6992 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ) محمَّدُ بنُ أسماء بن عبيد الضَّبعيُّ، قال (حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَة) أي ابن أسماء، وهو عمُّ السَّابق (عَنْ مَالِكٍ) الإمام (عَنِ الزُّهْرِيِّ) ابن شهاب (أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ وَأَبَا عُبَيْدٍ) بضمّ العين مصغّرًا، اسمه سعد بن عبيد، مولى عبد الرَّحمن بن الأزهر بن عوف (أَخْبَرَاهُ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) أنَّه (قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَوْ لَبِثْتُ فِي السِّجْنِ مَا لَبِثَ يُوسُفُ) أي مدَّة لبثه عليه السَّلام (ثُمَّ أَتَانِي الدَّاعِي) من الملك يأتوني إليه (لأَجَبْتُهُ) أي لأسرعت في الإجابة ولبادرت إليه ولا اشترطت شرطًا لإخراجي، وقد كان يوسف عليه السَّلام لمَّا أتاه الدَّاعي يدعوه إلى المَلِك، {قال ارجع إلى ربِّك فاسأله ما بال النِّسوة اللَّاتي قطَّعن أيديهنَّ} ، وفي هذا من التَّنويه لشرف يوسف عليه السَّلام وعلوِّ قدره وصبره ما لا يخفى.
وعند عبد الرَّزاق عن عكرمة، قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( لقد عجبت من يوسف وصبرهِ وكرمه، والله يغفرُ له، حين سُئل عن البقراتِ العجاف والسِّمان، ولو كنت مكانه ما أجبتهم حتَّى أشترطَ أن يخرجوني، ولقد عجبتُ من يوسف وصبره وكرمهِ والله يغفرُ له، حين أتاه الرَّسول ولو كنت مكانه لبادرتهم الباب، ولكنَّه أرادَ أن يكون له العذر ) )، هذا حديثٌ مرسلٌ.
فإن قيل إن ثبتَ أنَّه صلى الله عليه وسلم إنَّما ذكر هذا الكلام على جهةِ المدح ليوسف عليه السَّلام فما باله يذهبُ هو بنفسه
ج 29 ص 236
عن حالةٍ قد مَدح بها غيره؟ فالجواب أنَّه صلى الله عليه وسلم إنَّما أخذ لنفسه الشَّريفة وجهًا آخر من الرَّأي له وجهٌ أيضًا من الجودة؛ أي لو كنت أنا لبادرتُ الخروج ثمَّ حاولت بيان عذري بعد ذلك، وذلك أنَّ هذه القصص والنَّوازل إنَّما هي معرضة ليقتدي النَّاس بها إلى يوم القيامة، فأرادَ صلى الله عليه وسلم حمل النَّاس على الأحزم من الأمور، وذلك أنَّ التَّعمق في مثل هذه النَّازلة التَّارك فرصة الخروج من ذلك السِّجن ربَّما يفتح له ذلك من البقاء في سجنه وإن كان يوسف عليه السَّلام أمن من ذلك بعلمهِ من الله فغيره من النَّاس لا يأمن ذلك، فالحالة الَّتي ذهبَ إليه نبيُّنا صلى الله عليه وسلم حالة حزمٍ ومصلحة، وما فعله يوسف عليه السَّلام صبرٌ عظيم، ولا يلزم من ذلك تفضيل يوسف عليه السَّلام على نبيِّنا صلى الله عليه وسلم، على أنَّه يمكن أن يقال قاله صلى الله عليه وسلم تواضعًا.
وقال بعضُهم خشي يوسف عليه السَّلام أن يخرجَ من السِّجن فينال من الملك مرتبةً ويسكت عن أمر دينهِ صفحًا فيراه النَّاس بتلك المنزلة، ويقولون هذا الَّذي راود امرأة العزيز، فأراد أن يبيِّن براءته وتحقق منزلته من العفَّة.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرةٌ، وكذا مطابقة التَّرجمة للآيات، وقد سبق الحديث في (( التَّفسير ) ) [خ¦4537] ، و (( أحاديث الأنبياء ) ) [خ¦3387] .