3 - (حَدَّثَنَا) وفي رواية بواو العطف (يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ) بصيغة التصغير، هو أبو زكريا يحيى بن عبد الله بن بُكير القرشي المخزومي المصري، نسبه
ج 1 ص 50
البخاري إلى جدِّه لشهرته به، وهو من كبار حفاظ المصريِّين وأثبت النَّاس في اللَّيث بن سعد.
روى البخاري عنه في مواضع [خ¦136] [خ¦146] [خ¦208] ، وروى عن محمد بن عبد الله الذُّهلي عنه في مواضع، فلا يَتَوهَّم من رأى البخاري يروي عن واحد عن ابن بكير أنَّه غلط من الناسخ. وروى مسلم حديثًا عن أبي زرعة عن يحيى، وروى ابن ماجه عن رجل عنه. قال أبو حاتم كان ابن بكير يفهم هذا الشأن، ولا يحتج به يكتب حديثه. وقال النَّسائي ليس بثقة، ووثقه غيرهما. وقال الدَّارقطني عندي ما به بأس. وأخرج له مسلم عن اللَّيث، وعن يعقوب بن عبد الرحمن، ولم يخرج له عن مالك شيئًا، ولعله والله أعلم؛ لقول الباجي. وقد تكلم أهل الحديث في سماعه (( الموطأ ) )عن مالك مع أنَّ جماعة، قالوا هو أحد من روى (( الموطأ ) )عن مالك. ولد سنة أربع أو خمس وخمسين ومائة، وتوفي سنة إحدى وثلاثين ومائتين.
(قَالَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بالمثلثة، هو ابن سعد بن عبد الرحمن أبو الحارث الفهمي، مولاهم المصري، عالم أهل مصر من تابعي التابعين. قال أبو نُعيم أدرك نيفًا وخمسين من التابعين. مولى عبد الرحمن بن خالد بن مسافر الفهمي، وقيل مولى خالد بن ثابت، ولد بقلقشدة على نحو أربع فراسخ من القاهرة سنة ثلاث أو أربع وتسعين، ومات في شعبان سنة خمس وسبعين ومائة، وقبره في قرافة مصر يزار. وكان إمامًا كبيرًا اتَّفق العلماء على وصفه بالإمامة والجلالة والعبادة، وغير ذلك من المكارم الطاهرة، والمحاسن الباهرة.
قال القاضي ابن خَلِّكان وكان على مذهب الإمام أبي حنيفة، وليس كذلك، بل المشهور أنَّه مجتهد. ووصفه الشافعي بكثرة الفقه، وقال الليث أفقه من مالك إلَّا أن أصحابه لم يقوموا به. وفي رواية عنه ضيَّعه قومه؛ يعني لم يعتنوا بكتبه ونقلها والتعليق عنها، ففات الناس معظم علمه. وقال يحيى بن بكير اللَّيث أفقه من مالك، ولكن كانت الحظوة لمالك. وقال أيضًا رأيت من رأيت، فلم أر مثل اللَّيث كان نقي البدن، عربي اللسان، وما زال يعقد خصالًا حتى عقد عشرة.
وقال قتيبة كان دَخْل اللَّيث كل سنة ثمانين ألف دينار، وما وجبت عليه زكاة قط، ومناقبه كثيرة. وليس في الكتب الستة من اسمه الليث بن سعد سواه.
(عَنْ عُقَيْلٍ) بضم العين المهملة وفتح القاف، هو ابن خالد بن عَقيل _ بفتح العين _ الأَيلي _ بفتح الهمزة والياء المثناة التحتية _
ج 1 ص 51
في جميع هذا (( الصحيح ) )أبو خالد القرشي الأموي، مولى عثمان بن عفان رضي الله عنه الحافظ، توفي بمصر فجأة سنة إحدى، وقيل أربع وأربعين ومائة، وليس في الكتب الستة من اسمه عُقيل _ بضم العين _ غيره.
(عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) هو الإمام أبو بكر محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله ابن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة الزهري المدني، نسبه المؤلف كغيره إلى جده الأعلى؛ لشهرته به، سكن الشام، وهو تابعي كبير، سمع عشرة من الصحابة، بل أكثر منهم أنس بن مالك، ورأى ابن عمر وروى عنه.
ويقال سمع منه حديثين، وعنه جماعات من كبار التابعين منهم عطاء وعمر بن عبد العزيز، ومن صغارهم، ومن الأتباع أيضًا. قال الليث ما رأيت عالمًا أجمع من الزهري، ولا أكثر علمًا منه. وقال عمرو بن دينار ما رأيت أتقن للحديث من الزهري، وما رأيت أحدًا الدرهم والدنانير عنده أهون منه، كانت الدراهم والدنانير عنده بمنزلة البعر.
قال البخاري في (( التاريخ ) )إنَّه أخذ القرآن في ثمانين ليلة، وبالجملة اتَّفق الأئمة على إمامته وجلالته، وحفظه وإتقانه، وضبطه وعرفانه، وقد وصفوه بأنَّه جمعَ علْمَ جميع التابعين.
مات بالشام سابع عشر رمضان، سنة أربع وعشرين ومائة، وهو ابن اثنتين وسبعين، وأوصى بأن يدفن على الطريق بقرية يقال لها شَغْب بفتح الشين وسكون الغين المعجمتين آخره باء موحدة.
(عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ) أحد فقهاء المدينة السَّبعة، وقد تقدَّم ذكره (عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ) رضي الله عنها. قال النَّووي هذا الحديث من مراسيل الصَّحابة، فإنَّ عائشة رضي الله عنها لم تدركْ وقوع هذه القصَّة، فتكون سمعتها [1] من النبي صلَّى الله عليه وسلم أو من صحابي.
وقال ابن الصَّلاح وغيره ما رواه ابن عباس وغيره من أحداث الصَّحابة، ممَّا لم يحضروه ولم يدركوه، فهو في حكم الموصول المسند؛ لأنَّ روايتهم عن الصَّحابة وجهالة الصَّحابة غير قادحة. وقال الأستاذ أبو إسحاق الاسفرائيني لا يحتج به إلَّا أن يقول أنَّه لا يروي إلَّا عن صحابي. قال النووي والصواب هو الأول، وهو مذهب الشَّافعي والجمهور.
وقال الطِّيبي الظَّاهر أنَّها سمعتْ من النبي صلَّى الله عليه وسلم لقولها فأخذني فغطَّني، فيكون قولها أوَّل ما بدئ به رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلم حكاية ما تلفَّظ به النَّبي صلَّى الله عليه وسلم
ج 1 ص 52
كقوله تعالى {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ} [آل عمران 12] بالتاء والياء.
ومن لطائف هذا الإسناد أنَّه على شرط السِّتة إلَّا يحيى فهو على شرط الشَّيخين. ومنها أن رجاله ما بين مصري ومدني. ومنها أنَّ فيه رواية تابعي عن تابعي، وهما الزُّهري وعروة. وقد أخرج متنه المؤلِّف في (( التَّفسير ) ) [خ¦4953] و (( التَّعبير ) ) [خ¦6982] و (( الإيمان ) ) [خ¦3] أيضًا، وأخرجه مسلم في (( الإيمان ) )، والترمذي، والنَّسائي في (( التَّفسير ) ).
(أَنَّهَا قَالَتْ أَوَّلُ) مبتدأ مضاف إلى قوله (مَا بُدِئَ بِهِ) بضم الموحدة وكسر الدال، من بدأت بالشَّيء بدأً ابتدأت به، وبدأتُ الشَّيء فعلتُه ابتداءً، وبدأ الله الخلقَ وأبدأهم بمعنى (رَسُولُ اللَّهِ صلَّى الله عليه وسلم مِنَ الْوَحْيِ) إليه، قد مرَّ تفسير الوحي، وكلمة (( مِنَ ) )لبيانِ الجنس، قاله القزَّاز. كأنَّها قالت من جنس الوحي، قال إذ ليست الرؤيا من الوحي. نعم هي كالوحي في الصِّحة، إذ لا مدخل للشَّيطان فيها، والصَّحيح أنَّها من الوحي، كما جاء في الحديث (( أنها جزء من النُّبوة ) ). فتكون كلمة (( مِنَ ) )للتبعيض؛ أي من أقسام الوحي.
(الرُّؤْيَا) هو مصدر على وزن فُعلى كالرُّجعى، وجمعها رُؤًى مثل رُعًى، ويختصُّ برؤيا المنام كما اختصَّ الرَّأي بالقلب، والرؤية بالعين (الصَّالِحَةُ) وفي (( صحيح مسلم ) ) (( الصادقة ) )وكذا رواه البخاري في التَّعبير [خ¦6982] ، ومعناهما واحد، وهي التي لم يسلَّط عليه فيها ضغث ولا تلبيس شيطان.
وقال المهلَّب الرُّؤيا الصَّالحة هي تباشير النُّبوة؛ لأنَّه لم يقع فيها ضغثٌ، فيتساوى مع الناس في ذلك، لكن خصَّ صلَّى الله عليه وسلم بصدق رُؤَاها كلها.
قال ابن عباس رضي الله عنهما رؤيا الأنبياء عليهم السلام وحيٌ بخلاف سائر النَّاس. وهي صفة للرُّؤيا، إمَّا صفة موضِّحة للرؤيا؛ لأنَّ غير الصَّالحة تسمَّى بالحلم، كما ورد (( الرُّؤيا من الله، والحلم من الشَّيطان ) ). وإمَّا مخصصة؛ أي الرُّؤيا الصَّالحة لا الرُّؤيا السَّيئة، أو لا الكاذبة المسمَّاة بأضغاثِ الأحلام، والصَّلاح إمَّا باعتبار صورتها، وإمَّا باعتبار تعبيرها.
وقال القاضي يحتملُ أن يكون معنى صلاح الرُّؤيا وحسنها حسن ظاهرها، وأن يكون صحَّتها، وسوء الرُّؤيا أيضًا يحتمل الوجهين سوء ظاهرها، وسوء تأويلها.
وقوله (فِي النَّوْمِ) لزيادةِ الإيضاح والبيان، وإن كانت الرُّؤيا مخصوصة بالنَّوم، كما ذكر عن قريب، فهو من قبيل أمس الدَّابر كان يومًا عظيمًا؛ لأنَّه ليس للتَّخصيص ولا للمدح ولا للذمِّ، أو لدفع وهم من يتوهَّم أنَّ الرُّؤيا تطلقُ على رؤية العين، أو لدفع توهُّم المجاز.
ج 1 ص 53
ثمَّ إنَّ حقيقة الرُّؤيا الصَّالحة أنَّ الله تعالى يخلق في قلب النَّائم، أو في حواسِّه الأشياء كما يخلقُها في اليقظان، وهو سبحانه وتعالى يفعل ما يشاء لا يمنعه نوم ولا غيره عنه، فربما يقعُ ذلك في اليقظة كما رآه في المنام، وربما يجعل ما رآه علمًا على أمور أُخَر يخلقها في ثاني الحال، كما جعل الله تعالى الغيم علامة للمطر.
وإنَّما ابتدئ بها؛ لئلَّا يفجأه الملك ويأتيه بصريح النُّبوة، إذ لا تحتملها القوى البشريَّة، فبدأ بأوائل خِصال النُّبوَّة وتباشيرِ الكرامة من صدق الرُّؤيا مع سماع الصَّوت، وسلام الحجر والشَّجر عليه، ورؤية الضوء، ثمَّ أكمل الله تعالى له بالنُّبوة بإرسال الملك في اليقظة، وكشف له عن الحقيقة كرامة له.
قيل وقوله من الوحي، احتراز عمَّا رآه من دلائل نبوَّته من غير وحي كتسليم الحجر عليه، كما في رواية مسلم، وأوَّلُه مطلقًا ما سمعه من بحيرا الرَّاهب، كما في رواية التِّرمذي بسند صحيحٍ. وكانت مدَّة الرؤيا ستة أشهر فيما حكاه البيهقي، وحينئذٍ يكون ابتداء النُّبوة بالرُّؤيا حصل في شهر مولده شهر ربيع، والله أعلم.
(فَكَانَ) بالفاء، وفي نسخة (لاَ يَرَى رُؤْيَا) بلا تنوين؛ لأنَّه كحُبلى، كرؤياه دخول المسجد الحرام (إِلاَّ جَاءَتْ) مجيئًا أو حال كونها (مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ) فلق الصُّبح، وفَرَقه بفتح أولهما وثانيهما، ضياؤه، ويقال الفرق أبين من الفلق، وقيل الفلق مصدر كالانفلاق، وهو الانشقاقُ.
وفي (( المَطالع ) )قال الخليل الفَلَق الصُّبح، فعلى هذا تكون الإضافة للبيان، ويقال لمَّا كان الفلق مستعملًا في هذا المعنى وفي غيره أضيف إليه إضافة العام إلى الخاص، والمعنى جاءت مشبَّهًا مجيئها بمجيء الصُّبح أو ضيائه في الظُّهور البيِّن الواضح الَّذي لا يشك فيه، أو جاءت شبيهةً بفلق الصُّبح، وإنما شبِّهت به؛ لأنَّ شمس النُّبوة قد كانت مبادئ أنوارها الرؤيا إلى أن ظهرت أشعَّتها، وتمَّ نورها كفلق الصبح.
وفي (( أمالي ) )الرَّافعي هل أوحي إليه صلَّى الله عليه وسلم شيء من القرآن في النوم أو لا؟ فيه خلاف، والأشبه أن القرآن كله نزل يقظة. وفي مرسل عبد الله بن أبي بكر بن حزم عند الدُّولابي ما يدل على أنَّ الذي كان يراه صلَّى الله عليه وسلم في المنام هو جبريل، ولفظه أنَّه قال لخديجة _ بعد أن أقرأه جبريلُ عليه السلام {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ} [العلق 1] _ (( أرأيتك
ج 1 ص 54
الَّذي كنت أحدِّثك أنِّي رأيته في المنام هو جبريل استعلن )) .
(ثُمَّ حُبِّبَ) بصيغة المجهول؛ لعدم تحقق الباعث على ذلك، وإن كان كلٌّ من عند الله، أو تنبيهًا على أنه لم يكن من باعث البشر، ولعله يكون من وحي الإلهام (إِلَيْهِ الْخَلاَءُ) بالمد بمعنى الخلوة، يقال خلا الشيء يخلو خلوًا، وخلوت به خلوة وخلاء، والمناسب هاهنا أن يفسَّر الخلاء بمعنى الاختلاء، أو بالخلاء الذي هو المكان لا شيء به.
وإنَّما حُبب إليه الخَلوة؛ لأنَّ فيها فراغ القلبِ، وهي معينةٌ على الفكر، والبشر من حيث أنَّه بشر لا ينتقلُ عن طبعه إلَّا بالرِّياضة البليغةِ، فحبِّب إليه الخلوة؛ لينقطع عن مخالطةِ البشر، فينسى المألوفات من عادته، فيجد الوحي منه مرادًا سهلًا لا حَزْنًا، فيصادف قلبًا خاليًا، فيتمكَّن. ولمثل هذا كانت مطالبة الملك له بالقراءة والضَّغطة.
ويقال كان ذلك اعتبارًا وفكرة كاعتبار إبراهيم عليه السلام؛ لمناجاة ربِّه والضراعة إليه؛ ليُرِيَهُ السبيل إلى عبادته على صحة إرادته.
وقال الخطابي حبِّب العزلة إليه؛ لأنَّ فيها سكون القلب وفراغه، وهو معين على التَّفكر، وبه ينقطع عن مألوفاتِ البشر، ويخشع قلبه، وهي من جملةِ المقدِّمات الَّتي أرهصت لنبوَّته، وجعلت مبادئ لظهورها، ثمَّ إنَّ خلوته صلَّى الله عليه وسلم كان؛ لأجل التَّقرب لا لاكتساب النُّبوَّة، فإنَّ النُّبوة فضل من الله تعالى يؤتيه من يشاء، ولا يتأتى بالاكتساب.
وفي هذا الكلام تنبيهٌ على فضل العزلة، وهي شأنُ الصَّالحين، وديدنُ عباد الله العارفين؛ لأنها تريح القلب من أشغال الدُّنيا، وتفرِّغه لله تعالى، فتنفجر منه ينابيع الحكمة.
وحقيقة الخلوة أن يخلوَ عن غيره، بل وعن نفسه بربِّه، وعند ذلك يصيرُ العبد خليقًا بأن يكون قالبه ممرًّا لواردات علوم الغيب، وقلبه مقرًّا لها، اللَّهمُّ لا تحرمنا آثارها، واحظِنا من بركاتها.
(وَكَانَ) صلَّى الله عليه وسلم (يَخْلُو) أي يختلي (بِغَارِ) هو بِالْغين المعجمة، النَّقب في الجبل، وهو قريبٌ من معنى الكهف، كذا فسَّره جميع الشُّراح. وقال محمود العينيُّ هو الكهف. وفي (( العباب ) )الغار كالكهف في الجبل، ويجمع على غيران، ويصغَّر على غوير، فتصغيرُه يدلُّ على أنَّه واوي، فلذلك ذكره في (( العباب ) )في فصل غور.
(حِرَاءٍ) وهو بكسر الحاء المهملة وتخفيف الراء
ج 1 ص 55
وبالمد جبلٌ بينه وبين مكَّة نحو ثلاثة أميال عن يسارك إذا سرتَ إلى منى، له قلَّة مشرفة إلى الكعبةِ منحنيةٌ.
قال القاضي عياض حِرَاء يمدُّ ويُقصر، ويذكَّر ويؤنَّث، ويصرف ويمنع، والتَّذكير أكثر، فمن ذكَّره صرفه، ومن أنَّثه منعَه، يعني على إرادةِ البقعة أو الجهة الَّتي فيها الجبل، وألغزهُ بعضهم فقال
~وما اسمٌ أتتْ فيه وجوهٌ عديدةٌ يؤنَّث طورًا وطورًا يذكَّرُ
~وقد جاءَ فيه الصَّرف أيضًا ومنعه ومَن شاءَ يمدده ومَن شاءَ يقصرُ
وكذا حكم قبا، وقد نظم بعضُهم أحكامهما في بيت
~حرا وقبا ذكِّر وأنِّثهما معًا ومدَّ أو اقصرْ واصرفًا وامنع الصَّرفا
وضبطه الأَصيلي بفتح الحاء والقصر، وعزاها في (( القاموس ) )إلى القاضي عياض، وهي لغية.
وقال الخطَّابي العوام يخطؤون في حراء في ثلاثة مواضع يفتحون الحاء وهي مكسورة، ويكسرون الراء وهي مفتوحة، ويقصرون الألف وهي ممدودة.
وقال التَّيميُّ العامة لحنتْ فيه في ثلاثة مواضع فتح الحاء وقصر الألف، وترك صرفه وهو مصروفٌ؛ لأنَّه اسم جبل. وقال الكرماني إذا جمعنا بين كلاميهما يلزم اللَّحن في أربعة مواضع، وهو من الغرائب، إذ بعدد كل حرف لحن.
ولقائل أن يقول كسر الراء ليس بلحن؛ لأنه بطريق الإمالة.
وذكر الكلبي أنَّ حراء وثَبيرًا سُمِّيا باسم ابني عاد الأولى، وثَبِيْر بفتح المثلثة وكسر الباء الموحدة بعدها ياء تحتانية، جبل يرى من منى.
وفي بعض الروايات وفرق بين المجاورة والاعتكاف، بأن المجاورة قد تكون خارج المسجد بخلاف الاعتكاف، ولفظ الجوار جاء في حديث جابر الآتي في كتاب التفسير [خ¦4922] . وفي (( صحيح مسلم ) ) (( جاورت بحراء شهرًا، فلما قضيت جواري نزلت فاستبطنت الوادي ) )الحديث.
(فَيَتَحَنَّثُ فِيهِ) عطف على قوله يخلو، ولا يخلو عن معنى السَّببية؛ لأنَّ اختلاءه هو السبب للتَّحنث في الغار، والتَّحنث بالحاء المهملة ثمَّ النون ثمَّ الثاء المثلثة، وقد فسِّر في الحديث بأنَّه التعبُّد.
وقال الصَّغاني التحنُّث إلقاء الحنث، يقال تحنَّث؛ أي تنحَّى عن الحنثِ، وتأثَّم؛ أي تنحَّى عن الإثم، وتحرَّج؛ أي تنحَّى عن الحرج، وتحنَّث اعتزلَ الأصنامَ مثل تحنَّف.
وفي (( المَطالع ) )
ج 1 ص 56
يتحنَّث معناه يطرحُ الإثم عن نفسه بفعل ما يخرجُه عنه من البِر؛ ومنه قول حكيم أشياءَ كنتُ أتحنَّث بها. وفي رواية كنت أتبرَّر بها. أي أطلب البرَّ وطرح الإثم بها. وكذا قول عائشة رضي الله عنها ولا أتحنَّث إلى نذري. أي لا أكتسب الحنث وهو الذنب، وهذا عكس ما تقدَّم.
وقال الخطَّابي ونظيره في الكلام التحوُّب والتَّأثم؛ أي ألقى الحوب والإثم عن نفسه، قالوا وليس في كلامِهِم تفعَّل بهذا المعنى غير هذه.
ولا يخفى عليك أنَّ هذه شهادة نفي، كيف وقد ثبت في الكتب الصَّرفية أن تفعَّل يجيء للتجنُّب كثيرًا، نحو تحرَّج وتخوَّن؛ أي اجتنب الحرجَ والخيانة، وكذا تجهَّد وتنجَّس وتقذَّر.
وقال الثَّعلبي فلان يتهجَّد، إذا كان يخرج من الهجود وهو النوم، وتنجَّس إذا فعل فعلًا يخرج به عن النَّجاسة. وقال السُّهيلي التحنُّث التبرُّر تفعُّل من البر، وتفعَّل يقتضي الدُّخول في الشَّيء، وهو الأكثر فيها مثل تفقَّه وتعبَّد وتنسَّك، وقد جاءت ألفاظ يسيرةٌ تعطي الخروج عن الشَّيء واطِّراحه كالتَّأثم والتحرُّج، والتحنُّث بالثاء المثلثة؛ لأنَّه من الحنثِ، والحنثُ الحمل الثَّقيل، وكذلك التقذُّر فإنَّه التَّباعد عن القذر، وأما التحنُّف بالفاء فهو من باب التعبُّد.
وقال المازريُّ يتحنَّث يفعل فعلًا يخرج به من الحنث، وهو الذَّنب. وقال التيميُّ هذا من المشكلات ولا يهتدي إليه سوى الحذَّاق.
وسئل ابن الأعرابي عن قوله يتحنَّث، فقال لا أعرفه. وسئل أبو عَمرو الشَّيباني، فقال لا أعرف يتحنَّث، إنَّما هو يتحنَّف من الحنيفية دين إبراهيم عليه الصَّلاة والسَّلام.
وقد وقع في (( سيرة ابن هشام ) ) (( يتحنَّف ) )بالفاء، قيل والفاء تبدل ثاء مثلثة، وهو كثيرٌ في كلامهم، فمعناه حينئذٍ يتَّبع الحنيفيَّة.
(وَهُوَ) أي التحنُّث من قبيلِ قوله تعالى {اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} [المائدة 8] (التَّعَبُّدُ) وهذه الجملة مدرجةٌ من الزهري تفسيرًا للتحنُّث؛ لأنَّه دأبه، ويدلُّ عليه رواية البخاري في التفسير من طريق يونس عن الزهري [خ¦4953] معترضة بين قوله (( فيتحنَّث فيه ) )وبين قوله (اللَّيَالِيَ) لأنه منصوب على الظرفية، والعامل فيه قوله يتحنَّث، لا قوله التعبد؛ لفساد المعنى، فإن التحنُّث لا يشترط فيه الليالي، بل هو مطلق التَّعبد، والمراد باللَّيالي هي مع أيامهنَّ
ج 1 ص 57
على سبيل التغليب؛ لأنهنَّ أنسبُ للخلوة.
(ذَوَاتِ الْعَدَدِ) بكسر التاء منصوب على أنه صفة اللَّيالي. قال الطِّيبي وصف اللَّيالي بذوات العدد؛ لإرادة القلَّة، كما في قوله تعالى {دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ} [يوسف 20] . قال الكرماني ويحتمل أن يراد الكثرة، إذ الكثير يحتاج إلى العدِّ لا القليل، وهو المناسب للمقام.
وإنما أبهمتْ عائشة رضي الله عنها العدد؛ لاختلافه بالنسبة إلى المُدد التي يتخلَّلها مجيئه إلى أهله، وأقلُّ مدَّة الخلوة ثلاثة أيام يوم للتكفير، ويوم للتَّطهير، ويوم للتَّنوير، ثمَّ سبعة أيام، ثمَّ شهر؛ لما عند المؤلف ومسلم (( جاورت بحراء شهرًا ) ).
وعند ابن إسحاق أنه شهر رمضان، قيل ولم يصح عنه صلَّى الله عليه وسلم أكثر منه. نعم روى الأربعين سوار بن مصعب وهو متروكُ الحديث على ما قاله الحاكم وغيره.
وأمَّا قوله تعالى {وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ} [الأعراف 142] فهو حجَّة للشهر، والزِّيادة عليه إتمام للثُّلثين، فإنَّه لما أتمَّ الثلثين أنكر خلوفَ فِيْه، فتسوَّك لإزالته، فقالت الملائكةُ كنَّا نشمُّ منك رائحة المسك فأفسدته بالسِّواك، فأمره الله أن يزيد عليه عشرًا، فتكون كسجود السَّهو للصَّلاة، فقوي تقييدها بالشَّهر.
وإنَّها _ أي الخلوة _ سُنَّة تعم الأربعين؛ لكون الأربعين مدَّة نتاج النُّطفة علقة فمضغةً فصورة، ومدَّة كون الدر في صدفه، والله أعلم.
فإن قلت كيف تكون الخلوة سُنة، وأمر الغار قبل الرسالة، فلا يترتب عليه السُّنية؟. فالجواب أن أوَّل ما بُدئ به عليه الصَّلاة والسَّلام من الوحي الرُّؤيا الصَّالحة، ثمَّ حبِّب إليه الخلاء، فكان يخلو بالغارِ كما مرَّ، فدلَّ ذلك على أنَّ الخلوة مرتَّبة على الوحي؛ لأنَّ كلمة ثمَّ للتَّرتيب.
وأيضًا لو لم تكن من الدِّين لَنُهي عنها، بل هي ذريعةٌ لمجيء الحق وظهوره عليه، مبارك عليه وعلى أمَّته، تأسِّيًا به، وسلامة من المناكير وغيرها. ولها شروطٌ مذكورةٌ في محلِّها من كتب القوم.
وإنما خصَّ حِراء بالتعبُّد فيه دون غيره؛ لمزيد فضله على غيره؛ لأنه منزوي مجمع لتحنُّثه، إذ ينظر منه الكعبة المعظَّمة، والنظر إليها عبادة، فكان له صلَّى الله عليه وسلم فيه ثلاث عبادات الخلوة، والتعبُّد، والنظر إلى الكعبة.
وقيل لأنَّ حِراء هو الَّذي نادى رسول الله صلَّى الله عليه وسلم حين قال له ثَبير اهبط عني فإني أخاف أن تُقتل على ظهري، فاعذرني يا رسول الله، وهو ضعيف كما لا يخفى.
واعلم أنَّ العلماء اختلفوا هل كان النَّبي صلَّى الله عليه وسلم قبل النُّبوة متعبِّدًا بشرع من قبله؟ فقال الجمهور لا، وإلَّا لَنُقِل، ولَما أمكن كتمه عادة؛
ج 1 ص 58
لأنَّه ممَّا يتوفر الدَّواعي إلى نقله، ولافتخر به أهل تلك الشريعة، مع أنَّ في ذلك لزوم أن يكون متبوعًا مَن عُرف تابعًا. وقال إمام الحرمين بالوقف. وقال آخرون واختاره ابن الحاجب والبيضاوي أنه صلَّى الله عليه وسلم كان متعبِّدًا بشرع، واختلفوا على ثمانية أقوال
الأول أنه كان يتعبد بشريعة إبراهيم. والثاني بشريعة موسى. والثالث بشريعة عيسى. والرابع بشريعة نوح حكاه الآمدي. والخامس بشريعة آدم، حكي ذلك عن ابن بَرهان. والسادس أنَّه كان يتعبَّد بشريعة من قبله من غير تعيين. والسابع أنَّ جميع الشَّرائع شرعٌ له، حكاه بعض شرَّاح (( المحصول ) )عن المالكيَّة. والثامن الوقف في ذلك، وهو مذهبُ الإمام أبي المعالي، واختاره الآمدي.
وأمَّا القول بأنَّه كان على شريعة إبراهيم عليه السلام، وليس له شرع ينفرد به، بل المراد من بعثه إحياء شريعة إبراهيم؛ لقوله تعالى {ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ} [النحل 123] ، فهو حماقة وجهل، أنَّ المراد به الاتباع في أصل التَّوحيد، كما في قوله تعالى {فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ} [الأنعام 90] ، إذ شرائعهم مختلفة لا يمكن الجمع بينها، فلم يبق إلا ما أجمعوا عليه من التوحيد، ومعنى متابعتهم في التَّوحيد المتابعة في كيفية الدعوى إليه بطريق الرفق، وإيراد الأدلَّة مرَّة بعد أُخرى على ما هو المألوف والمعروف في القرآن، والمبالغة في التَّوكل والإخلاص، ونفي السُّمعة والرِّياء، والالتجاء إلى السواء.
وأمَّا صفة تعبُّده وكيفيَّته فقد قال شيخُ الإسلام البُلقيني لم يجيء في الأحاديث التي وقفنا عليها كيفيَّة تعبِّده، لكن روى ابن إسحاق وغيره أنَّه صلَّى الله عليه وسلم كان يخرج إلى حراء في كل عام شهرًا يتنسَّك فيه، وكان من نسك قريش في الجاهلية أن يطعم الرَّجل من جاءه من المساكين حتى إذا انصرف من مجاورته لم يدخل بيته حتى يطوف بالكعبة.
ولا يبعد أن يقال أنَّ عائشة رضي الله عنها أطلقت على الخلوة بمجردها تعبُّدًا، فإن الانعزال عن الناس ولا سيَّما من كان على باطل من جملة العبادة، وقيل كان يتعبد بالفكر. وقال بعضُ المتأخرين الظاهر والله أعلم أنَّه صلَّى الله عليه وسلم كان متعبِّدًا بالعبادات الباطنيَّة من الأذكارِ القلبيَّة، والأفكار في الصِّفات الإلهية، والمصنوعات الآفاقيَّة والأنفسية،
ج 1 ص 59
والأخلاق السَّنية، والشَّمائل البهيَّة من التَّرحم على الضُّعفاء، والشَّفقة على الفقراء، والتَّحمل من الأعداء، والصَّبر على البلاء، والشُّكر على النَّعماء، والرِّضا بالقضاء، والتَّسليم والتَّفويض والتَّوكل على رب الأرض والسماء، والتَّحقق بحال الفناء، ومقام البقاء على ما يكون منتهى حال كُمَّل الأولياء والأصفياء. ولذا قيل بداية الأنبياء نهايةُ الأولياء.
وأما ما قاله بعضهم من أن بداية الولي نهاية النبي؛ فإنَّما هو باعتبار التكاليف الشَّرعية من الأوامر الفرضيَّة، والزَّواجر المنهيَّة، فما لم يتصف السَّالك بما انتهى أمر نبيِّه صلَّى الله عليه وسلم إليه لم يدخل في باب الولاية، ولا يكون له حظٌّ من حسن الرعاية. انتهى.
بقي أنَّه صلَّى الله عليه وسلم هل كُلِّف بعد النُّبوة بشرع أحدٍ من الأنبياء عليهم السلام أو لا؟ اختلفوا فيه أيضًا، والأكثرون على المنع، واختاره الإمام والآمدي وغيرهما.
وقيل بل كان مأمورًا بأخذ الأحكام من كتبهم، ويعبَّر عنه بأنَّ شرع من قبلنا شرع لنا، واختاره ابن الحاجب. وللشَّافعي فيه قولان أصحهما الأول.
(قَبْلَ أَنْ يَنْزِعَ إِلَى أَهْلِهِ) عياله، بكسر الزاي؛ أي قبل أن يرجع، وقد رواه مسلم كذلك، يقال نزع إلى أهله، إذا حنَّ واشتاق ورجع إليهم.
يقال هل نزعك غيره؛ أي هل جاء بك وجذبك إلى السَّفر غير الحج، وناقة نازع إذا حنَّت إلى أوطانها ومرعاها.
(وَيَتَزَوَّدُ) أي يتَّخذ الزاد وهو الطعام الذي يستصحبُه المسافر، يقال زودته فتزوَّد، وهو مرفوعٌ عطفًا على قوله يتحنَّث، لا على قوله ينزع؛ لفساد المعنى.
(لِذَلِكَ) أي للخلو أو التعبُّد (ثُمَّ) أي بعد التحنُّث في الغار (يَرْجِعُ إِلَى خَدِيجَةَ) أمِّ المؤمنين رضي الله عنها (فَيَتَزَوَّدُ لِمِثْلِهَا) أي لمثل اللَّيالي، وفيه مشروعيَّة اتِّخاذ الزاد، وأنَّه لا ينافي التوكُّل فقد اتَّخذه سيِّد المتوكلين صلَّى الله عليه وسلم. وتخصيصُ خديجة بالذِّكر بعد أن عبَّر بالأهل يحتمل أنَّه تفسير بعد إبهام.
ويحتمل أن يكون إشارة إلى أنَّ التزوُّد من عندها لا غيرها، ثمَّ فيه أنَّ الانقطاع الدائم عن الأهل ليس من السُّنة؛ لأنَّه صلَّى الله عليه وسلم لم ينقطعْ في الغار بالكلِّية، بل كان يرجع إلى أهله لضروراتهم ثمَّ يخرج للتحنُّث.
ثمَّ إنَّ خديجة رضي الله عنها هي بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب القرشية، تزوَّجها رسول الله صلَّى الله عليه وسلم وهو
ج 1 ص 60
ابن خمس وعشرين سنة، ولها يومئذ أربعون سنة، وكانت تدعى في الجاهلية الطَّاهرة.
كانت أوَّلًا في حبال عتيق بن خالد المخزومي، فولدت له عبد الله وبنتًا، ثم مات عتيق، وخلفه أبو هالة فولدتْ له ذكرين هالة وهندًا، ثمَّ مات أبو هالة فتزوَّجها رسول الله صلَّى الله عليه وسلم ونشأ هند في حجر تربية النبي صلَّى الله عليه وسلم. وهي أمُّ أولاده كلهم سوى إبراهيم فمن مارية، ولم يتزوَّج غيرها قبلها ولا عليها حتَّى ماتت قبل الهجرة بثلاث سنين على الأصح، وقيل بخمس، وقيل بأربع، فأقامت معه أربعًا وعشرين سنة وأشهرًا، ثمَّ توفيت في رمضان سنة عشر من النُّبوة بمكَّة، وهي بنت خمس وستين سنة، ودفنت بالحجون، ونزل النبي صلَّى الله عليه وسلم قبرها ولم تشرع صلاة الجنازة حينئذٍ على ما قيل. وكانت وفاتها بعد وفاة أبي طالب بثلاثة أيام.
واسم أمها فاطمة بنت زائدة بن الأصم بن عامر بن لؤي، وهي أول من آمن من النساء باتفاق، بل أول من آمن مطلقًا على قول.
ووقع في كتاب الزبيري عن عبد الرحمن بن زيد قال آدم عليه السلام مما فضَّل الله به ابني عليَّ أنْ زوَّجه خديجة، كانت عونًا له على تبليغ أمر الله عزَّ وجلَّ، وإنَّ زوجتي كانت عونًا لي على المعصيَّة.
ولها مناقب كثيرة يطول شرحها. وقد ذكر البخاري طرفًا منها في باب مناقبها.
وأفضل أزواج النبي صلَّى الله عليه وسلم خديجة وعائشة، واختلف في أنَّ أيهما أفضل، والله تعالى أعلم.
(حَتَّى جَاءَهُ) أي كان حاله صلَّى الله عليه وسلم هكذا حتى جاءه الأمر (الْحَقُّ) وهو الوحي الكريم، سمِّي حقًّا؛ لأنَّه مِن الله تعالى، وفي التَّفسير (( حتى فجِئه الحق ) )بكسر الجيم [خ¦4953] ، وكذا في رواية مسلم؛ أي بغته. يقال فجِئ يفجَأ _ بكسر الجيم _ في الماضي وفتحها في الغابر وإن ثبت ما رواه عبيد بن عُمير (( أنَّه أوحي إليه بذلك في المنام أوَّلًا قبل اليقظة ) )، أمكن أن يكون مجيء الملك في اليقظة أعقب ما تقدَّم في المنام.
(وَهُوَ فِي غَارِ حِرَاءٍ) جملة حاليَّة (فَجَاءَهُ الْمَلَكُ) جبريل عليه السلام يوم الاثنين لسبع عشرة خلت من شهر رمضان، ورسول الله صلَّى الله عليه وسلم يومئذ ابن أربعين سنة، والفاء في قوله فجاءه تفسيريَّة نحو قوله تعالى {فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} [البقرة 54] ، إذ القتل نفس التَّوبة على أحد التَّفاسير، وتسمى بالفاء التَّفصيلية أيضًا؛ لأنَّ مجيء الملك تفصيلٌ للمجملِ الذي هو مجيء الحقِّ، ولا شكَّ أنَّ المفصَّل نفس المجمل، وإن كان غيره من جهة التَّفصيل والإجمال، فلا يكون تفسير الشَّيء بنفسه، وجوَّز أن تكون تعقيبيَّة؛ بناء على أنَّ المراد من الحقِّ في قوله (( حتى جاءه الحق ) )هو الإلهام، أو سماع هاتف، ويكون مجيء الملك بعد ذلك بالوحي.
(فَقَالَ) بالفاء
ج 1 ص 61
التَّعقيبيَّة له صلَّى الله عليه وسلم (اقْرَأْ) يحتمل أن يكون هذا الأمرُ لمجرَّد التَّنبيه والإيقاظ لما سيُلقى إليه، وأن يكون على بابه من الطَّلب، فيستدلَّ به على تكليف ما لا يُطاق في الحال، وإن قدر عليه بعد.
اعلم أنَّه قد وقع في رواية أبي الأسود عن عروةَ، عن عائشة رضي الله عنها قالت (( أنَّ النَّبي صلَّى الله عليه وسلم كان أوَّل شأنه يرى في المنام، وكان أوَّل ما رأى جبريل بأجياد، صرخَ جبريل يا محمد، فنظر يمينًا وشمالًا، فلم ير شيئًا، فرفع بصره، فإذا هو على أفق السماء، فقال يا محمد جبريل جبريل، فهرب فدخل في الغار، فلم ير شيئًا، ثم خرج عنه فناداه فهربَ، ثمَّ استعلن له جبريل من قبل حراء، فذكر قصة قراءته {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ} ، ورأى حينئذٍ جبريل له جناحان من ياقوت يختطفان البصر ) ).
وهذا من رواية ابن لهيعة عن أبي الأسود، وابن لهيعة ضعيف.
وقد ثبت في (( صحيح مسلم ) )من وجه آخر عن عائشة مرفوعًا (( لم أره _ يعني جبريل _ على صورته التي خلق عليها إلَّا مرتين ) ).
وبيَّن أحمد من حديث ابن مسعود أنَّ الأولى كانت عند سؤاله إيَّاه أن يريَه صورته الَّتي خُلق عليها، والثانية عند المعراج. وللترمذيِّ من طريق مسروقٍ، عن عائشة رضي الله عنها (( لم ير محمد صلَّى الله عليه وسلم جبريل في صورته إلَّا مرَّتين، مرَّة عند سدرة المنتهى، ومرَّة في أجياد ) ).
وهذا يقوي رواية ابن لهيعة، وتكون هذه المرَّة غير المرتين المذكورتين، وإنما لم يضمها إليهما؛ لاحتمال أن لا يكون رآه فيها على تمام صورته، والعلم عند الله تعالى.
(قَالَ) صلَّى الله عليه وسلم، وفي رواية (مَا أَنَا بِقَارِئٍ) وفي رواية ، وفي رواية ابن إسحاق (( ما أقرأ ) ). وفي رواية أبي الأسود في (( المغازي ) )أنه قال (( كيف أقرأ ) ).
قالت الشرَّاح كلمة (( ما ) )نافية؛ أي ما أحسن القراءة، لا استفهاميَّة بدخول الباء في خبرها، وهي لا تدخل على ما الاستفهاميَّة. وغلَّطوا من قال استفهاميَّة بدليل الرِّوايتين الأخريين، ومنعوا استنادهم بالرواية الثالثة؛ أعني (( ما أقرأ ) )بقولهم يجوز أن تكون ما هذه نافية أيضًا.
وقال محمود العينيُّ تغليطُهم ومنعهم ممنوعان، أمَّا تغليطهم؛ فلأنَّ الأخفش جوَّز دخول الباء على ما الاستفهاميَّة. وأمَّا تجويزهم كون ما في قوله (( ما أقرأ ) )استفهامية؛
ج 1 ص 62
فاحتمال بعيد، بل الظَّاهر أنها استفهاميَّة يدل عليه رواية (( كيف أقرأ ) ).
ثم إنَّ قوله (( ما أنا بقارئ ) )، قيل إنه يفيد الاختصاص. وقال الطِّيبي مثل هذا التركيب لا يلزم أن يفيد الاختصاص، بل قد يكون للتقرير والتوكيد؛ أي لست بقارئ البتة لا محالة، وهو الظَّاهر هنا، والمناسب للمقام. وفي مرسل عبد الله بن عُمير أنَّه عليه السلام قال (( أتاني جبريل بنمط من ديباج، فيه كتاب، فقال اقرأ، قلت ما أنا بقارئ ) ).
قال السُّهيلي وقال بعضُ المفسرين إنَّ قوله تعالى {الم*ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ} [البقرة 1 2] إشارة إلى الكتاب الَّذي جاء به جبريل حين قال له {اقْرَأْ} .
(قَالَ) صلَّى الله عليه وسلم (فَأَخَذَنِي) جبريل، ولأبي داود الطيالسي في (( مسنده ) )بسند حسن (( فأخذ بحلقي ) ) (فَغَطَّنِي) بالغين المعجمة وتشديد الطاء المهملة؛ أي ضغطني وعصرني، يقال غطَّني وغتَّني، وضغطني وعصرني وخنقني، كله بمعنى.
قال الخطَّابي ومنه الغطُّ في الماء بمعنى تغييب الرأس فيه، وغطيط النائم ترديد النفس إذا لم يجد مساغًا عند انضمام الشَّفتين، والغث حبسُ النَّفس مرَّة، وإمساك اليد أو الثوب على الفم والأنف. وقال والغط في الحديث الخنق. وقال الداودي معنى غطَّني صنع بي شيئًا حتى ألقاني إلى الأرض كمن تأخذه الغشية.
وفي رواية الطبري (( فغتَّني ) )وقد سبق معناه. وفي رواية أخرى بالمهملة والهمزة والموحدة؛ أي خنقني. ويروى من الدَّعْت بفتح الدال وسكون العين المهملتين وفي آخره تاء مثناة فوقية.
قال ابن دريد هو الدَّفع العنيف عربيٌّ صحيح، يقال دعَتْه يدعَتْه؛ إذا دفعه دفعًا عنيفًا.
(حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ) هو بضم الجيم وفتحها الغاية والمشقَّة.
وفي (( المحكم ) )الجَهد والجُهد الطاقة، وقيل الجَهد بالفتح المشقَّة، وبالضم الطاقة.
وفي (( الموعب ) )الجُهد بالضم ما جَهِد الإنسان من مرض، أو من شاقَّ، والجَهْد بالفتح بلوغك غاية الأمر الَّذي لا تألوا عن الجهد فيه، وجَهَدْتَه بلغت مشقته، وأَجهدته على أن يفعل كذا.
وقال ابن دريد جَهدْته حملته على أن يبلغ مجهوده. وقال ابن الأعرابي جهد في العمل اجتهد. وقال الأصمعي جَهَدْتُ لك نفسي فاجتهد نفسي، وفيه وجهان من الإعراب الرفع والنصب، أمَّا الرفع فعلى أن يكون فاعلًا لبلغ؛ يعني بلغ الجهد مني مبلغه فحذف مبلغه.
وأمَّا النَّصب فعلى كونه مفعولًا، والفاعل محذوفٌ، والتَّقدير بلغ الملك أو الغط منِّي الجهد؛ أي غاية وسعي وطاقتي.
وقال التُّوْرِبشتي لا أرى الذي يَروي
ج 1 ص 63
بالنصب إلَّا قد وهم، أو جوزه بطريق الاحتمال، فإنَّه يعود المعنى حينئذٍ إلى أنَّه غطَّه حتى استفرغ قوَّته في ضغطه، وجهد جهده بحيث لم يبق فيه مزيد.
وقال الكرماني وهذا قول غير سديد، فإنَّ البنية البشرية لا تستدعي استنفاد القوَّة الملكية، لا سيَّما في مبدأ الأمر، وقد دلَّت القصَّة على أنَّه اشمأزَّ من ذلك، وتداخله الرعب.
وقال الطِّيبي لا شك أنَّ جبريل عليه السلام في حالة الغطِّ لم يكن على صورته الحقيقيَّة التي تجلَّى له بها عند سدرةِ المنتهى، وعندما رآه مستويًا على الكرسي، فيكون استفراغ جهده بحسبِ صورته الَّتي تجلَّى له بها وغطَّه، فإذا صحَّت الرِّواية بالنصب اضمحلَّ الاستبعاد.
(ثُمَّ أَرْسَلَنِي) أي أطلقني (فَقَالَ اقْرَأْ، قُلْتُ) وفي رواية (مَا أَنَا بِقَارِئٍ، فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّانيةَ) أي المرَّة الثانية (حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ) هو كسابقه (ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ اقْرَأْ، فَقُلْتُ مَا أَنَا بِقَارِئٍ، فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي) المرَّة (الثَّالِثَةَ) ولم يذكر الجهد هنا، نعم هو ثابت عنده في التفسير، والحكمة في الغطِّ والضغطة شغله عن الالتفاتِ إلى ما سوى الله تعالى، وإقبالهِ بكلِّيته إلى ما يلقى إليه، وأن يأخذَ الكتاب بقوَّة، ويترك الأناة، فإنَّه أمرٌ ليس بالهوينا، وكرَّره ثلاثًا؛ مبالغةً في التَّثبت.
وقيل في تلك الغطات الثلاث إشارة إلى ثلاث شدائد يبتلى بها أوَّلًا، ثم يأتي الفرج والسرور
الأولى ما لقيه هو صلَّى الله عليه وسلم وأصحابه من شدَّة الجوع حتى تعاقدت قريش أن لا يبيعوا منهم، ولا يصلوا إليهم. والثانية ما لقوا من الخوفِ والإيعاد بالقتلِ. والثالثة ما كقُوْةُ من الإجلاءِ عن الوطن والهجرةِ من حرم إبراهيم عليه السلام.
وقيل الغطَّة الأولى ليتخلى عن الدُّنيا، والثانية ليتفرَّغ لما يُوحى إليه، والثالثة للمؤانسة.
وعدَّ بعضهم ذلك من خصائصه صلَّى الله عليه وسلم، إذ لم ينقلْ عن أحدٍ من الأنبياء عليهم السَّلام أنَّه جرى له عند ابتداء الوحي مثله. ويُستفاد منه الحضُّ على التعليم ثلاثًا بما فيه مشقَّة كما فتل الشارع أُذُن ابن عباس رضي الله عنهما في إدارتهِ عن يمينه في الصَّلاة.
وقد انتزعَ منه شُريح القاضي أن لا يضرب الصَّبي على القرآن إلا ثلاثًا؛ لما غطَّ جبريل محمدًا عليهما السلام ثلاثًا.
ج 1 ص 64
وفيه أيضًا أنَّه ينبغي للمعلِّم أن يحتاطَ في تنبيه المتعلِّم، والإحضار بمجامعِ قلبه.
(ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} ) أي كلَّ شيءٍ فهو من قبيل يعطي ويمنع، وقدَّم الفعل؛ لكون الأمر بالقراءةِ أهم وهو أمر بإيجاد القراءة مطلقًا لا يختص بمقروء دون مقروء. وقوله {بِاسْمِ رَبِّكَ} حال؛ أي مفتتحًا باسم ربك؛ أي قل بسم الله الرحمن الرحيم، ثمَّ اقرأ.
قال الطِّيبي وهذا يدلُّ على أنَّ البسملة مأمور بقراءتها في ابتداء كلِّ قراءة، فتكون قراءتها مأمورة في ابتداءِ هذه السورة أيضًا. انتهى.
وقال السُّهيلي في قوله {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ} [العلق 1] دليل على وجوب استفتاح القراءة ببسم الله، غير أنَّه أمر مبهم لم يتبين بأي اسم من أسمائه يستفتح، حتَّى جاء البيان في قوله {بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا} [هود 41] ، ثمَّ في قوله {وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} [النمل 30] .
ثمَّ بعد ذلك كان ينزلُ جبريل ببسم الله الرحمن الرحيم مع كلِّ سورة، وقد ثبتت في سواد المصحف بإجماع من الصَّحابة على ذلك، وحين نزلت بسم الله الرحمن الرحيم سبَّحت الجبال، فقالت قريش سحر محمد الجبال. ذكره النقّاش في (( تفسيره ) ).
ولا يخفى عليك أنَّه لا يلزم من ذلك الوجوب، بل يجوز أن يكون الأمر على وجه النَّدب والاستحباب لأجل التبرك في ابتداء القراءة، وما ذكر النقاش في (( تفسيره ) )فقد تكلّموا فيه.
وقوله {الَّذِي خَلَقَ} وصف مُشعر بعلِّية الخلق للأمر بالقراءةِ، والإطلاق في {خَلَقَ} أولًا وجعله توطئة لقوله ( {خَلَقَ الإِنْسَانَ} ) إيذان بأنَّ الإنسان أشرف المخلوقات ( {مِنْ عَلَقٍ} ) [العلق 2] بتحريك اللام هو الدم الغليظ، والقطعة منه علقة، وإنَّما جمع قوله {مِنْ عَلَقٍ} ولم يقلْ من علقة؛ لأنَّ الإنسان في معنى الجمع ( {اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ} ) أي الزائد في الكرم على كلِّ كريم، فإنَّه ينعم بلا غرض، ويحكم من غير تخوّف، بل هو الكريم وحده على الحقيقة {الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ} أي الخط بالقلم، وقد قرئ به، وذلك ليقيِّد به العلوم، ويعلِّم به البعيد {عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} بخلق القوى ونصب الدَّلائل، وإنزال الآيات، فيعلمك القراءة وإن لم تكن قارئًا، وقد عدَّد سبحانه وتعالى مبدأ أمر الإنسان ومنتهاه؛ إظهارًا لما أنعم عليه من نقله من أخسِّ المراتب إلى أعلاها، تقريرًا لربوبيته، وتحقيقًا لأكرميته، وأشار أولًا إلى ما يدلُّ على معرفته عقلًا، ثم نبَّه على ما يدلُّ سمعًا.
وقال السُّهيلي في معنى قوله تعالى {اقْرَأْ} إلى قوله {مَا لَمْ يَعْلَمْ} {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ} أي لا تقرأ بقوتك ولا بمعرفتك، لكن بحول ربِّك وإعانته، فهو يعلِّمك كما خلقك، وكما نزع عنك علق الدَّم ومغمز الشَّيطان في الصِّغر، وعلَّم أمتك حتى صارت تكتب بالقلم بعد أن كانت أمِّية.
وفيه دليل للجمهور أنَّ سورة اقرأ أوَّل ما نزل من القرآن وروى الحافظ أبو عَمرو الداني من حديث ابن عباس رضي الله عنهما (( أوَّل ما نزل من الله خمس آيات {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ} إلى {مَا لَمْ يَعْلَمْ} ) ) [العلق 1 - 5] .
وفي (( المرسل ) )(( أوَّل ما نزل من القرآن هذه السورة في نمط، فلمَّا بلغ جبريل هذا
ج 1 ص 65
الموضع {مَا لَمْ يَعْلَمْ} طوى النَّمط )) . ومن ثَمَّة قال الفراء إنَّه وقف تامٌّ.
وقال السَّخاوي ذهبت عائشة رضي الله عنها والأكثرون إلى أنَّ أول ما نزل {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ} إلى قوله {مَا لَمْ يَعْلَمْ} ثمَّ {ن وَالْقَلَمِ} إلى قوله {وَيُبْصِرُونَ} [القلم 5] ، و {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ} و {الضُّحَى} ثم نزل باقي سورة {اقْرَأْ} .
وذكر ابن العربي عن ابن كريب قال وجدنا في كتاب ابن عباس رضي الله عنهما أول ما نزل من القرآن بمكة {اقْرَأْ} و {اللَّيْلِ} و {ن} و {يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ} و {يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ} و {تَبَّتْ} و {إذا الشَّمْسُ} و {الأَعْلَى} و {الضُّحَى} و {أَلَمْ نَشْرَح} و {الْعَصْرِ} و {الْعَادِيَاتِ} و {الْكَوْثَر} و {التَّكَاثُرْ} و {التِّيْنِ} [2] ثمَّ {الْفَلَق} ثمَّ {النَّاس} ثمَّ ذكر سورًا كثيرة، ونزل بالمدينة ثمان وعشرون سورة، وسائرها بمكَّة. وكذلك يروى عن ابن الزَّبير.
وقول من قال إنَّ أوَّل ما نزل {يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ} عملًا بالرواية الآتية في الباب محمول على أنه أول ما نزل بعد فترة الوحي.
وأبعدَ من قال إنَّ أوَّل ما نزل الفاتحة، بل هو شاذٌّ. وجمع بعضهم بين القولين الأوَّلين بأن قال يمكن أن يقال أوَّل ما نزل من التَّنزيل في تنبيه الله على صفةِ خلقه {اقرأ} وأول ما نزل من الأمر بالإنذار {يا أيُّها المدَّثِّر} .
فائدة قيل إنَّ مثل قوله عليه السلام (( ما أنا بقارئ ) )لا يفيدُ الاختصاص البتَّة، بل قد يكون مفيدًا للتَّقوية والتَّأكيد، فالمعنى لست بقارئ البتَّة، وهو الظَّاهر والمناسب للمقام، وهو يستدعي أن يكون حكم المخاطب مشوبًا بصوابٍ وخطأ، فيُرَدَّ خطأه إلى الصَّواب، فأين هذا من جبريل عليه السلام؟ وأجيب عنه بأنَّه لمَّا سمع منه {اقرأ} تصوَّر أنَّه اعتقدَ أنَّ حكمه ليس كحكم سائر الناس في أنَّ حصول القراءة والتَّمكن منها إنما هو بطريق التَّعلم والتعليم، ومدارسةِ الكتب، فردَّه بقوله (( ما أنا بقارئ ) )أي حكمِي كحكم سائر الناس في أنَّ حصول القراءة إنَّما هو بالتعلُّم وعدمه بعدمه، ولذلك أخذه وغطَّه مرارًا؛ ليخرجه من حكم سائر النَّاس ويستفرغ عنه البشريَّة ويفرغ فيه من الصِّفات الملكيَّة، فحينئذٍ يعلم معنى اقرأ، ويخاطب بقوله {اقرأ} .
ففي المقروء أيضًا إشارة إلى ردِّ ما تصوَّره من أن القراءةَ إنَّما تتيسَّر بطريق التعلُّم فقط، بل هي كما تحصل من التَّعليم بواسطة المعلِّم كذلك تحصل بتعليمِ الله تعالى
ج 1 ص 66
بلا واسطة، فقوله {عَلَّمَ بِالْقَلَمِ} [العلق 4] إشارة إلى العلم التعليمي، وقوله {عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} [العلق 5] إشارة إلى العلم اللَّدنِّي.
(فَرَجَعَ بِهَا) أي بالآيات، وهو قوله تعالى {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ} إلى قوله {مَا لَمْ يَعْلَم} (رَسُولُ اللَّهِ صلَّى الله عليه وسلم) أي إلى أهله حال كونه (يَرْجُفُ) بضم الجيم؛ أي يخفق ويضطرب، والرَّجفان شدة الحركة والاضطراب (فُؤَادُهُ) أي قلبه، أو باطن قلبه، وقيل غشاؤه.
وقال اللَّيث القلب مضغة من الفؤاد معلَّقة بالنِّياط، سمِّي قلبًا؛ لتقلُّبه. وفي رواية مسلم (( بَوَادره ) )بفتح الباء الموحدة، وهي اللحمة التي بين المنكب والعنق، ترجف عند الفزع، وذلك الرَّجفان؛ لِما فجئه من الأمر المخالف للعادةِ والمألوف، فنفر طبعه البشري، وهاله ذلك، ولم يتمكَّن من التأمُّل في تلك الحالةِ؛ لأنَّ النُّبوة لا تزيل الطِّباع البشريَّة كلَّها.
(فَدَخَلَ) صلَّى الله عليه وسلم (عَلَى خَدِيجَةَ بِنْتِ خُوَيْلِدٍ) أمِّ المؤمنين (رَضِيَ اللهُ عَنْهَا) وقد أَلِف تأنيسها له (فَقَالَ) صلَّى الله عليه وسلم (زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي) بكسر الميم في كِليهما، من التَّزميل وهو التَّلفيف، والتَّزمل التلفُّف والاشتمال، ومثله التَّدثُّرَ.
ويقال لكلِّ ما يلقى على الثوب الَّذي يلي الجسد دِثار، كما يقال للثَّوب الَّذي يليه شعار، وإنَّما قال ذلك؛ لشدَّة ما لحقه من هول الأمر، والعادة جاريةٌ بسكون الرَّعدة بالتَّلفيف.
(فَزَمَّلُوهُ) أي زمَّله أهله، ومنهم خديجة رضي الله عنها (حَتَّى ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْعُ) بفتح الراء؛ أي الفزع.
وقال الهرويُّ وبالضم موضع الفزعِ والخوف من القلب.
(فَقَالَ) صلَّى الله عليه وسلم (لِخَدِيجَةَ) رضي الله عنها (وَ) قد (أَخْبَرَهَا الْخَبَرَ) فهي جملة حاليَّة، والخبر مجيء الملك والغط ِّ ... إلى آخره (لَقَدْ) أي والله لقد (خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي) قد اختلف العلماء في الخشية الَّتي خشيها رسول الله صلَّى الله عليه وسلم على نفسه على اثني عشر قولًا
الأول أنَّه خاف من الجنون، وأن يكون ما رآه من جنِّ الكهانة، وجاء ذلك في عدَّة طرق، وأبطلَه أبو بكر ابن العربي، وإنَّه لجدير بالإبطال.
الثاني أنَّه خاف أن يكون هاجسًا، وهو الخاطر بالبال، وهو أن يحدِّث نفسه ويجد في صدرهِ مثل الوسواس، وأبطلوا هذا أيضًا بأنَّه لا يستقر، وهذا استقرَّ، وحصلتْ بينهما المراجفة.
الثالث أنَّه خاف من الموت؛ من شدَّة الرُّعب.
الرابع أنَّه خاف أنَّه لا يقوى على مقاومة هذا
ج 1 ص 67
الأمر، ولا يطيق حمل أعباء الوحي.
الخامس العجزُ عن النظر إلى الملك، فخاف أن تزهقَ نفسه، وينخلعَ قلبه؛ لشدَّة ما لقيه من الرُّعب عند لقائه.
السادس أنَّه خاف من عدم الصَّبر على أذى قومه.
السابع أنَّه خاف من قومه أن يقتلوه، حكاه السُّهيلي، ولا غرو أنَّه بشر يخشى من القتل والأذى ثمَّ يهوِّنُ عليه الصَّبر في ذات الله كلَّ خشية، ويجلبُ إلى قلبه كلَّ شجاعة وقوَّة.
الثامن أنَّه خاف مفارقةَ الوطن بسبب ذلك.
التاسع ما ذهبَ إليه أبو بكر الإسماعيلي أنَّها كانت منه قبل أن يحصلَ له العلم الضَّروري بأن الَّذي جاءه ملك من عند الله تعالى، وكان أشقَّ شيءٍ عليه أنْ يقال عنه شيء.
العاشر أنَّه خاف من وقوعِ النَّاس فيه.
الحادي عشر ما قاله ابن أبي جمرة أنَّ خشيته كانت من الوعك الذي أصابه من قبل الملك.
الثاني عشر أنَّها الخشية التي حصلت له على غير مواطأة بغتة، كما يحصل للبشر إذا دَهمه أمر لم يعهدْه.
وتلخيص هذه الأقوال أنَّ المراد بالخشية إما الجنون، أو الهاجس، أو الموت من شدَّة الرعب، أو المرض، أو دوام المرض، أو العجز عن حمل أعباء النُّبوة، أو العجز عن النَّظر إلى الملك من الرُّعب، أو عدم الصَّبر على أذى قومه، أو قتل قومه إيَّاه، أو مفارقة الوطن، أو تكذيبهم إيَّاه، أو تغييرهم إيَّاه.
قال الحافظ العسقلاني وأَولى هذه الأقوال بالصَّواب وأسلمها من الارتياب الثالث والثاني، وما عداهما فهو معترض.
وأقول ال