فهرس الكتاب

الصفحة 5 من 11127

2 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ) أبو محمد المصري التِّنيسيُّ، نسبة إلى تِنِّيْس _ بكسر التاء المثناة الفوقية وبالنون المكسورة المشددة وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره سين مهملة _، بلدة بمصر بساحل البحر، واليوم خراب، سُمِّيت بتنِّيس بن حام بن نوح عليه السلام.

وأصله من دمشق، ثمَّ نزل بتنيس، وهو أجلُّ من روى (( الموطأ ) )عن مالك رحمه الله، سمع الأعلام مالكًا واللَّيث بن سعد ونحوهما. وعنه الأعلام يحيى ابن معين والذُّهلي وغيرهما، وأكثر عنه البخاري في (( صحيحه ) )وقال كان أثبت الناس. وروى أبو داود والترمذيُّ والنَّسائي عن رجل عنه، ولم يخرج له مسلم، وقال البخاريُّ لقيتُه بمصر سنة سبع عشرة ومائتين. ومنه سمع البخاريُّ (( الموطأ ) )عن مالك، مات بمصر سنة ثمان عشرة ومائتين، وليس في الكتب السِّتَّة عبد الله بن يوسف سواه.

ثم في يوسف ستَّة أوجهٍ ضم السين وفتحها وكسرها مع الهمزة وتركها، وهو اسم عبراني معناه جميل الوجه في لغتهم، وقيل عربي. قال الزَّمخشريُّ وليس بصحيح؛ لأنه لو كان عربيًا لانصرف؛ لخلُوِّه عن سبب آخر سوى التَّعريف، وما يقال من أنه على قراءة كسر السين أو فتحها يكون على وزن المضارع المبني للفاعل أو المفعول من أسف، فيجوز أن يكون منع صرفه؛ للتَّعريف، ووزن الفعل فمدفوع بأنَّ القراءة المتواترة قامت بالشَّهادة على أنَّ الكلمة أعجميَّة، فلا تكون تارة عربية، وتارة أعجميَّة، ونحو يوسف يونس، رويت فيه هذه اللُّغات الثَّلاث، ولا يقال هو عربيٌّ، مع أنه في لغتين منها بوزن المضارع من آنَس وأُونِس.

ج 1 ص 33

ثم إنه على تقدير كونه عربيًا قالوا اشتقاقه من الأسف، وهو الحزن، والأسيفُ وهو العبد، وقد اجتمعَا في يوسف النَّبي صلَّى الله عليه وسلم، فلذلك سمِّي يوسف، وفيه نظر؛ لأنَّ يعقوب عليه السلام لمَّا سمَّاه يوسف لم يلاحظ فيه هذا المعنى.

(قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) بن أنس بن مالك بن أنس، أبو عبد الله الأصبحيُّ الحميريُّ المدنيُّ. قيل أخذ مالك عن تسعمائة شيخ منهم ثلاثمائة من التَّابعين، وستمائة من تابعيهم ممَّن اختاره وارتضى دينه وفهمه، وقيامه بحقِّ الرواية وشروطها، وسكنت النفس إليه، وترك الرِّواية عن أهل دين وصلاح لا يعرفون الرِّواية.

ومن الأعلام الذين روى عنهم إبراهيم بن أبي عبلة المقدسيُّ، وأيوب السَّختيانيُّ، وثور بن يزيد الدِّيليُّ، وجعفر بن محمد الصَّادق، وعبد الرحمن بن محمد بن أبي بكر الصِّدِّيق رضي الله عنه، والزُّهري، ونافع مولى ابن عمر، وهشام بن عروة، وعائشة بنت سعد بن أبي وقاص.

وفي (( مناقب أبي حنيفة ) )أنَّ مالك بن أنس كان يسألُ أبا حنيفة، ويأخذُ بقوله، وبعضهم ذكر أنه ربَّما سمع منه منكِرًا، وفيه نظر.

وذكروا أيضًا أنُّ أبا حنيفة سمع منه أيضًا، ومن الأعلام الذين روَوا عنه سفيان الثَّوري، ومات قبلَه، وسفيان بن عُيينة، وشعبة بن الحجَّاج ومات قبله أيضًا، وأبو عاصم النَّبيل، وعبد الله بن المبارك، وعبد الرَّحمن الأوزاعي، وهو أكبر منه، وعبد الله بن مسلمة، وعبد الملك بن جُريج، وأبو نُعيم الفضل بن دُكين، وقتيبة بن سعيد، واللَّيث بن سعد وهو من أقرانه، ومحمد بن مسلم الزُّهري، وهو من شيوخه، وقيل لا يصحُّ وهو الأصح.

وروى عنه الإمام الشَّافعي، وهو أحدُ مشايخه، روى عنه وأخذ عنه العلم، وأمَّا الذين روَوا عنه (( الموطأ ) )والذين رووا عنه مسائل الرَّأي، فأكثر من أن يحصوا، وقد جمع الدَّارقطنيُّ في كتاب له نحو ألف رجل. وأخذَ القراءة عن نافع بن أبي نعيم.

وقال البخاري أصحُّ الأسانيد مالكٌ، عن نافعٍ، عن ابن عمر رضي الله عنهما. وقال ابنُ معين كلُّ من روى عنه مالك ثقة، إلَّا أبا أميَّة. وقال غير واحد هو أثبتُ أصحاب نافع والزُّهري.

وعن الشَّافعي رحمه الله إذا جاءك الحديث عن مالك فشدَّ به يديك، وإذا جاء الأثرُ فمالك النَّجم. وعنه مالك بن أنس معلِّمي، وعنه أخذنا العلم. وعنه قال محمد بن الحسن الشَّيبانيُّ أقمتُ

ج 1 ص 34

عند مالك بن أنس ثلاث سنين وكسرًا، وكان يقول أنه سمع منه لفظًا أكثر من سبعمائة حديث، وكان إذا حدَّث عن مالك امتلأ منزله، وكثر النَّاس عليه، حتى يضيقَ بهم الموضع، وإذا حدَّثهم عن غير مالك من شيوخ الكوفيين لم يجئه إلَّا اليسير.

وروى الترمذيُّ بإسناده عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلم (( يوشك أن يضربَ النَّاس آباط المطيِّ في طلب العلم، فلا يجدون عالمًا أعلم من علماء المدينة ) ). وحمل سفيان بن عُيينة وغيره هذا الحديث على مالك، وقالوا هو العالم المذكور، وهو جدير به كما قالوا.

قال الواقديُّ وكان مالك رحمه الله أشقَرَ، شديد البياض، ربعة من الرِّجال، كبير الرَّأس، أصلع، وكان لا يخضبُ، وكان يلبس الثياب العدنيَّة الجياد، ويكره خَلِقَ الثياب ويعيبه، ويراهُ من المثلةِ، وهو أيضًا من العلماء الَّذين ابتليوا في دين الله تعالى.

قال ابنُ الجوزي ضُرِبَ مالك بن أنس سبعين سوطًا؛ لأجل فتوى لم توافقْ غرض السُّلطان، ويقال سُعِي به إلى جعفر بن سليمان، وهو ابن عمِّ أبي جعفر المنصور، وقالوا له إنه لا يرى أيمان بيعتكُم هذه بشيء، فغضب جعفر ودعى به، وجرَّده، وضربه بالسِّياط، ومدت يده حتَّى انخلعتْ كتفه، وارتكب منه أمرًا عظيمًا.

توفي في ليلة أربع عشرة من صفر، وقيل من ربيع الأول سنة تسع وسبعين ومائة، وصلى عليه عبد الله بن محمد بن إبراهيم بن محمد بن علي بن عبد الله بن عبَّاس رضي الله عنهما أمير المدينة يومئذٍ، ودفن بالبقيع، يسَّر الله لنا زيارة قبره غيرَ مرَّة.

ومولده في ربيع الأول سنة أربع وتسعين، وفيها ولد اللَّيث بن سعد أيضًا، وكان حمل به في البطن ثلاث سنين، وليس في الرواة مالك بن أنس غير هذا الإمام، وغير مالك بن أنس الكوفي، روي عنه حديث واحد عن هانئ بن حرام، وقيل حِزام. ووهم بعضُهم فأدخل حديثه في حديث الإمام، نبَّه عليه الخطيب، وهو أحدُ أئمة المذاهب السِّتة المتبوعة.

والثاني إمامنا الأعظم أبو حنيفة رحمه الله تعالى الَّذي مات ببغداد سنة خمسين ومائة، عن سبعين سنة.

والثالث الإمام الشَّافعي رحمه الله تعالى الَّذي مات بمصر سنة أربع ومائتين، عن أربع وخمسين سنة.

والرابع الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى الَّذي مات سنة إحدى وأربعين ومائتين، عن ثمانين سنة ببغداد.

والخامس سفيان الثَّوري رحمه الله تعالى الذي مات بالبصرة سنة إحدى وستين ومائة، عن أربع وستين سنة.

والسادس داود بن علي الأصبهاني الَّذي مات سنة تسعين ومائتين، عن ثمان وثمانين سنة ببغداد، وهو إمام الظَّاهرية.

وقد جمع الإمام أبو الفضل يحيى بن سلمة الحَصْكَفِي الخطيب الشَّافعي القرَّاء السَّبعة في بيت،

ج 1 ص 35

وأئمة المذاهب في بيت فقال

~جمعتُ لك القرَّاء لمَّا أردتَهم ببيتٍ تراه للأئمَّة جامعا

~أبو عَمرو عبدُ الله حمزةُ عاصم علي ولا تنسَ المدينيَّ نافعا

~وإن شئتَ أركان الشَّريعة فاستمع لتعرفهم فاحفظْ إذا كنت سامعا

~محمَّد والنُّعمان مالكٌ أحمدُ وسفيان واذكرْ بعد داود تابعا

(عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ) بن الزُّبير بن العوَّام القرشي الأسديِّ أبو المنذر، وقيل أبو عبد الله، أحد الأعلام، تابعي مدني، رأى ابن عمه عبد الله بن الزُّبير، ومسح برأسه، ودعى له، وجابرًا وغيرهما، ولد مقتل الحسين رضي الله عنه سنة إحدى وستين، ومات ببغداد سنة خمس وأربعين ومائة في زمن المنصور، روى له الجماعة، ولم يُعرف أحد شاركه في اسمه مع اسم أبيهِ.

(عَنْ أَبِيهِ) أبي عبد الله عُروة _ بضم المهملة _، والد هشام المذكور المدني التابعي الجليل، المجمع على جلالته وإمامته، وكثرةِ علمه وبراعته، وهو أحدُ الفقهاء السَّبعة، وهم هو، وسعيد بن المسيِّب، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصِّدِّيق رضي الله عنه، وسليمان ابن يسار، وخارجة _ بالخاء المعجمة والراء ثم الجيم _ ابن زيد بن ثابت.

وفي السَّابع أقوال قيل أبو سلمة بن عبد الرَّحمن، وقيل سالم بن عبد الله ابن عمر، وقيل أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام.

وعلى القول الأخير جمعهم الشاعر في قوله

~ألا إنَّ [1] من لا يقتدِي بأئمةٍ فقسمتُه ضيزَى من الحقِّ خارجَه

~فخذْهُم عبيدُ الله عروةُ قاسم سعيد أبو بكرٍ سُليمان خَارجه

وأمُّ عروة أسماءُ بنت الصِّدِّيق رضي الله عنهما، وقد جمع الشَّرف من وجوه، فرسول الله صلَّى الله عليه وسلم صهره، وأبو بكر جده، والزُّبير والده، وأسماء أمُّه، وعائشة خالته رضوان الله عليهم أجمعين، ولد سنة عشرين، ومات سنة أربع وتسعين، وقيل سنة ثلاث، وقيل تسع. روى له الجماعة، وليس في السِّتَّة عروة بن الزُّبير سواه، ولا في الصَّحابة أيضًا.

(عَنْ عَائِشَةَ) بالهمز، وعوام المحدِّثين يبدلونها ياء (أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا) هي بنت أبي بكر الصِّدِّيق رضي الله عنهما تكنى بأمِّ عبد الله، كنَّاها رسول الله صلَّى الله عليه وسلم بابن أختها أسماء عبد الله بن الزُّبير، وقيل بسقطٍ لها، وليس بصحيحٍ. تزوَّجها رسول الله صلَّى الله عليه وسلم

ج 1 ص 36

بمكة قبل الهجرة بسنتين، وقيل بثلاث، وقيل بسنة ونصف، أو نحوها في شوال، وهي بنت ست سنين، وقيل سبع. وبنى بها في شوال أيضًا بعد وقعة بدر في السَّنة الثانية من الهجرة، وقيل بعد سبعة أشهر، أقامت في صحبته ثمانية أعوام وخمسة أشهر على الأصح، ولم يتزوَّج رسول الله صلَّى الله عليه وسلم بكرًا غيرها.

قال عروة كانت عائشة رضي الله عنها أعلم الناس بالقرآن وبالحديث وبالشِّعر.

وقال أبو موسى الأشعريُّ رضي الله عنه ما أشكلَ على أصحاب النَّبي صلَّى الله عليه وسلم شيء فسألنا عائشة إلَّا وجدنا عندها منه علمًا. وقال القاسم ابن محمد استقلَّت عائشة رضي الله عنها بالفتوى زمن أبي بكر وعمر وعثمان، فمن بعدهم رضي الله عنهم. والأحاديث الصحيحة في فضلها رضي الله عنها كثيرة، وكانت من أكبر فقهاء الصَّحابة، وأحد السِّتَّة الذين هم أكثر الصحابة رواية.

روي لها عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلم ألفا حديث ومائتا حديث وعشرة أحاديث، اتَّفق الشَّيخان على مائة وأربعة وسبعين حديثًا، وانفرد البخاري بأربعة وخمسين، ومسلم بثمانية وخمسين. روت عن خلقٍ من الصحابة، وروى عنها جماعاتٌ من الصَّحابة والتابعين، قريب من المائتين.

ومما اجتمع لها من الفضائل أنها زوجُ رسول الله صلَّى الله عليه وسلم، وبنت خليفته رضي الله عنه، وتوفِّي رسول الله صلَّى الله عليه وسلم في بيتها، ورأسه في حجرها، وجمع الله بين ريقه وريقها، ودفنَ في بيتها، وكان ينزلُ عليه الوحي، وهو في فراشها، بخلاف غيرها، ونزلتْ براءتها من السماء، وخلقت طَيِّبة، ووعدت مغفرةً وأجرًا كريمًا.

وتوفِّيت بالمدينة في رمضان، وقيل في شوال سنة خمس، أو ستٍّ، أو سبعٍ، أو ثمان وخمسين، وأُمرت أن تُدفن ليلًا بعد الوتر بالبقيعِ، وصلى عليها أبو هريرة رضي الله عنهما.

وهل هي أفضل أمْ خديجة رضي الله عنهما؟ فيه خلاف، فقال بعضهم عائشة أفضل، وقال آخرون خديجة أفضل، وبه قال القاضي، وبه قطع ابنُ العربي المالكي وهو الأصح، وكذلك الخلاف في أنها أفضلُ أم فاطمة رضي الله عنهما؟ والأصح أنها أفضلُ من فاطمة.

قال محمودٌ العينيُّ وسمعتُ بعض أساتذتي الكبار أنَّ فاطمة أفضلُ في الدنيا، وعائشة أفضل في الآخرة، والله أعلم.

وفي الصَّحابة من اسمه عائشة عشرة، وليس في (( الصحيحين ) )من اسمه عائشة

ج 1 ص 37

من الصَّحابة سوى الصِّدِّيقة رضي الله عنها. ثم إنَّ قولهم في عائشة وغيرها من أزواج النَّبي صلَّى الله عليه وسلم أم المؤمنين مأخوذة من قوله تعالى {النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ} [الأحزاب 6] .

وقرأ مجاهد (( وهو أب لهم ) )، وقيل إنَّها قراءة أبي بن كعب، وكونهنَّ أمهاتهم في وجوب احترامهنَّ وبرهنَّ، وتحريم نكاحهنَّ، لا في جواز الخلوة والمسافرة، وتحريم نكاح بناتهنَّ، وكذا النَّظر في الأصح، وبه جزم الرَّافعي ومقابله، حكاه الماورديُّ، وهل يقال فيهنَّ أمهات المؤمنات؟ فيه خلاف، والأصحُّ أنه لا يقال؛ بناء على الأصح أنهنَّ لا يدخلنَ في خطاب الرِّجال كما عرف في أصول الفقه.

وعن عائشة رضي الله عنها أنا أمُّ رجالكم لا أم النِّساء، على ما قاله ابنُ كثير.

وقال الحافظ العسقلانيُّ وإنما قيل للواحدة منهنَّ أمُّ المؤمنين؛ للتغليب، وإلَّا فلا مانع من أن يقال لها أم المؤمنات. انتهى.

وهل يقال للنَّبي صلَّى الله عليه وسلم أبو المؤمنين؟ فيه وجهان، والأصحُّ الجواز، ونصَّ عليه الشافعي أيضًا؛ أي في الحرمةِ، ومعنى قوله تعالى {مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ} [الأحزاب 40] لصلبه.

وعن الأستاذ أبي إسحاق أنه لا يقال أبونا، وإنما يقال كأبينا؛ لما روي أنَّه صلَّى الله عليه وسلم قال (( إنَّما أنا لكم كالوالدِ ) ). وهل يقال لإخوتهنَّ أخوال المؤمنين، ولأخواتهنَّ خالات المؤمنين، ولبناتهنَّ أخواتهم؟ فيه خلاف عند العلماء، والأصح المنع؛ لعدم التَّوقيف. ووجه مُقابله أنَّه مقتضى ثبوت الأمومة، وهو ظاهر النَّص، لكنَّه مؤوَّل على ما عرفت، قالوا ولا يقال لآبائهنَّ وأمهاتهنَّ أجداد المؤمنين وجدَّاتهم.

(أَنَّ الْحَرِثَ) بغير ألف بعد الحاء في الكتابة؛ تخفيفًا، وقد يكتب بالألف (بْنَ هِشَامٍ) بكسر الهاء وتخفيف الشين المعجمة (رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) هو الحارث بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزومٍ أخو أبي جهل لأبوين، وابن عمِّ خالد بن الوليد، شهد بدرًا كافرًا، وانهزم، وأسلم يوم الفتح وحسن إسلامه، وأعطاه النَّبي صلَّى الله عليه وسلم يوم حنين مائة من الإبل، قتل باليرموك سنة خمس عشرة، وقيل مات في طاعون عمواس، سنة ثمان عشرة من الهجرة.

وكان شريفًا في قومه، وله اثنان وثلاثون ولدًا، منهم أبو بكر بنُ عبد الرحمن بن الحارث، أحد الفقهاء السَّبعة على قول، وليس في الصَّحابة الحارث ابن هشام إلَّا هذا، وإلا الحارث بن هشام الجهني، روى عنه المصريون، ذكره ابن عبد البر.

ومن لطائف هذا الإسناد أنَّ فيه التحديث والإخبار والعنعنة. ومنها أن رجاله كلهم مدنيون ما خلا شيخ البخاري. ومنها

ج 1 ص 38

أن فيه رواية تابعي عن تابعي.

وقد أخرج متنه المؤلِّف في (( بَدء الخلق ) ) [خ¦3215] أيضًا، وأخرجه مسلم في (( الفضائل ) ).

(سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صلَّى الله عليه وسلم) هكذا رواه أكثر الرواة عن هشام بن عروة، وهو يحتمل وجهين

أحدهما أن تكون عائشة رضي الله عنها حضرته فيكون من مسند عائشة رضي الله عنها، فلذا أدخله الحفَّاظ في مسند عائشة رضي الله عنها.

والآخر أن يكون الحارث أخبرها بذلك بعد، فيكون من مرسل الصَّحابة، وهو محكومٌ بوصله عند الجمهور.

ويؤيِّده أنَّ الإمام أحمد في (( مسنده ) )والبغوي في (( معجمه ) )أدخلاه في مسند الحارث بن هشام من طريق عامر بن صالح الزُّبيري، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة، عن الحارث بن هشام قال سألت. وعامر وإن كان فيه ضعف، لكن وجد له متابع عند ابن مندهْ.

والمشهور هو الأول.

(فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ يَأْتِيكَ الْوَحْيُ) قد مرَّ تفسير الوحي فيما مضى، وليذكر هاهنا أقسامه وصوره. أمَّا أقسامه في حق الأنبياء عليهم السلام فثلاثة

أحدها سماع الكلام القديم، كسماع موسى عليه السلام بنصِّ القرآن وكسماع نبينا صلَّى الله عليه وسلم بصحيح الآثار. والثاني وحي رسالة بواسطة الملك. والثالث وحي تلقٍّ بالقلب، كقوله صلَّى الله عليه وسلم (( إنَّ روح القدس نفثَ في روعي ) )؛ أي في نفسي، وقيل كان هذا حال داود عليه السلام، والوحي إلى غير الأنبياء عليهم السلام بمعنى الإلهام، كالوحي إلى النَّحل.

وأما صوره فسبعة _ على ما ذكره السُّهيليُّ _

الأولى المنام. والثانية أن يأتيه الوحي في مثل صلصلة الجرس، كما جاء فيه أيضًا. والثالثة أن ينفثَ في روعه الكلام، كما مرَّ في الحديث المذكور آنفًا. وقال مجاهد وغيره في قوله تعالى {أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا} [الشورى 51] هو أن ينفثَ في روعه بالوحي. والرابعة أن يتمثَّل له الملك رجلًا كما في هذا الحديث أيضًا، وقد كان يأتيه في صورة دحية، واختصاصُ إتيانه في صورته دون غيره من الصَّحابة؛ لكونه أحسن أهل زمانه صورة، ولهذا كان يمشي متلثِّمًا؛ خوفًا أن يُفتتن به النساء.

والخامسة أن يتراءى له جبريل عليه السلام في صورته التي خلقها الله تعالى له، له ستمائة جناح، ينتثر منها اللُّؤلؤ والياقوت. والسادسة أن يكلِّمه الله تعالى من وراء حجاب إمَّا في اليقظة

ج 1 ص 39

كليلة الإسراء، أو في النوم، كما في الترمذيِّ مرفوعًا (( أتانِي ربِّي في أحسن صورةٍ، فقال فيمَ يختصمُ الملأ الأعلى ) )الحديث. وحديث عائشة الآتي ذكره فجاءه الملك فقال (( اقرأ ) ). ظاهره أن ذلك كان يقظة، وفي السيرة (( فأتاني وأنا نائم ) ). ويمكن الجمع بأنه جاء أوَّلًا منامًا؛ توطئةً وتيسيرًا عليه ورفقًا به. وفي (( صحيح مسلم ) )من حديث ابن عباس رضي الله عنهما مكثَ عليه السلام بمكة خمس عشرة سنة يسمع الصَّوت ويرى الضَّوء سبع سنين، ولا يرى شيئًا، وثمان سنين يوحى إليه.

والسابعة وحي إسرافيل عليه السلام، كما جاء عن الشَّعبي (( أن النَّبي صلَّى الله عليه وسلم وُكِّل به إسرافيل فكان يتراءى له ثلاث سنين، ويأتيه بالكلمة من الوحي والشَّيء، ثم وُكِّل به جبريل عليه السلام ) ). وفي (( مسند أحمد ) )بإسناد صحيح عن الشَّعبي (( أن رسول الله صلَّى الله عليه وسلم نزلت عليه النبوة وهو ابن أربعين سنة فقرن بنبوته إسرافيل عليه السلام ثلاث سنين فكان يعلمه الكلمة والشيء ولم ينزل القرآن، فلما مضت ثلاث سنين قرن بنبوته جبريل عليه السلام فنزل القرآن على لسانه عشرين سنة عشرًا بمكة، وعشرًا بالمدينة، فمات وهو ابن ثلاث وستين سنة ) ).

وأنكر الواقديُّ وغيره كونه وُكِّل به غير جبريل عليه السلام. وقال أحمد بن محمد البغداديُّ أكثر ما في الشريعة مما أوحي إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلم على لسان جبريل عليه السلام، ثم إنَّ إسناد الإتيان إلى الوحي مجاز عقليٌّ وحقيقته كيف يأتيك حامل الوحي؟ فأسند إلى الوحي؛ للملابسة التي بين الحامل والمحمول.

ويجوز أن يكون الكلام فيه استعارة بالكناية بأن يكون الوحي مشبهًا برجل مثلًا، ويضاف إلى المشبه الإتيان الَّذي هو من خواص المشبَّه به، وقد مرَّ فيما قبل أنَّ المراد من الباب بجملته بيان كيفيه بَدء الوحي لا من كل حديث منه على أنَّه لمَّا كان في الآية أن الوحي إليه نظير الوحي إلى الأنبياء قبله ناسب تقديم ما يتعلق بهما وهو صفة الوحي وصفة حامله إشارة إلى أنَّ الوحي إلى الأنبياء لا تباين فيه.

فحسُن إيراد هذا الحديث عقيب حديث (( الأعمال بالنيات ) )الَّذي تعلُّقُه بالآية الكريمة، أقوى تعلق بحيث يستحق التقديم كما تقدم فلا يراد أن هذا الحديث لا يصلح للترجمة وإنما المناسب لها الحديث الآتي بعدُ، فإنه هو المتعلق لبدء الوحي لا هذا الحديث، فتأمل.

ثمَّ إنَّ سؤال الحارث بن هشام عن كيفيَّة الوحي؛ لطلب الطمأنينة، ولا يقدح مثل ذلك السؤال في شأن الصَّحابة، فكانوا يسألونه عليه السلام عن الأمور التي لا تدرك بالحسِّ فيخبرهم بها، ولا ينكر ذلك عليهم.

(فَقَالَ) وفي رواية بلا فاء (رَسُولُ اللَّهِ صلَّى الله عليه وسلم أَحْيَانًا) جمع حين، وهو الوقت يقع على القليل والكثير. وعند الفقهاء الحين والزَّمان يقع على ستَّة أشهر، حتى لو حلف لا يكلمه حينًا أو زمانًا، فهو على ستَّة أشهر، قالوا فإنّ الحين

ج 1 ص 40

قد يراد به الزَّمان القليل، وقد يراد به أربعون سنة، قال الله تعالى {هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ} [الإنسان 1] أي أربعون سنةً، وقد يراد به ستَّة أشهر، قال الله تعالى {تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ} [إبراهيم 25] . وخيرُ الأمور أوسطها، وهذا إذا لم ينو شيئًا، أمَّا إذا نوى شيئًا فهو على ما نواه؛ لأنَّه حقيقة كلامه، ثم إنَّه نصب على الظَّرفية، وعامله قوله عليه السلام

(يَأْتِينِي) أي يأتيني الوحي أحيانًا وأوقاتًا (مِثْلَ صَلْصَلَةِ الْجَرَسِ) بنصب مثل على أنه حال؛ أي يأتيني مشابهًا صوته صلصلة الجرس.

ويجوز أن يكون صفة لمصدر محذوفٍ؛ أي يأتيني إتيانًا مثل إتيان صلصلة الجرس.

ويجوز فيه الرفع من حيث الدِّراية، وإن لم تساعدْه الرِّواية بتقدير هو مثل صلصلة الجرس، والصَّلصلة بمهملتين مفتوحتين بينهما لام ساكنة، في الأصل صوتُ وقوع الحديد بعضه على بعضٍ، ثم أطلق على كلِّ صوت له طنين، وقيل هو صوتُ متدارك لا يفهم أوَّل وهلةٍ.

و (( الجرَس ) )بفتح الراء، هو الجلجلُ الذي يعلق في رؤوس الدَّواب واشتقاقه من الجرْس _ بإسكان الراء _ وهو الصَّوت والحسُّ.

قال ابن السِّكيت الجرس _ بالفتح وبالكسر _ الصَّوت ولم يفرق.

وقال اللَّيث الجَرَس _ بالفتح _ مصدر الصَّوت المجروس، والجرِس _ بالكسر _ الصَّوت نفسه، وجرس الحرف نغمة الصَّوت، والحروف الثَّلاثة، أعني الواو والياء والألف، لا جرسَ لها، وسائر الحروف مجروسة، قيل والصَّلصلة المذكورة صوتُ الملك بالوحي.

قال الخطابيُّ يريد ذلك القائل أنه صوت متدارك يسمعه ولا يتبيَّنه أول ما يقرع سمعه، حتى يفهمه بعد، فلذا شبِّه بصوت الجرس، وقيل هو صوت حفيف أجنحة الملك. ويؤيِّده الرِّواية الأخرى (( كأنَّه سلسلة على صفوان ) )، والحكمة في تقدُّمه أن يشغله عن غير ذلك، فيصادف الوحي سمعًا خاليًا، فيتمكَّن.

وقال شيخ الإسلام البُلقيني وسبب ذلك أنَّ الكلام العظيم له مقدِّمات تؤذن بتعظيمه؛ للاهتمام به، كما سيأتي في حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما (( كان يُعالج من التَّنزيل شدَّة ) ).

فإن قلتَ لم شبَّه الوحي المحمود بصوت الجرس وهو مذمومٌ؟؛ لصحَّة النَّهي عنه، والتَّنفير من مرافقة ما هو معلق به، والإعلام بأنه لا تصحبهم الملائكة، كما أخرجه مسلم وأبو داود وغيرهما.

فالجواب أنه لا يلزمُ في التَّشبيه تساوي المشبَّه والمشبَّه به في الصفات كلِّها، ولا في أخص وصف له، بل يكفي اشتراكهما في صفة ما، وصوت الجرس له جهتان جهة قوَّة، وجهة طنين، فمن حيث القوَّة وقع التَّشبيه به، ومن حيث الطَّنين وقع التَّنفير عنه، وكره

ج 1 ص 41

صحبتَه في السَّفر، وأخبر بأنه تنفر منه الملائكة، وعَلَّل بكونه (( مزمارُ الشيطان ) ). وقيل إنما كرهه؛ لأنه يدلُّ على أصحابه بصوته، وكان عليه السلام يحبُّ أن لا يعلم العدو به حتى يأتيهم فجأة، وفيه نظر.

