فهرس الكتاب

الصفحة 254 من 11127

142 - (حَدَّثَنَا آدَمُ) هو ابن أبي إياس (قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) ؛ أي ابن الحجاج، وقد مر ذكرهما في باب المُسلم من سَلِم المسلمون، [خ¦10] ، (عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ) بصيغة التصغير في الثاني، وقد تقدم في باب حبِّ الرسول [خ¦15] (قَالَ) ؛ أي إنه قال (سَمِعْتُ أَنَسًا) رضي الله عنه حال كونه (يَقُولُ) ، ورجال هذا الإسناد ما بين بغداديٍّ وواسطي وبَصري، وإنه من رباعيات البخاري، وقد أخرج متنه المؤلِّف في الدَّعوات أيضًا [خ¦6322] ، وأخرجه النَّسائي وأبو داود وابن ماجه والتِّرمذي في الطهارة أيضًا.

(كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا دَخَلَ الْخَلاَءَ) ؛ أي إذا أراد دخول الخلاء؛ لأن اسم الله تعالى مستحبُّ الترك بعد الدخول، وقد صرح به في رواية سعيد بن زيد على ما يأتي عن قريب، وفي رواية أخرى أيضًا أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال «إن هذه الحُشُوش مُحتَضَرة _ أي للجانِّ والشياطين _ فإذا أراد أحدكم الخلاء فليقل أعوذ بالله من الخُبث والخَبائث» .

ثمَّ إنَّ هذا التأويل إنما يحتاج إليه إذا كان المكان الذي يقضي فيه الحاجة معدًّا لذلك كالكنيف، فأما إذا لم يكن معدًّا لذلك كالصحراء فإنه يجوز ذكر الله فيه، بل فيما [1] كان معدًا لذلك أيضًا يجوز ذكر الله تعالى عند المالكية، فافهم.

(قَالَ اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ) من العوذ؛ أي ألوذ وألتجئ يقال عُذْتُ به عوذًا وعياذًا ومعاذًا؛ أي لجأت إليه ولُذْتُ به، والمعاذ المصدر والمكان والزمان (بِكَ مِنَ الْخُبُثِ) بضم الباء، جمع الخبيث (وَالْخَبَائِثِ) جمع الخبيثة يريد ذُكرَان الشياطين وإناثهم، وإنما خصَّها بذلك؛ لأن الشياطين يحضرون الأخلِيَة، وهي مواضع يُهجرُ فيها ذكر الله تعالى فقدَّم الاستعاذة احترازًا منهم، قاله الخطابي.

وقال [2] وعامة أصحاب الحديث يقول الخبْث ساكنة الباء وهي غلط والصواب ضمُّها، واعترض عليه بأن أبا عُبَيْد القاسم بن سلام حكى تسكين الباء، وكذا الفارابي في (( ديوان الأدب ) )والفارسي في (( مَجْمَع الغرائب ) )، وبأن فُعُلًا بضمَّتين قد تسكن عينه قياسًا كَكُتُبٍ وكُتْبٍ، ورُسُل ورُسْل فلعل من سكَّنها سلك هذا المسلك.

وقال فضل الله التُّوْرِبشْتي هذا مستفيض لا يسع أحدًا مخالفته إلا أن يَزْعم أنَّ ترك التخفيف فيه أولى لئلا يشتبه بالخبث الذي هو المصدر.

وفي (( شرح السُّنة ) )

ج 2 ص 34

الخُبُث بضم الباء، وبعضهم يروي بالسكون هذا، فإن كانت مخففة عن المُحرَّكة فقد عرفت معناه، وإن كانت مفردًا فمعناه كما قال ابن الأعرابي المكروه؛ فإن كان من الكلام فهو الشَّتم، وإن كان من المِلَلِ فهو الكفر، وإن كان من الطَّعام فهو الحرام، وإن كان من الشراب فهو الضَّار، وعلى هذا، فالمراد بالخبائث المعاصي، أو مطلق الأفعال المذمومة ليحصل التناسب.

وقال ابن الأنباري وصاحب (( المنتهى ) )الخبث الكفر، ويقال الشيطان والخبائث المعاصي جمع خبيثة ويقال الخبث خلاف طيب الفعل من فجور وغيره، والخبائث الأفعال المذمومة والخصال الردية، وقد وقع في رواية الترمذي وغيره «أعوذ بالله من الخبث والخبيث أو الخبث والخبائث» هكذا على الشك؛ الأول بالإسكان مع الإفراد، والثاني بالتحريك مع الجمع.

والحاصل أن الاستعاذة عند دخول الخلاء إما من ذُكران الشياطين وإناثهم، وإما من الشيء المكروه ومن الشيء المذموم، وفي التعبير بلفظة كان دلالة على الثبوت والدوام وبلفظ المضارع في يقول استحضار لصورة القول.

وفي الحديث استحباب الاستعاذة بالله عند إرادة الدخول في الخلاء، وقد أُجمِع على استحبابها سواء فيها البنيان والصحراء؛ لأنه يصير مأوى لهم بخروج الخارج، فلو نسى التعوذ فدخل فذهب ابن عباس إلى كراهة التعوُّذ، وأجازه جماعة منهم ابن عمر رضي الله عنهما.

وقد اختلف في ذكر الله تعالى على الخلاء فروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كره أن يذكر الله تعالى عند الخلاء، وهو قول عطاء ومجاهد والشعبي.

وقال عكرمة لا يذكر الله فيه بلسانه ولكن [3] بقلبه، وأجاز ذلك جماعة من العلماء، وروى ابن وهب أن عبد الله بن عمرو بن العاص كان يذكر الله تعالى في المرحاض، وقال الفربري قلت للشَّعبي أَعْطُسُ وأنا في الخلاء، أَحْمَدُ الله؟ قال لا حتى تخرج، فأتيت النَّخعي فسألته عن

ج 2 ص 35

ذلك فقال لي اِحمدِ الله، فأخبرته بقول الشَّعبي فقال النَّخعي إن الحمد يصعد ولا يهبط، وهو قول ابن سيرين ومالك.

وذكر البخاري رحمه الله في كتاب «خلق أفعال العباد» عن عطاء رحمه الله الخَاتمُ فيه ذِكْرُ الله لا بأس أن يدخل به الإنسان الكَنيف، أو يُلمَّ بأهله وهو قول الحسن، وذكر وكيع عن سعيد بن المسيَّب مثله.

وقال طاوس في المِنْطَقة تكون على الرجل فيها الدراهم يقضي حاجته لا بأس بذلك، وقال إبراهيم لابُدَّ للناس من نفقاتهم وأحب بعض الناس أن لا يدخل الخلاء بالخَاتم فيه ذكر الله، قال البخاري وهذا من غير تحريم. انتهى.

وأما ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أَقبَلَ من نحو بئر جَمَل فلقيه رجل فسلَّم عليه فلم يردَّ عليه السلام حتَّى تيمَّم بالجدار، فهو على الأخذ بالاحتياط والفضل؛ لأنه ليس من شرط رد السلام أن يكون على وضوء، قاله الطَّحاوي.

وقال الطَّبري إن ذلك كان منه على وجه التأديب للمُسلِّم عليه بأن لا يُسلِّم بعضُهم على بعض على الحدث، وذلك نظير نهيه، وهم كذلك، أن يُحدِّث بعضُهم بعضًا بقوله «لا يتحدث المتغوطان على طوفهما يعني حاجتهما فإن الله يَمْقُت على ذلك» .

وروى أبو عبيدة الباجي عن الحسن، عن البراء رضي الله عنه «أنَّه سلم على النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وهو يتوضأ فلم يرد عليه شيئًا حتى فرغ» ، ثمَّ إنه قد اختلف في الاستعاذة ألفاظُ الرواة ففي رواية عن شعبة أعوذ بالله، وفي رواية وهيب «فليتعوذ بالله» ، وهو يشمل أنواع الاستعاذة من قوله أعوذ بك، أستعيذ بك [4] ، أعوذ بالله، أستعيذ بالله، اللهم إني أعوذ بك وأشباه ذلك، قالوا ويستحبُّ أن يقول بسم الله مع التعوذ فقد روى المعمري هذا الحديث من طريق عبد العزيز بن المختار، عن عبد العزيز بن صُهيب بإسنادٍ على شرط مسلم بلفظ الأمر قال «إذا دخلتُم الخلاء فقولوا بسم الله، أعوذ بالله من الخبث والخبائث» .

وفي كتاب ابن عَديِّ كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل الكنيف قال «بسم الله، ثمَّ يقول اللهم إني أعوذ بك» . قال ورواه أبو معشر،

ج 2 ص 36

ففي هذه الرواية زيادة البسملة وظاهر ذلك تأخير التعوذ عن البسملة وبه صرَّح جماعة؛ لأنه ليس للقراءة كما قاله في (( المجموع ) )، ثمَّ إن النبي صلى الله عليه وسلم إنما كان يستعيذ إظهارًا للعبودية وتعليمًا للأمة، وإلا فهو صلى الله عليه وسلم محفوظ من الجن والإنس، وقد ربط عفريتًا على سارية من سواري المسجد.

(تَابَعَهُ ابْنُ عَرْعَرَةَ) بفتح المهملتين وبالراء المكررة اسمه محمد، وقد مر في باب خوف المؤمن أن يحبط عمله [خ¦48] ؛ أي تابع آدمَ بنَ أبي إياس محمدُ بن عرعرة في روايته هذا الحديث، (عَنْ شُعْبَةَ) ؛ يعني أن محمد بن عرعرة روى هذا الحديث عن شعبة كما رواه آدم عنه، وهذه هي المتابعة التامة وفائدتها التَقْوِية، وحديث محمد بن عرعرة أخرجه البخاري في الدعوات [خ¦6322] موصولًا قال حدثنا محمد بن عرعرة [5] حدثنا شعبة، عن عبد العزيز بن صهيب، عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل الخلاء قال «اللَّهم إني أعوذ بك من الخُبث والخبائث» .

(وَقَالَ غُنْدَرٌ) بضم الغين المعجمة وسكون النون وفتح الدال المهملة على المشهور، وبالراء ومعناه المُشَغِّب، وهو لقب محمد بن جعفر البصري ربيب شعبة، وقد مرَّ في بابٌ ظلمٌ دون ظلم [خ¦32] .

(عَنْ شُعْبَةَ إِذَا أَتَى الْخَلاَءَ) وهذا التعليق وصله البزَّار في (( مسنده ) )عن محمد بن بشار بُنْدَار، عن غُنْدَر، عن شعبة بلفظه، ورواه أحمد، عن غندر بلفظ «إذا دخل» ، وهذا استشهاد لا متابعة كما لا يخفى.

(وَقَالَ مُوسَى) هو ابن إسماعيل التَّبُوذَكيُّ، وقد مرَّ غير مرة [خ¦5] (عَنْ حَمَّادٍ) بالمهملة وبالميم المشددة، هو ابن سلمة بن دينار أبو سلمة الرَّبَعِيُّ [خ¦84] [خ¦86] وكان يُعدُّ من الأبدال، وعلامة الأبدال لا يولد لهم، تزوج سبعين امرأة فلم يولد له، وقيل فَضْلُ حمَّاد بن سلمة بن دينار على حماد بن زيد بن دِرْهم كفضلِ الدينار على الدرهم، مات سنة سبع وستين ومئة، روى له جماعة.

(إِذَا دَخَلَ) الخلاء، وهذا التعليق وصله البيهقي

ج 2 ص 37

باللَّفظ المذكور، وهذه المتابعة ناقصة لا تامة (وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ) ابنُ درهم أبو الحسن الجَهْضَمي البصري، أخو حماد بن زيد بن درهم وبعضهم يُضعِّفه، وما روى له البخاري إلا استشهادًا، مات سنة وفاة ابن سَلَمة.

(حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ) بن صُهيب (إِذَا أَرَادَ أَنْ يَدْخُلَ) وهذا التَّعليق وصله البخاري رحمه الله في (( الأدب المفرد ) )قال حدثنا أبو النعمان، قال حدثنا سعيد بن زيد، قال حدثنا عبد العزيز بن صهيب، قال حدثني أنس رضي الله عنه قال «كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يدخل الخلاء قال» ، فذكر مثل حديث الكتاب.

فاعلم أنَّ هذه الروايات وإن كانت مختلفة الألفاظ، لكن معانيها متقاربة تُرجِعُ إلى معنىً واحد وهو أنَّه صلى الله عليه وسلم كان يقول هذا عند إرادة الدخول في الخلاء لا بعده، وجاء لفظ الغائط موضع الخلاء أيضًا على ما رواه الإسماعيلي في (( معجمه ) )بسندٍ جيد عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل الغائط قال «أعوذ بالله من الخبث والخبائث» ، وكذا جاء لفظ الكنيف ولفظ المِرفَق.

فالأول في حديث علي رضي الله عنه بسند صحيح، وإن كان أبو عيسى قال إسناده ليس بالقوي مرفوعًا «سَتْرُ ما بين الجنِّ وعورات بني آدم إذا دخل الكنيف أن يقول بسم الله» .

والثاني في حديث أبي أُمامة عند ابن ماجه مرفوعًا «لا يعجز أحدكم إذا دخل مِرْفَقَه أن يقول اللَّهم إني أعوذ بك من الرِّجْسِ النَّجِس الخبيث المُخْبِث الشيطان الرجيم» وسنده ضعيف.

ولم يذكر المؤلِّف رحمه الله ما يقول بعد الخروج منه؛ لأنَّه ليس فيه شيء على شرطه، وقد روى ابن حبان وابن خزيمة وابن الجارود والحاكم في (( صحيحهم ) )عن عائشة رضي الله عنها كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خرج من الغائط قال «غفرانك» .

وقال أبو حاتم الرازي وهو أصح شيء في هذا الباب، وروى ابن ماجه عن أنس رضي الله عنه أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم

ج 2 ص 38

إذا خرج من الخلاء قال «الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني» ، وأخرج النسائي عن أبي ذر مثله.

وروى الدَّارقطني عن ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعًا «الحمد لله الذي أخرج عني ما يؤذيني وأمسك عليَّ ما ينفعني» .

وذكر ابن الجوزي في (( العلل ) )عن سهل بن أبي خَيْثَمة مثله، وروى الدَّارقطني أيضًا عن ابن عمر رضي الله عنهما مرفوعًا «الحمد لله الذي أذاقني لَذَّته، وأبقى علي قوَّته، وأذهب عني أذاه» .

فإن قيل ما الحكمة في قوله غفرانك إذا خرج من الخلاء؟

فالجواب أنه إنَّما يستغفر من تَرْكِهِ ذكر الله تعالى مُدَّة لبثه في الخلاء أو خوفًا أن لا يؤدي شكرَ النِّعمة الَّتي أنعم الله عليه؛ إذ أطْعَمَه وهَضمه وأخرج عنه ما يؤذيه والله أعلم. هذا، وفي رواية ابن عساكر بعد ذكر الحديث يعني بسكون الموحدة.

[1] (( فيما ) )ليست في (خ) .

[2] أي العيني في العمدة.

[3] في (خ) (( بل ) ).

[4] (( أستعيذ بك ) )ليست في (خ) .

[5] قوله (( أخرجه البخاري في (( الدعوات ) )موصولًا قال حدثنا محمد بن عرعرة )) ليس في (خ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت