئًا مخصوصًا، لكن كانت هناك نية عامَّة تشمله، فهذا ممَّا اختلف فيه أنظار العلماء، ويتخرج عليه من المسائل ما لا يحصى، وقد يحصل غير المنوي لعمل منويٍّ أيضًا، كمن دخل المسجد فصلى الفرائض أو الرَّاتبة قبل أن يقعد، فإنه يحصل له تحية المسجد نواها أو لم ينوها؛ لأن القصد بالتحية شغل البقعة بالعبادة، وقد حصل، بخلاف من اغتسل يوم الجمعة عن الجنابة، فإنَّه لا يحصل له غسل الجمعة بلا نيةٍ على الرَّاجح؛ لأنَّ غسل الجمعة ينظرُ فيه إلى التَّعبد لا إلى محض التَّنظيف، فلا بدَّ فيه من القصد إليه، بخلاف تحية المسجد.
وقيل إن فائدتها منع الاستنابة في النية، والجملة الأولى لا تفيدها، إذ لو نوى واحد عن غيره صدق عليه أنه عمل بنية، ونوقض ذلك بنحو نية ولي الصَّبي في الحج، فإنها صحيحةٌ على مذهب ذلك القائل، وكذا حج الإنسان عن غيره بلا خلاف، وكذا التوكيل في تفرقة الزَّكاة، فإنه إذا نوى الوكيل يجزئه، كما في (( الحاوي الصغير ) ). وأُجيب بأن ذلك واقعٌ على خلاف الأصل.
وقال ابنُ عبد السلام معنى الجملة الثانية حصر ثواب العمل على العاملِ، ومعنى الجملة الأولى صحة الحكم وإجزاؤه، ولا يلزم منه ثواب، فقد يصحُّ العمل ولا ثوابَ عليه كالصلاة في الأرض المغصوبة على أرجح المذاهب. وعُورض بأنه يقتضي أن يكون للعمل نيتان نيَّة يصحُّ بها في الدنيا، ويحصل الاكتفاء به، ونيَّة بها يحصل الثَّواب في الآخرة، إلَّا أن يقدر في ذلك وصف النِّية لا أصلها كالخلوصِ إن لم يحصل ذلك الوصف صحَّ ولا ثواب، وإن حصل صحَّ وحصل الثَّواب.
وقال ابن السَّمعاني في (( أماليه ) )إنَّ فائدتها أن الأعمال الخارجة عن العبادة من الأعمال العاديَّة قد تفيد الثَّواب إذا نوى بها فاعلها القربة كالأكل والشُّرب إذا نوى بهما القوَّة على الطَّاعة، والنوم إذا قصد به ترويح البدن للعبادة، والوطئ إذا أراد به التَّعفف عن الفاحشةِ، وهذا المعنى لا تفيده الجملة الأولى كما لا يخفى، وهذا قريب مما قاله الطِّيبي، لكن ما قاله الطِّيبي أكمل وأتمُّ، فإنه قال في هذه الجملة إشارة إلى ما تثمره النية من القَبول والردِّ، والثَّواب والعقاب، ففهم من الكلام الأول أن الأعمال لا تكون محسوبة إلَّا بالنية، ومن الثاني أنها إنما تكون مقبولة بالإخلاص والتَّبعد عن الرياء والسُّمعة.
وحاصله أنه أشار في الجملة الأولى أنَّ الأعمال الشَّرعية يتوقف صحَّتها على النية اللُّغوية، وأشار في الثانية إلى اعتبار النية الشَّرعية في الأعمال مطلقًا؛
ج 1 ص 18
أي سواء كانت عبادية أو عاديَّة، إذ حاصلها أنَّ حاصل كلِّ امرئ ما نواه سواء كان محمودًا أو مذمومًا.
فيُعلَم منه أنه يمكن أن يجعل العادات عبادات كالمآكل والمشارب والمناكح والملابس والطِّيب، ونحوها من المباحات إذا نوى بها القوَّة على الطَّاعة، أو قصد إقامة السُّنة، أو دفع الرَّائحة المؤذية عن الخلق، لا استيفاء اللَّذات.
وقد تنعكس القضيَّة بأن تصير العبادات عادات، فلا يترتَّب عليها مثوبات بل عقوباتٌ كمن قعد في المسجد للتفكُّه بالمحادثة، والتلذُّذ بالمجالسةِ، وللمناظرات على سبيل المباهات، ونحوها من المباحات أو الممنوعات، وقد جاء في الخبر (( مَن تطيَّب في الله جاء يوم القيامة وريحه أطيبُ من المسك، ومن تطيَّب لغيرِ الله جاء يوم القيامةِ وريحهُ أنتنُ من الجيفة ) ).
وكذا وعيدُ من تعلَّم القرآن لغير الله ونحو ذلك، ففي الجملة كلُّ عمل صدر عن العبد لداعي الحق فهو العمل الَّذي ينفعه، وما لا فلا يفيده بل يضرُّه، فقد روي أنَّ رجلًا في بني إسرائيل مرَّ بكثبان رملٍ في مجاعة، فقال في نفسه لو كان هذا الرَّمل طعامًا لي لقسمتُه بين الناس، فأوحى الله إلى نبيِّهم، قل إنَّ الله صدقك، وشكر حسنَ صنيعك، وأعطاك ثواب ما لو كان طعامًا فتصدَّقت به. فعلى هذا يكون معنى قوله صلَّى الله عليه وسلم (( وإنَّما لكلِّ امرئٍ ما نوى ) )لكلِّ شخص من الرَّجل والمرأة جزاء ما نوى في عمله من خيرٍ أو شرٍّ.
وقد قال بعضُ المحققين إن هذه الجملة من جوامع الكلم الصَّادرة عن منبع الحكمة الإلهيَّة ومهبط الأنوار القدسيَّة اللَّاهوتيَّة التي يستضيء طائفة بعباداتها، وطائفة بإشاراتها، وكلُّ حزبٍ بما لديهم فرحون.
ومن إشاراتها أن مدار الأعمال الغالبيَّة على الأحوال القلبيَّة، فما أفاد منها مَلَكة فاضلة، وتوجُّهًا نحو الحضرة الربانية كان وسيلة إلى المقصد الأعلى، وذريعة إلى السَّعادة العُظمى، وما أوقع منها خُلُقًا رديئًا وبعدًا عن تلك الحضرة كان مُوجِبًا للشَّقاوة، ومنتجًا للنَّدامة، وبحسب ذلك تتفاوت الأعمال جودةً ورداءةً، فكل عمل أوجب زلفاك من مولاك كان لك خيرًا، وما كان بخلافه كان شرًَّا لك.
ثم إن للنفس تمويهات مزخرفة، وتلبيسات مموَّهة، فربما صورت لك السَّراب عذبًا فراتًا، وأَرَتْكَ الماء الزُّلال ملحًا أجاجًا، فأشكل المَيزُ بين ما يُدنيك من اللَّذة الكبرى، وما يُرديك
ج 1 ص 19
من مُوجبات الرَّدى في الدنيا والآخرة، فما أحوجك إلى التَّمسك بالعروة الوثقى، والاعتلاء إلى ذروة التَّقوى بمتابعة الشرع المؤيد من السماء، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
(فَمَنْ) أي إذا عرفت أنَّ الأعمال الشَّرعية التي هي عبارة عن مقاصد الأعمال لا تصح بدون النِّية اللُّغوية، وأنَّ سائر الأعمال سواء كانت عبادية أو عاديَّة لا تثاب ما لم تقترن بالنِّية الشَّرعية الَّتي هي قصد الفعل ابتغاء لوجه الله تعالى، فمن (كَانَتْ هِجْرَتُهُ) الهجرة بكسر الهاء، على وزن فِعلة، من الهجر، ضد الوصل، ثم غلب ذلك على الخروج من أرض إلى أرضٍ، وترك الأولى للثانية، والمراد هنا ترك الوطن، والانتقال إلى غيره، وفي الشَّرع مفارقة دار الكفر إلى دار الإسلام خوف الفتنة، وطلب إقامة الدِّين، وفي معناه الهجرة من دار البدعة إلى دار السُّنة، وفي الحقيقة مُفارقة ما يكرهه الله تعالى إلى ما يحبُّه، كما ورد (( المهاجرُ من هجرَ ما نهى الله عنه ) )وهي أعمُّ أنواع الهجرة وأتمُّها، كما سيأتي، والمعنى فمَن كان قصدُه بهجرته (إِلَى دُنْيَا) والجار يتعلق بالهجرة، وإن كان لفظة «كانَتْ» تامَّة، وأما إذا كانت ناقصة فهو يتعلَّق بالانتهاء؛ أي فمَن كانت هجرته منتهية إلى دنيا، وفي رواية لغير المؤلف (( لدنيا ) )فاللام للتعليل؛ أي فمن كانت هجرته لأجل عرَض الدُّنيا ومتاعها، لا لغرض الآخرة وانتفاعها. و «الدُّنيا» بضم الدال، وحكى ابن قتيبة كسرها، وهي على وزن فُعلى من الدُّنو؛ أي القرب سمِّيت بذلك؛ لسبقها على الآخرى، أو لدنوِّها من الزَّوال، أو من الدَّناءة وهو ظاهر. واختلف في حقيقتها فقيل هي ما على الأرض مع الجو والهواء، وقيل هي كلُّ المخلوقات من الجواهرِ والأعراض الموجودة قبل الدَّار الآخرة، وتطلق على كلِّ جزء منها مجازًا.
قال النَّووي والثاني هو الأظهر، ثم إن لفظها مقصورٌ غير منوَّن؛ للتَّأنيث والعلميَّة، أو الوصفيَّة الأصلية؛ لأنَّها في الأصل صفة، والتَّقدير الحياة الدُّنيا، كما في قوله تعالى {وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ} [الحديد 20] ، وتركهم موصوفها، واستعمالهم إيَّاها نحو الاسم الموضوع علمًا، لا ينافي الوصفيَّة، كذا قيل، لكن الظَّاهر أن امتناع صرفه للزوم التأنيث وهو قائم مقام العلَّتين، وحكي تنوينها، وعزاه ابنُ دحية إلى رواية أبي الهيثم الكُشميهنيِّ، وضعَّفها بأنَّه لا يعرف في اللُّغة التَّنوين، وليس أبو الهيثم ممَّن يرجع إليه في ذلك، لكن قيل إن الصَّحيح جوازه. قال في (( القاموس ) )والدُّنيا نقيض الآخرة، وقد تُنَوَّن [2] ،
ج 1 ص 20
وجمعها دُنى. انتهى.
وقد قال العجاجُ
~في جمعِ دنيًا طالَ ما قد عنتْ
فإنه روي بالتَّنوين.
وقال المثلَّم بن ريَاح
~إنِّي مقسِّمٌ ما ملكتُ فجاعلٌ أجرًا لآخرتي ودنيًا تنفعُ
فإنَّ ابن الأعرابي أنشدهُ بتنوين دنيا، وليس ذلك بضرورة على ما لا يخفى.
وقال ابن مالك في كتاب (( الشواهد ) )إنَّ استعمال دنيا منكَّرًا فيه إشكال؛ لأنها أفعل التَّفضيل، فكان حقها أن تستعملَ باللام نحو الكبرى والحسنى، إلا أنَّها وردت على خلاف القياس؛ لانسلاخها عن معنى الوصفية، وإجرائها مجرى ما لم يكن وصفًا.
ونحوه قول الشاعر
~وإن دعوتِ إلى جُلَّى ومكرُمةٍ يومًا سَراةَ كرامِ النَّاس فادْعِينا
فإن الجُلَّى مؤنَّث الأجل، وقد خلعت عنها الوصفيَّة، وجعلت اسمًا للحادثة العظيمة.
ثم إن النُّكتة في ورود الدنيا على خلاف القياس، قيل هي الإيماء إلى تجريد الدُّنيا، وترك زوائدها، وربما يقال إنما نكِّرت إشارة إلى ما يُسمى دنيا من أنواع ما في الدُّنيا من المرأة والمال والجاه، فافهم.
(يُصِيبُهَا) حال مقدَّرة؛ أي حال كونه يقدر إصابتها؛ أي تحصيلها أو وجدانها، أو غير مقدَّرة؛ أي يريدها، فإن أصاب يجيء بمعنى أراد أيضًا، يقال أصاب فلان الصَّواب فأخطأ؛ أي قصد الصَّواب وأراده، فأخطأ مراده.
وقال أبو بكر الأنباري في قوله تعالى {تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ} [ص 36] ؛ أي حيث أراد، أو صفة لدنيا، فافهم.
وقيل شبَّه قصد الدنيا وتحصيلها بإصابة الغرض بالسَّهم بجامع حصول المقصود.
(أَوْ امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا) بفتح الياء وكسر الكاف؛ أي يتزوجها، كما في الرِّواية الأخرى، وإعرابه كإعراب يصيبها، والتَّنصيص على المرأة مع أنَّها داخلة في مسمَّى الدنيا إمَّا للاهتمام زيادة في التَّحذير، وإشعارًا بأنَّ النساء أعظم أسباب فتنة الدُّنيا، قال صلَّى الله عليه وسلم (( ما تركتُ بعدي فتنةً أضر على الرجال من النِّساء ) )وإيماء إلى أنه لما كان قصد النِّكاح الذي هو سنة عظيمة من سننِ أهل الفلاح إذا كان يبطل ثواب الهجرة، فكيف غيره من الأمور المباحة أو المكروهة.
وإمَّا لأن العرب كانت لا يزوجون المولى العربيةَ، ويراعون الكفاءة في النَّسب، فلا يزوجون بناتهم إلا من الأكفاء في النَّسب، فلما جاء الإسلام سوَّى بين المسلمين
ج 1 ص 21
في مناكحهم، وصار كلُّ واحد من المسلمين كفؤًا لصاحبه، فهاجر كثيرٌ من النَّاس إلى المدينة؛ ليتزوَّج بها من كان لا يصل قبل ذلك إليها، كما قال ابن بطَّال، فتأمل [3] .
وإمَّا لِما اشتهرَ من سبب ورود هذا الحديث، وهو قصة مهاجر أمِّ قيس، فقد روى الطَّبرانيُّ في (( المعجم الكبير ) )بإسنادٍ رجاله ثقاتٌ عن أبي وائل عن ابن مسعود رضي الله عنه قال «كان فينا رجلٌ خطب امرأةً يقال لها أم قيس، فأبت أن تتزوجه حتى يهاجر، فهاجر فتزوجها، قال فكنَّا نسمِّيه مهاجر أمِّ قيس هذا» ، فكان قصده بالهجرة من مكَّة إلى المدينة إلى التَّزوج بها، لا إلى فضيلةِ الهجرة من رضى الله ورسوله، فعرَّض النبي صلَّى الله عليه وسلم به في حديثه؛ تنفيرًا له عن مثل قصده هذا.
وذكر أبو الخطَّاب ابن دحية أنَّ اسم المرأة قيلة، وأما الرَّجل فلم يُسمِّه أحدٌ ممن صنَّف في الصحابة فيما رأيتُه، ثمَّ ذكر الدُّنيا معها من باب زيادة النَّص على السَّبب، كما أنَّه عليه السلام لما سُئل عن طهوريَّة ماء البحر زاد «حِلٌّ ميتته» . ويحتمل أن يكون هاجر لمالها مع نكاحها، فجمعها في التَّعريض به، ولا يبعدُ أنَّه كان يطلب نكاحها وغيره من النَّاس؛ لتحصيل دنيا من جهةٍ ما، فعرض بهما، ولذا فرضت القصة في الهجرة في تفضيل ما سبق من المرام في قوله (( وإنَّما لكلِّ امرئٍ ما نوى ) ).
(فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ) من إصابة الدُّنيا، أو تزوج المرأة، ولم يذكرهما صريحًا؛ للإعراضِ عنهما، وعدم الاحتفال بأمرهما، وللزَّجر عن قصدهما، وكلمة (إلى) إمَّا أن تتعلَّق بالهجرة فحينئذٍ يكون الخبر محذوفًا؛ أي فهجرته إلى ما هاجر إليه غير صحيحةٍ، أو غير مقبولةٍ، ويرد عليه أنَّه يقتضي أنَّ من ينوي بهجرته تزويج المرأة مثلًا مطلقًا، فهجرته غير مقبولة، وليس كذلك؛ فإنَّ من ينوي بهجرته مفارقة دار الكفر، وتزويج المرأة معًا لا تكون هجرته غير مقبولة، بل ناقصة بالنَّسبة إلى من كانت هجرته خالصة، فإنَّه يثاب على قصده مفارقة دار الكفر، لكن دون ثواب من أخلص، وإمَّا أن تتعلَّق بالانتهاء فحينئذٍ يكون الخبر قوله (( إلى ما هاجر إليه ) )، والجملة خبر المبتدأ الذي هو من كانت، فيتحد الشَّرط والجزاء في العبارة الصُّورية، فيحتاج إلى التَّأويل، فقيل إن الجزاء محذوفٌ أقيم المذكور؛ لاستلزامه إيَّاه مقامه، والتَّقدير فلا ثوابَ له عند الله، أو هي غير صحيحة؛ لأنَّ هجرته إلى ما هاجر إليه لا إلى رضى الله تعالى ورسوله، فيكون كناية عن حقارة تلك الهجرة؛ لأنها ليست بموقع من الله تعالى، وقيل إذا اتَّحد المبتدأ والخبر،
ج 1 ص 22
أو الشرط والجزاء؛ عُلم منهما المبالغة، إمَّا في التعظيم نحو أنا أنا، وشعري شعري، ومن هذا القبيل (( فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ) )كما وقع في رواية، وإمَّا في التَّحقير نحو قوله (( فمن كانت هجرته إلى دنيا ... ) )إلى آخره.
وقيل إنَّ التغاير بين الشَّرط والجزاء، وكذا بين المبتدأ والخبر يقع تارة باللفظ وهو الأكثر، وتارة بالمعنى، ويفهم ذلك من السِّياق كقوله تعالى {وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا} [الفرقان 71] أي مرضيًّا عند الله ماحيًا للعقاب محصِّلًا للثَّواب، فهو مُؤوَّل على إرادة المعهود المستقر في النَّفس كقولهم أنت أنت؛ أي الصَّديق الخالص، وقولهم هم هم؛ أي هم الذين لا يقدر قدرهم.
وكقول الشَّاعر
~خَليلي خَليلي دونَ ريبٍ وربَّما ألان امرؤٌ قولًا فظُنَّ خليلًا
أي خليلي من لا أشكُّ في خلَّته.
وقدَّر أبو الفتح القشيريُّ فمن كانت هجرته نية وقصدًا فهجرته حكمًا وشرعًا، واستحسن بعضهم هذا التأويل. قيل وليس بذلك؛ لأنَّه يفوت على هذا التَّقدير المعنى المشعر للتَّعظيم أو التَّحقير، وهما مقصودان في الحديث، فليُتأمل.
فالمعنى من كانت هجرته لدنيا أو منتهية إليها لا يحصل له ثواب الهجرة سواء حصل غرضه من الدنيا وما فيها أم لا، فعُلم أن الطَّاعة في أصل صحَّتها، وتضاعف مرتبتها مرتبطة بالنِّيات، وبها ترتفعُ إلى خالق البريَّات، فلا بدَّ للسَّاعي من تصحيح النِّية، وللباني من إحكام أساس البُنية، فإنَّها بدون العمل أيضًا منتج للمثوبة، والعمل بدون تصحيح النية موجب للعقوبة.
أمَّا مثال الثاني فقد ورد (( من تعلَّم عِلمًا ممَّا يبتغى به وجه الله لا يتعلَّمه إلَّا ليصيبَ به عرضًا من الدُّنيا لم يجدْ عَرف الجنَّة يوم القيامة ) ). ولذا قال الحسن البصري لما رأى بهلوانًا يلعب على الحبل هذا أحسنُ من أصحابنا فإنَّه يأكل الدُّنيا بالدُّنيا، وأصحابنا يأكلون الدُّنيا بالدِّين.
وأمَّا مثال الأول فقد ورد في (( مسند ) )أبي يعلى الموصلي مرفوعًا (( إنَّ الله يقول للحفظةِ يوم القيامة اكتبُوا لعبدِي كذا وكذا من الأجر، فيقولون ربَّنا لم نحفظ عنه ذلك، ولا هو في صحيفتنَا، فيقول الله تعالى إنَّه نواه ) ).
ونقل الأستاذُ أبو القاسم أنَّ زبيدة رُؤيت في المنام فقيل لها ما فعل الله بك في ذكر
ج 1 ص 23
المقام، فقالت غفر لي جميع الآثام، فقيل لها أبكثرة عمارتك الآبار والبُرَك والمصانع في طريق مكَّة، وإنفاقك فيها من الذَّهب والفضة؟ فقالت هيهات هيهات، ذهب ذلك كلُّه إلى أربابه وأصحابه، وإنما نفعنا منه النِّيات، فغفر لي بها السَّيئات.
هذا ثم إنه إذا كان القصد مشتركًا بين العبادة والعادة، فالحكم بغالب الأمر، فقد صرَّح علماؤنا كما في (( الذخيرة ) )و (( التجنيس ) )وغيرهما أنَّ الرِّستاقي إذا سعى يوم الجمعة إلى المصر يريد إقامة الجمعة، وإقامة الحاجة، فإن كان معظم مقصوده إقامة الجمعة ينال ثواب السَّعي إلى الجمعة، وإن كان قصده إقامة الحاجة لا غير، أو كان معظم مقصوده إقامة الحاجة لا ينال ثواب السَّعي إلى الجمعة.
ثم اعلم أن العمل إما رياء محض بأن يراد به غرض دنيوي فقط، ولو مباحًا فهو حرام لا ثوابَ فيه، أو مشوبٌ برياءٍ ولا ثواب فيه أيضًا؛ للخبر الصَّحيح (( من عملَ عملًا أشرك فيه غيري فأنا منه بريء وهو للذي أشرك ) ). واختاره الشَّيخ عزُّ الدِّين بن عبد السلام [4] حيث قال لا أجر فيه مطلقًا سواء تساوى القصدان أو اختلفا.
وحمل الغزاليُّ الإشراك فيه على المساواة حيث قال إن كان القصد الدُّنيوي هو الأغلب لم يكن فيه أجر، وإن كان القصد الدِّيني هو الأغلبُ كان له أجر بقدره، وإن تساويا تساقطا، والظَّاهر على ما قاله بعض المتأخرين أن محل كلام الإمام فيما لم يشترط فيه النية اللُّغوية؛ لقوله تعالى {فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} [الكهف 110] ، بل محلُّه العبادة التي تعتبر فيها النِّية الشَّرعية، وهي الإخلاصُ، وخلوص الطَّوية كما هو أخلاق الصُّوفية؛ لقوله تعالى {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [البينة 5] .
وأما من قصد بجهادهِ إعلاء كلمةِ الله، ونَيْلَ نحو غنيمة نقص أجرُه ولم يبطل؛ لخبر مسلم (( إن الغزاة إن غنموا تعجَّلوا ثلثَي أجورهِم، وإلَّا تمَّ لهم أجرهم ) ). وقد قيل من حجَّ بنيَّة التِّجارة كان له ثواب بقدر قصده الحجَّ، ومن عقد عملًا لله ثمَّ طرأ له خاطر رياء، فإن دفعه لم يضر إجماعًا، وإن استرسلَ معه، ففيه خلاف.
والَّذي رجَّحه الإمام أحمد وجماعة من السَّلف ثوابه بنيته الأُولى، قيل ومحلُّه في عملٍ يرتبط آخره بأوله كالصَّلاة والحج دون نحو القراءة، ففيها لا أجر بعد حدوث الرِّياء ولو تمَّ عمله خالصًا، فأثني
ج 1 ص 24
عليه ففرح لم يضر؛ لخبر مسلمٍ (( تلك عاجلُ بشرى المسلم ) ). ثم إنَّه وقع في رواية الحُميديِّ هذه حذف أحد وجهي التَّقسيم وهو قوله (( فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرتُه إلى الله ورسولهِ ) )وقد ذكره البخاريُّ من غير طريقِ الحُميدي.
فقال ابنُ العربي لا عذر للبخاريِّ في إسقاطه؛ لأنَّ الحُميدي رواه في (( مسنده ) )على التَّمام، قال وذكر قومٌ أنه لعلَّه استملاهُ من حفظ الحُميديِّ، فحدَّثه هكذا، فحدَّث عنه كما سمع، أو حدَّثه به تامًا فسقط من حفظ البخاريِّ. قال وهو أمرٌ مستبعَدٌ جدًّا عنه من اطَّلع على أحوال القوم. وجاء من طريق بشر بن موسى، و (( صحيح ) )أبي عَوَانة، و (( مستخرجي ) )أبي نعيم على (( الصحيحين ) )تامًّا.
وقيل لعلَّ المؤلِّف إنَّما اختار الابتداء بهذا السِّياق النَّاقص؛ ميلًا إلى جواز الاختصار من الحديث، ولو من أثنائه، كما هو الرَّاجح على أن قصْدَه بالابتداء به هو التَّنبيه على أنه قصد به وجه الله تعالى، وأنه سيجزى بحسب نيَّته، وكل شخصٍ يجزى بقدر نيَّته، فإن كانت نيَّته وجه الله تعالى يجزى بالثَّواب والخير في الدَّارين، وإن كانت نيَّته وجهًا من وجوه الدُّنيا، فليس له حظ من الثواب، ولا من خير الدُّنيا والآخرة، وذلك المقصود حاصل بهذا السِّياق المختصر، وسيجيءُ تتمة لهذا.
وقد أطال البحث في ذلك الحافظ العسقلاني، فليرجع إليه.
فإن قلت لمَ لمْ يقل في الجزاء في هذه الجملة فهجرته إليهما، وإن كان أخصر بل أتى بالظَّاهر.
فالجواب أنَّ من آدابه صلَّى ال?