وقيل يحتمل أن تكون الكراهة بعد إخباره عن كيفيَّة الوحي. فإن قيل إن أبا داود قد روى من حديث عمر رضي الله عنه كنا نسمعُ عنده مثل دويِّ النحل. وهاهنا يقول مثل صلصلة الجرس. وبينهما تفاوتٌ.

فالجواب أن ذلك بالنَّسبة إلى الصَّحابة، وهذا بالنسبة إلى النَّبي صلَّى الله عليه وسلم.

(وَهُوَ أَشَدُّهُ عَلَيَّ) جملة حالية أو اعتراضية، ويفهم منه أنَّ الوحي كله شديد عليه؛ لثقل ما يوحى إليه، كما قال تعالى {إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا} [المزمل 5] . ولكن هذا النَّوع منه أشد عليه وذلك لأنَّ الفهم من كلام مثل الصلصلة [2] أشكل من الفهم من كلام الرجل بالتَّخاطب المعهود، ولأن سنة الله تعالى قد جرت بالمناسبة بين القائل والسَّامع حتَّى يصح بينهما التَّحاور، وهي هاهنا إما باتِّصاف السَّامع بوصف القائل بغلبة الرُّوحانية الملكية، وهو النَّوع الأول، وإما باتصاف القائل بوصف السَّامع وهو البشرية، وهو النوع الثاني، ولا شكَّ أن الأوَّل أشد وأصعب.

وقيل إنه إنما كان ينزلُ هكذا إذا نزلت آية وعيد أو تهديد، وفيه نظرٌ، والظاهر أنَّه لا يختص بالقرآن أيضًا؛ لدَلالة الأحاديث على عدم الاختصاص.

(فَيُفْصَمُ عَنِّي) بفتح الياء وكسر الصاد المهملة، من باب ضرب، من الفَصْم بمعنى القطع؛ أي يقطع الملك عنِّي الوحي، وقيل الفصم _ بالفاء _ هو القطع بلا إبانة، وبالقاف هو القطع بإبانة [3] ، وعلى هذا فكأنَّه قال فيفارقني الملك ليعود إليَّ مرة بعد أخرى.

وفي رواية بضم الياء وكسر الصاد، من أفصم المطرَ إذا أقلعَ، قيل وهي لغةٌ قليلة، وفي أخرى بضم أوله وفتح ثالثه على صيغة المضارع المجهول من الثلاثي؛ أي فيقطع عني الوحي والفاء عاطفة على قوله (( يأتيني ) )، أو رابطة بقوله (( وهو أشدُّه عليَّ ) )

ج 1 ص 42

على رواية صيغة المجهول، والمعنى هو أشدُّه عليَّ بحيث ينقطع من بدني شيءٌ، وهو بعيد جدًا.

(وَقَدْ وَعَيْتُ) أي فهمتُ وحفظت، يقال وعيتُ العلم حفظتُه، ووعيت الأذن سمعت، وأوعيتُ المتاع جمعتُه في الوعاء.

وقال ابنُ القطاع أوعيتُ العلم مثل وعيتُه، وقال الله تعالى {وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ} [الانشقاق 23] أي بما يُضمرون في قلوبهم من التَّكذيب. وقال الزَّجاج بما يحملون في قلوبهم فهذا من أوعيتُ المتاع.

(عَنْهُ) أي عن الملك (مَا قَالَ) أي الذي قاله الملك، ولا معارضةَ بينه وبين قوله تعالى حكايةً عن الكفَّار {إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ} [المدَّثِّر 25] ؛ لأنَّهم كانوا ينكرون الوحيَ، وينكرون مجيء الملك به، والجملة حاليَّة، ومعلومٌ أنَّ الماضي إذا وقع حالًا يجوز فيه الواو وتركه، ولكنَّه لا بدَّ من قد، ظاهرة أو مقدَّرة، وهاهنا جاء بالواو وقد ظاهرة.

قال الخطابيُّ في قوله (( فيفصم عني ) )؛ أي ينجلي ما يغشاني من الكرب والشِّدة، والمعنى أن الوحي إذا ورد عليه صلى الله عليه وسلم يغشاه كرب؛ لثقلِ ما يلقى عليه من القول، وشدَّة ما تأخذ به نفسه من جمعهِ في قلبه، وحسن حفظه، فيعتريه لذلك حال كحال المحموم، كما روي (( أنَّه كان يأخذُه عند الوحي الرُّحضاء ) ). أي العرق والبُهْر؛ أي تتابع النَّفس، وإنما كان ذلك ليبلو صبره، ويحسن تأديبه، فيرتاضَ لاحتمال ما كُلِّف من أعباء النُّبوة، وذلك لما يستشعره من الخوف؛ لوقوع تقصير فيما أمرَ به من حسن ضبطه، أو اعتراض خلل دونه، وقد أنذر صلَّى الله عليه وسلم بما ترتاع له النُّفوس، ويعظُمُ به وجل القلوب في قوله تعالى {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ*لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ*ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ} [الحاقة 44 - 46] .

وحاصله أن الشِّدة المذكورة إمَّا لحسن حفظه، أو لابتلاء صبره، وإما للخوف من التَّقصير فيما أوحي إليه. ثم إنَّ فيها فائدة وهي ما يترتَّب على المشقَّة من زيادة الزُّلفى، ورفع الدَّرجات.

وقال الإمام شهاب الدِّين فضل الله التُّوْرِبشتي كان صلَّى الله عليه وسلم معتنيًا بالبلاغة مكاشفًا بالعلوم الغيبية، وكان يوفر على الأمَّة حصصهم بقدر الاستعداد فإذا أراد أن ينبئهم بما لا عهد لهم به من تلك العلوم صاغ لهم أمثلة من عالم الشَّهادة؛ ليعرفوا بما شاهدوه ما لم يشاهدوه.

فلما سأله الصَّحابي عن كيفيَّة الوحي، وكان ذلك من المسائل العويصة التي لا يُماط نقاب التَّعزز عن وجهها لكلِّ أحد، ضرب لها في الشاهد مثلًا بالصوت المتدارك الذي يُسمع ولا يفهم منه شيء، تنبيهًا على أن الوحي يرد في هيئة الجلال، فيأخذُ هيبة الخطاب

ج 1 ص 43

حين وروده بمجامع القلب، ويُلاقي من ثقل القول ما لا علم له بالقول مع وجود ذلك، فإذا كشف عنه وجد القول المنزل بينًا ملقى في الرَّوع واقعًا موقع المسموع المفهوم، وهذا معنى قوله (( فيفصم عني وقد وعيتُ ما قال ) ).

وهذا الضَّرب من الوحي شبيه بما يوحى إلى الملائكةِ على ما رواه أبو هريرة عن النَّبي صلَّى الله عليه وسلم قال (( إذا قضَى الله في السَّماء أمرًا ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانًا لقوله كأنَّه سلسلة على الحجر فإذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربُّكم؟ قالوا الحقُّ وهو العليُّ الكبير ) ). انتهى.

وقد روى الطَّبرانيُّ، وابن أبي عاصم من حديث النَّواس بن سمعان مرفوعًا (( إذا تكلَّم الله بالوحي أخذت السَّماء رجفة، أو قال رعدةً شديدة خوفًا من الله تعالى، فإذا سمع بذلك أهل السَّماوات صعقوا وخروا لله سُجَّدًا، فيكون أول ما يرفع رأسه جبريل عليه السلام، فيكلِّمه الله من وحيهِ بما أراد، ثم يمرَّ جبريل عليه السلام على الملائكة كلَّما مرَّ على سماء، سأله ملائكتها ماذا قال ربُّنا يا جبريل؟ قال الحقُّ وهو العليُّ الكبير، فيقولون كلهم مثل ما قال جبريلُ، فينتهي جبريل عليه السلام حيث أمرهُ الله تعالى ) ).

وروى ابن مردويه عن ابن مسعود رضي الله عنه مرفوعًا (( إذا تكلَّم الله بالوحي يسمعُ أهل السَّماوات صلصلةً كصلصلة السِّلسلة على الصَّفوان فيفزعون ) ). وعند ابن أبي حاتم عن العوفيِّ، عن ابن عبَّاس وقتادة أنهما فسَّرا آية فـ {إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ} بابتداء إيحاء الله إلى محمد صلَّى الله عليه وسلم بعد الفترة التي كانت بينه وبين عيسى عليهما الصلاة والسلام.

وفي كتاب (( العظمة ) )لأبي الشيخ عن وُهَيْب بن الورد قال (( بلغني أنَّ أقرب الخلق من الله تعالى إسرافيل عليه السلام العرش على كاهله، فإذا نزل الوحي دُلِّي لَوح من تحت العرش فيقرع جبهة إسرافيل فينظر فيه فيدعو جبريل فيرسله، فإذا كان يوم القيامة أتي به ترعد فرائصه، فيقال ما صنعت فيما أدى إليك اللَّوح فيقول بلغت جبريل فيُدعى جبريل فيأتي ترعدُ فرائصه، فيقال ما صنعت فيما بلغك إسرافيل فيقول بلغت الرسل ... ) )إلى آخره.

هذا واعلم أن سماع النَّبي صلَّى الله عليه وسلم، وسماع الملك الوحي من الله تعالى بغير واسطةٍ يستحيل أن يكون

ج 1 ص 44

بحرفٍ وصوتٍ، بل يخلق الله تعالى للسَّامع علمًا ضروريًا بثلاثة أمور بالمتكلم، وبأنَّ ما سمعه كلامه، وبمراده من كلامه.

والقدرةُ الأزليَّة لا تقصر عن اضطرار النَّبي صلَّى الله عليه وسلم والملك إلى العلم بذلك، فكما أن كلامه تعالى ليس من جنس كلام البشر، فسماعه الذي يخلقه لعبده ليس من جنس سماع الأصوات، ولذلك عسر علينا فهم كيفية سماع موسى عليه السَّلام لكلامه تعالى الَّذي ليس بحرفٍ ولا صوتٍ، كما يعسر على الأكمه كيفيَّة إدراك البصيرِ للألوان. فأما سماعه صلَّى الله عليه وسلم فيحتمل أن يكون بحرفٍ وصوتٍ دالٍّ على معنى كلام الله تعالى، فالمسموعُ هو الأصوات الحادثة، وهي فعل الملك دون نفس كلام الله تعالى، ولا يكون هذا سماعًا لكلام الله تعالى من غير واسطة، وإن كان يطلقُ عليه أنه سماع كلام الله تعالى، وسماع الآية من الرسول عليه السلام كسماعه من الملك، وطريق الفهم فيه تقديم المعرفة بوضع اللغة التي تقع بها المخاطبة على ما حقَّقه الإمام الغزاليُّ رحمه الله تعالى.

وحكى القَرافي خلافًا للعلماء في ابتداء الوحي هل كان جبريل عليه السلام ينقل له ملك عن الله تعالى، أو يخلقُ له علمٌ ضروري بأن الله تعالى طلب منه أن يأتي محمَّدًا صلَّى الله عليه وسلم وغيره من الأنبياء عليهم السلام بسوَر كذا، أو يخلقُ له علم ضروري بأن يأتي اللَّوح المحفوظ، فينقل من كذا وكذا، والله أعلم بذا.

(وَأَحْيَانًا) عطف على أحيانًا الأول (يَتَمَثَّلُ) أي يتصوَّر، والتَّمثل هو أن يتكلَّف أن يكون مثالًا لشيء وشبيهًا له (لِيَ) أي لأجلي، ويجوز أن تكون اللام بمعنى عند، كما في قوله كتبته لخمس خلون؛ أي يتمثَّل عندي (الْمَلَكُ) فاعل يتمثَّل، وأصله ملأك تركت الهمزة؛ لكثرة الاستعمال، من الألوكةِ بمعنى الرِّسالة. يقال أَلكني إليه؛ أي أرسلني، وإنما سمَّى الرِّسالة ألوكة؛ لأنها تؤلك في الفم، تقول العرب الفرسُ يألك اللِّجام في الفم ألكًا؛ أي يعلكُه علكًا، وسمِّي الملك ملكًا؛ لأنه رسول من لله تعالى، وجمعه ملائكة بالرد إلى أصله، فإن فعل لا يجمع على فعائل كالشَّمْأَل يجمع على شمائل، وإلحاق التاء لتأنيث الجمع.

ثم إن الملك جسمٌ علويٌّ لطيف يتشكَّل بأي شكلٍ أراد. وزعم الفلاسفة الملائكة جواهر قائمة بأنفسها ليست بمتحيِّزة، فمنهم من هي مستغرقةٌ في معرفة الله تعالى، وهم الملائكة المقربون،

ج 1 ص 45

ومنهم مدبِّرات هذا العالم، فإن كانت خيِّرة فهم الملائكة الأرضيَّة، وإن كانت شرِّيرة فهم الشياطين، وقولهم ذلك باطل، كما عرف في موضعه.

وفي بعض النسخ سقط [4] لفظ .

(رَجُلًا) وهو خلاف المرأة، والجمع رجال ورجالات، كجمال وجمالات. وقال الكسائيُّ جمع رجل رَجِلة كعنبة، وأراجل، وتصغيره رُجَيل ورُوَيجل على غير قياسٍ، قيل ويقال للمرأة رَجُلة. وقول الفقهاء الرجل ذكر من بني آدم جاوز حدَّ البلوغ منقوضٌ به، وبإطلاقه على الصغير أيضًا في قوله تعالى {وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً} [النساء 12] ، فافهم.

ثم هو منصوب على المصدريَّة؛ أي يتمثَّل تمثل رجل، أو على الحاليَّة؛ أي على هيئةِ رجل من غير تأويله بمشتقٍّ، إذ كل ما دلَّ على هيئةٍ صح أن يقع حالًا، والرجل يدل على الهيئة، أو على المفعولية على تضمين يتمثَّل معنى يتخذ؛ أي يتخذ الملك رجلًا مثالًا، كما قال الكرمانيُّ، ولا كلام في الأول.

وأمَّا الثاني ففيه نظر، فإن الاسم الدَّال على الاستمرارِ لا يقع حالًا، وإن كان مشتقًا نحو أسود وأحمر؛ لأنَّه وصف ثابت غير منتقل، وأن الحال في المعنى خبر عن صاحبه، فيلزم أن يصدق عليه، والرَّجل لا يصدق على الملك. ويمكن الجوابُ عن وجهَي النَّظر بأنَّ الرجل باعتبار دَلالته على الهيئة يصدقُ على الملك المتمثِّل، ولا يدلُّ على الاستمرار أيضًا، وإن لم يكن كذلك مع قطع النَّظر عن تلك الدَّلالة.

نعم يقال ليس التَّمثل في حال هيئة الرَّجل، وإنما تحصل الهيئة بعد التَّمثل إلَّا أن تكون حالًا مقدَّرة، فافهم.

وأما الثالث فقيل إنَّه بعيد من جهة المعنى، وقال أكثر الشُّرَّاح إنَّه تمييز. وفيه نظر؛ لأنه على تقدير التَّمييزية إمَّا تمييز عن الملك، أو عن نسبة التَّمثل إليه، ولا إبهام في كلِّ واحد منهما حتى يكون تمييزًا عن أحدهما على أنَّ تمييز النِّسبة؛ إما أن يكون محولًا عن الفاعل كتصبَّب زيد عرقًا؛ أي عرق زيد، أو عن المفعول نحو {وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا} [القمر 12] ؛ أي عيون الأرض، وذلك غير متأتٍّ هنا، لكن هذا أمرٌ غالب لا دائم بدليل امتلأ الإناء ماء.

ولا يبعد أن يقال أن يتمثَّل لدَلالته على التَّحول والانتقال بمعنى يصير، فيكون رجلًا خبرًا له كما قاله ابنُ مالك في تحوَّل، فتأمل.

(فَيُكَلِّمُنِي) كذا في أكثر الرِّوايات. ووقع في رواية البيهقيِّ من طريق القعنبيِّ عن مالك (( فيعلِّمني ) )بالعين دون الكاف، والظَّاهر أنه تصحيفٌ، فقد وقع في (( الموطأ ) )رواية القعنبي بالكاف، وكذا للدَّارقطني في حديث مالك من طريق القعنبي وغيره.

(فَأَعِي) أي فأحفظ (مَا يَقُولُ) أي الذي يقوله ذلك الملك المتمثِّل، والفاء في كلتا الكلمتين للتَّعقيب. فإن قلت لم قال في النَّوع الأول من الوحي (( وعيت ما قال ) )بلفظ الماضي، وفي الثَّاني (( فأعِي ما يقول ) )بلفظ المضارع؟

فالجواب أن الوعيَ حصل في الأوَّل قبل الفصم ولا يتصوَّر بعده، وفي الثَّاني حصل

ج 1 ص 46

حال المكالمةِ، ولا يتصوَّر قبلها، أو أنه عليه السلام كان في الأول قد تلبَّس بالصِّفات الملكية، فإذا عاد إلى حالته الجبلِّية كان حافظًا، فأخبر عن الماضي بخلاف الثاني، فإنَّه على حالته المعهودة. أو يقال لفظة قد تقرِّب الماضي إلى الحال، وأعي فعل مضارع حالي، فهذا لمَّا كان صريحًا يحفظه في الحالِ، وذلك يقرب من أن يحفظه، إذ يحتاج فيه إلى استثبات. ثم إنَّ المراد من الملك هو جبريل عليه السلام؛ لأن اللام فيه للعهد، وتمثُّل جبريل عليه السلام معناه أن الله تعالى أفنى الزائد من خلقه ثمَّ أعاده إليه، ويحتملُ أن يزيله عنه ثم يُعيده إليه بعد التَّبليغ، على ما قاله إمام الحرمين.

وجزم ابن عبد السَّلام بالإزالة دون الفناء، وقرَّر ذلك بأنه لا يلزم أن يكون انتقال روحه موجبًا لموتهِ، بل يجوز أن يبقي الجسد حيًّا؛ لأنَّ موت الجسدِ بمفارقة الرُّوح ليس بواجب عقلًا، بل بعادةٍ أجراها الله تعالى في بعض خلقهِ كبني آدم، فلا يلزم في غيرهم. ونظيرُه انتقالُ أرواح الشُّهداء إلى أجواف طير خُضْر تسرح في الجنَّة. وهو الجواب عمَّا يقال إذا تمثَّل جبريل عليه السلام في صورةِ دِحية مثلًا، فأين تكون روحه، فإن كان في الجسد الَّذي له ستمائة جناح، فالذي أتى ليس روح جبريل ولا جسده، وإن كان في هذا الذي في صورة دِحية، فهل يموت الجسد العظيم، أم يبقى خاليًا من الرُّوح المنتقلة عنه إلى الجسد المشبَّه بجسدِ دحية؟

وقال شيخ الإسلام البُلقيني ما ذكره إمام الحرمين لا ينحصر الحال فيه، بل يجوز أن يكون الآتي هو جبريل بشكلهِ الأصلي، إلَّا أنه انضمَّ فصار على قدر هيئة الرجل، ثم عاد إلى هيئته. ومثال ذلك هو القطن، إذا جمع بعد أن كان مُنْتَفِشًَا، فإنه بالنَّفش يحصل له صورة كبيرة، وذاته لم تتغيَّر، وهذا على سبيل التَّقريب.

والحقُّ أن تمثُّل الملك رجلًا ليس معناه أنَّ ذاته انقلبت رجلًا، بل معناه أنه ظهر بتلك الصُّورة؛ تأنيسًا لمن يخاطبه، والظاهر أيضًا أنَّ القدر الزَّائد لا يزولُ ولا يفنى، بل يخفى على الرَّائي فقط، والله أعلم.

فإن قلت إنَّ السؤال عن كيفية إتيان الوحي بل عن كيفيَّة حامله؛ لأنَّ الإتيان ليس من أحوال الوحي، بل من أحوالِ

ج 1 ص 47

حامله، ولئن سلَّمنا؛ فبيان كيفيَّة الحامل مشعرٌ بكيفيَّة الوحي حيث قال فيكلِّمني؛ أي تارة يكون الوحي كالصَّلصلة، وتارةً يكون كلامًا صريحًا ظاهر الفهم والدَّلالة.

ويمكن أن يقال إنَّ الجواب وقع مع زيادة؛ لأنَّ السائل لمَّا سأل عن كيفيَّة إتيان الوحي بيَّنه عليه السَّلام بقوله (( أحيانًا يأتينِي مثل صلصلةِ الجرس ) )وزاد عليه فقال «وأحيانًا يتمثَّل لي الملكُ رجلًا فيكلِّمني» ؛ لأنَّه عليه السلام تفطَّن من السَّائل أنه يعود فيسأل عن كيفيَّة حامل الوحي أيضًا، فأجابه عن ذلك من غير أن يحوجَه إلى السؤال، فتفطَّن.

هذا وقد عرفت فيما قبل أنَّه لا بدَّ من مناسبة بين القائل والسَّامع، حتى يصحَّ التَّحاور بينهما، وأنَّ تلك المناسبة تارةً تكون باتِّصاف السَّامع بوصف القائل، وهو النَّوع الأول من الوحي، وتارةً تكون باتِّصاف القائل بوصف السَّامع، وهو النَّوع الثاني منه، فلا يرد أن الوحي ليس بمنحصرٍ في الحالتين، بل له حالات أُخرى من مجيئهِ كدويِّ النَّحل، والنَّفث في الرَّوع، والإلهام، والرُّؤيا الصَّالحة، والتَّكليم ليلة الإسراء بلا واسطة، ومن مجيء حاملِ الوحي جبرائيل عليه السلام في صورتهِ التي خلق عليها، ورؤيته على كرسيٍّ من السماء والأرض، وقد سدَّ الأفق، ومن وحي إسرافيل عليه السَّلام له ثلاث سنين أول البعثة، كما مرَّ.

وقد ذكر الحَليميُّ أنَّ الوحيَ كان يأتيه على ستة وأربعين نوعًا فذكرها، وغالبها من صفاتِ حامل الوحي، ومجموعها يدخل في النَّوعين المذكورين.

وقال الحافظُ العسقلاني ما حاصله أنْ ليس المراد حصر الوحي في الحالتين، وإنَّما هو ذكر الغالب من أحواله، أو يُحمل ما يغايرهما على أنَّه وقع بعد السؤال، أو أنَّه عليه السلام لم يتعرَّض لصفتي الملك المذكورتين؛ لنُدورهما، فقد ثبتَ عن عائشة رضي الله عنها أنَّه لم يره كذلك إلَّا مرَّتين، أو لم يأته في تلك الحالة بوحي، أو أتاه به، فكان على مثل صلصلة الجرس، فإنَّه بيَّنَ بها صفة الوحي لا صفةَ حامله.

وأما وحيُ إسرافيل عليه السلام فلم يكن بإنزال القرآن، بل يأتيه بالكلمة من الوحي والشَّيء، فتأمل.

وأما دويُّ النَّحل؛ فلا يُعارض صلصلة الجرس، فإنه يمكن أن يكون سماع الدَّوي بالنسبة إلى الحاضرين من الصَّحابة كما في حديث عمر رضي الله عنه، والصَّلصلة بالنَّسبة إلى النَّبي صلَّى الله عليه وسلم كما مرَّ.

وأما النَّفث

ج 1 ص 48

في الرّوع؛ فيحتمل أن يرجعَ إلى إحدى الحالتين، فإذا أتاه الملك في مثل صلصلة الجرس نفث حينئذٍ في روعه. وأمَّا الإلهام؛ فلم يقع السؤال عنه؛ لأنَّ السؤال وقع عن صفة الوحي الَّذي يأتي بحامل، وكذا التَّكليم ليلة الإسراء.

وأما الرُّؤيا الصالحة

فقال ابن بطَّال لا ترِد؛ لأنَّ السؤال وقع عمَّا ينفرد به عن النَّاس؛ لأن الرؤيا قد يشركه فيها غيرُه يعني أن الرؤيا الصَّادقة من المؤمن جزءٌ من النُّبوة، لكن باعتبارِ صدقها لا غير، وإلَّا لساغ لصاحبهَا أن يسمَّى نبيًا، وليس كذلك.

ويحتمل أن السؤال، وقع عمَّا في اليقظة، أو أنَّه لمَّا كان حال المنام لا يخفى على السَّائل اقتصر على ما يخفى عليه، أو كان ظهورُ ذلك له صلَّى الله عليه وسلم في المنام أيضًا على الوجهين المذكورين على ما قاله الكرمانيُّ، وفيه نظر. أو كان عند السؤال نزول الوحي على هذين الوجهين، إذ الوحيُ على سبيل الرُّؤيا إنما كان في أول البعثة؛ لأن أوَّل ما بُدئ رسول الله صلَّى الله عليه وسلم من الوحي الرُّؤيا، ثم حبِّب إليه الخلاء، كما روي في الحديث. وقيل كان ذلك في ستة أشهر فقط، وقيل كانت الموجودة من الرؤيا بعد إرسال الملك منغمرة في الوحي، فلم تحسب.

فائدة في (( تفسير ابن العادل ) )أنَّ جبريل عليه السلام نزل على نبينا صلَّى الله عليه وسلم أربعة وعشرين ألف مرَّة، وعلى آدم اثني عشر مرَّة، وعلى إدريس أربعًا، وعلى نوح خمسين، وعلى موسى أربعمائة، وعلى عيسى عشرًا، كذا قال والعهدةُ عليه.

(قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا) هذا يحتمل وجهين أحدهما أن يكون معطوفًا على الإسناد الأوَّل بدون حرف العطف، كما هو مذهب بعض النُّحاة، صرَّح به ابن مالك، فحينئذٍ يكون حديث عائشة رضي الله عنها مسندًا. والآخر أن يكون كلامًا برأسه غير مشارك للأول في الإسناد، فيكون من تعليقات البخاريِّ، ذكره تأييدًا لِما أسنده وتأكيدًا، إذ من عادته في تراجمِ الأبواب أن يذكرَ ما وقع له من قرآن أو سنَّة مساعدًا لها. والاحتمال الأوَّل أرجح لِما قيل إنَّ عادة البخاريِّ رحمه الله تعالى أن يحذف حرف العطف في المسند، وأن يأتي بها في التَّعليق.

(وَلَقَدْ رَأَيْتُهُ) صلَّى الله عليه وسلم الواو للقسم واللام للتَّأكيد، وقد للتحقيق، ورأيت

ج 1 ص 49

بمعنى أبصرتُ، قاله محمود العيني، فافهم (يَنْزِل) بفتح الياء وكسر الزاي، وفي رواية بالضم والفتح (عَلَيْهِ) صلَّى الله عليه وسلم (الْوَحْيُ) والجملة حالية (فِي الْيَوْمِ الشَّدِيدِ الْبَرْدِ) صفة جرت على غير من هي له (فَيَفْصِمُ) بفتح الياء وكسر الصاد، وفي رواية بالضم والكسر؛ أي يقلع (عَنْهُ وَإِنَّ جَبِينَهُ) بكسر إن، والجبين طرف الجبهة، وللإنسان جبينان يكتنفان الجبهة. ويقال الجبين غير الجبهة، وهو فوق الصَّدغ، والصَّدغ ما بين العين والأذن، فهما جبينان من غير يمين الجبهة وشمالها، وإنما أفرد؛ لأنَّ الإفراد يغني عن التَّثنية في كلِّ اثنين يغني أحدهما عن الآخر كالعينين والأذنين، تقول له عين حسنة، وأنت تريد أن عينيه جميعًا حسنتان.

(لَيَتَفَصَّدُ) بالفاء وتشديد المهملة، مأخوذ من الفصد، وهو قطع العرق لإسالة الدَّم؛ أي لتسيل (عَرَقًا) بفتح الراء، وهو الرُّطوبة التي تترشَّح من مسامِّ البدن، شبهت رضي الله عنها جبينه عليه السلام بالعرق المفصود؛ مبالغة في كثرةِ العرق مع شدَّة البرد، ولذلك أوقع عرقًا تمييزًا؛ لأنه توضيحٌ بعد إبهام، وتفصيلٌ بعد إجمالٍ. ويدلُّ على ذلك أيضًا صيغة التَّفعل، إذ معنى التَّفعل أن الفاعل يتعانى ذلك الفعل، فيحصل بمعاناته، كتشجَّع معناه استعمل الشَّجاعة، وكلَّف نفسه إيَّاها ليحصِّلها. وحكى العسكريُّ عن بعض شيوخه أنه قرأ بالقاف، وقال إنه إن ثبت فهو من قولهم تقصَّد الشَّيء؛ إذا تكسَّر وتقطَّع. والظَّاهر أنه تصحيفٌ، وأشارت بذلك إلى كثرة معاناته صلَّى الله عليه وسلم التَّعب والكرب عند نزول الوحي، إذ أنه أمر طارئ زائد على الطِّباع البشريَّة.

وزاد ابن أبي الزِّناد عن هشام بهذا الإسناد عند البيهقي في (( الدلائل ) ) (( وإنَّ كان ليوحى إليه وهو على ناقته، فتضربُ جرانها من ثقلِ ما يوحى إليه ) ).

تنبيه في الحديث فوائد

منها إثباتُ الملائكة ردًا على من أنكرهم من الملاحدة والفلاسفة.

ومنها أن الصَّحابة كانوا يسألونه صلَّى الله عليه وسلم عن كثيرٍ من المعاني، وكان عليه السلام يجمعهم ويعلِّمهم، وكانت طائفة تسألُ، وأخرى تحفظ وتؤدِّي وتبلِّغ، حتَّى أكمل الله تعالى دينه.

ومنها أنَّ الملك له قدرة بإقدار الله تعالى إيَّاه على التَّشكل بما شاء من الصُّور.

[1] في (خ) (( كلُّ ) ).

[2] في (خ) (( صلصلة الجرس ) ).

[3] ويقال هذا معنى ما يدعيه الاشتقاقيون من مناسبة اللفظ للمعنى الموضوع، وذلك لأن القاف لما كان من الحروف الشديدة وحروف القلقلة التي فيها ضغط وشدة اعتبر في معناه مناسبته لذلك بخلاف الفاء فإنها من الحروف الرخوة. منه.

[4] (( سقط ) )ليس في الأصل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت