1496 - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ) وفي رواية أبي ذر قال (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ) هو ابن المبارك، قال (أَخْبَرَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ إِسْحَاقَ) المكيُّ (عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَيْفِي) بفتح الصاد المهملة وسكون المثناة التحتية وكسر الفاء، نسبة إلى ضدِّ الشتاء، وفي رواية وكيع عن زكرياء حدَّثني يحيى. أخرجه مسلم هكذا.
(عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ)
ج 7 ص 306
نافد بالنون والفاء والدال المهملة أو المعجمة (مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ) وفي رواية إسماعيل بن أمية عن يحيى أنه سمع أبا معبد يقول سمعتُ ابن عباس رضي الله عنهما يقول. أخرجه المؤلِّف هكذا في التَّوحيد [خ¦7372] .
(قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ لِمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ حِينَ بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ) واليًا كما عند الغساني والعسكري، أو قاضيًا كما عند ابن عبد البر، ثمَّ إنه هكذا وقع عند جميع الطُّرق إلا ما أخرجه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة وأبي كريب وإسحاق بن إبراهيم ثلاثتهم، عن وكيع فقال فيه عن ابن عباس، عن معاذ بن جبل قال بعثني رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
فعلى هذا فهو من مسند معاذ، وعلى سائر الرِّوايات كما في رواية المؤلِّف أنَّه من مسند ابن عبَّاس رضي الله عنهما فقد أخرجه التِّرمذي وإسحاق بن إبراهيم بن راهويه وأبو داود وابن خُزيمة والدَّرقطني وإسحاق بن إبراهيم البغوي كلُّهم عن وكيع كذلك، فإن ثبتَتْ رواية أبي بكر فهو من مرسل ابن عبَّاس رضي الله عنهما، لكن لا يستبعدُ حضور ابن عبَّاس لذلك؛ لأنه كان في أواخر حياة النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فهو إذ ذاك مع أبويه بالمدينة، فكان بعث معاذ رضي الله عنه إلى اليمن سنة عشر قبل حجِّ النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كما ذكره المؤلِّف في أواخر المغازي [خ¦4347] .
وقيل كان ذلك في آخر سنة تسع عند منصرفه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من تبوك، رواه الواقدي بإسناده إلى كعب بن مالك.
وأخرجه ابن سعد في «الطبقات» عنه، ثمَّ حكى ابن سعد أنَّه كان في ربيع الآخر سنة عشر وقيل بعثه عام الفتح سنة ثمان، واتَّفقوا على أنه لم يزل على اليمن إلى أن قدم في عهد أبي بكر رضي الله عنه ثم توجَّه إلى الشام فمات بها رضي الله عنه.
(إِنَّكَ سَتَأْتِي قَوْمًا أَهْلَ كِتَابٍ) بنصب أهل بدلًا من قومًا، أو صفة ولا وجه لنفي كونه صفة، كما نفاه الكِرمانيُّ، وتبعه العيني إلا أن تثبتَ رواية باللام، كما في رواية الحمُّويي والمُسْتَمْلي، فتأمل.
وهذا كالتَّوطئة للوصية ليُقَوِّيَ همَّته عليها؛ لكون أهل الكتاب أهل علم في الجملة، فلا تكون العناية في مخاطبتهم كمخاطبة الجُّهال من عبدة الأوثان، وليس فيه أنَّ جميع من يقدم عليهم من أهل الكتاب، بل يجوزُ أن يكون فيهم من غيرهم، وإنما خصَّهم بالذِّكر تفضيلًا لهم على غيرهم.
(فَإِذَا جِئْتَهُمْ) عبَّر بإذا دون إن تفاؤلًا بالوصول إليهم(فَادْعُهُمْ إِلَى أَنْ يَشْهَدُوا أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ
ج 7 ص 307
وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ)كذا في رواية الأكثر، وتقدم في أول الزكاة بلفظ (( وأَني رسول الله ) ) [خ¦1395] ، وفي رواية روح عن إسماعيل بن أميَّة (( فأوَّل ما تدعوهُم إليه عبادة الله، فإذا عرفوا الله ) ). وفي رواية الفضل بن العلاء (( إلى أن يوحدوا الله، فإذا عرفوا ذلك ) )ويجمع بينهما بأنَّ المراد بعبادة الله توحيده، وبتوحيده الشَّهادة له بذلك ولنبيه بالرِّسالة، وبدأ بهما لأنهما أصل الدِّين الذي لا يصحُّ شيء غيرهما إلا بهما، فمن كان منهم غير موحد فالمطالبة متوجهة إليه بكلِّ واحدة من الشَّهادتين على التَّعيين، ومن كان موحدًا فالمطالبة له بالجمع بين الإقرار بالوحدانية والإقرار بالرِّسالة، وإن كانوا يعتقدون ما يقتضي الاشتراك أو يستلزمه كمن يقول بنبوُّة عُزَيْر أو يعتقد التَّشبيه فتكون مطالبتهم بالتَّوحيد لنفي ما يلزم من عقائدهم.
واستدل به من قال من العلماء إنَّه لا يشترط التبرِّي من كلِّ دين يخالفُ دين الإسلام، خلافًا لمن قال إن من كان كافرًا بشيءٍ وهو مؤمن بغيره لم يدخلْ في الإسلام إلا بترك اعتقاد ما كفرَ بسببه.
وأُجيب عنه بأنَّ اعتقاد الشَّهادتين يستلزم ترك اعتقاد التَّشبيه ودعوى نبوُّة عزير وغيره، فيُكْتَفَى بذلك.
واستُدِلَّ به أيضًا على أنَّه لا يكفي في الإسلام الاقتصارُ على شهادة أن لا إله إلا الله حتى يضيفَ إليها الشَّهادة لمحمد بالرِّسالة، وهو قولُ الجمهور.
وقال بعضُهم يصير بالأولى مسلمًا ويطالب بالثانية، وفائدتُه تظهرُ في الحكم بالرِّدة، هذا، وحكى ابن إسحاق في أوائل «السيرة النبوية» أنه كان أصل دخول اليهوديَّة في اليمن في زمن أسعد أبي كرب وهو تبَّع الأصغر.
وقال ابنُ العربي في «شرح الترمذي» تبرَّأت اليهود في هذه الأزمان من القول بأنَّ عُزيرًا ابن الله وهذا لا يمنع كونه كان موجودًا في زمن النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لأنَّ ذلك نزل في زمنه واليهود معه بالمدينة وغيرها، فلم ينقل عن أحد منهم أنه ردَّ ذلك ولا تعقبه.
والظاهر أنَّ القائل بذلك طائفةٌ منهم لا جميعهم بدليل أنَّ القائل من النَّصارى بأن المسيح ابن الله طائفة منهم لا جميعهم، فيجوز أن تكون تلك الطَّائفة انقرضتْ في هذه الأزمان، كما انقلب اعتقاد معظم اليهود عن التَّشبيه إلى التَّعطيل، وتحول معتقدُ النصارى في الابن والأب
ج 7 ص 308
إلى أنه من الأمور المعنوية لا الحسية، فسبحان مقلِّب القلوب.
(فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا) أي شهدوا وانقادوا (لَكَ بِذَلِكَ) وعدِّي باللام، وإن كان يتعدى بنفسه، لتضمينه معنى انقادوا، وفي رواية ابن خزيمة (( فإن هم أجابوا لذلك ) )وفي رواية الفضل بن العلاء (( فإذا عرفوا ذلك ) ).
واستُدل به على أنَّ أهل الكتاب ليسوا بعارفين، وإن كانوا يعبدون الله، ويُظْهِرون معرفتَه، وقال حذَّاق المتكلمين ما عرف الله من شبَّهه بخلقه أو أضاف إليه النِّد أو أضاف إليه الولد، فمعبودهم الذي عبدوه ليس هو الله، وإنما سمَّوه به.
واستُدل به أيضًا على أنَّ الكفار غير مخاطبين بالفروع حيث دعوا أولًا إلى الإيمان فقط ثمَّ دُعوا إلى العمل، ورتب ذلك عليها بالفاء وأيضًا فإن قوله فإن هم أطاعوا فأخْبِرْهم، يُفْهم منه أنهم لو لم يطيعوا لم يجبْ عليه شيء، وفيه نظرٌ؛ لأن مفهوم الشرط مختلف في الاحتجاج به.
وأجاب بعضُهم عن الأول بأنه استدلالٌ ضعيف؛ لأنَّ الترتيب في الدَّعوة لا يستلزم الترتيب في الوجوب كما أنَّ الصَّلاة والزكاة لا ترتيب بينهما في الوجوب وقد قدِّمت إحداهما على الأُخرى في هذا الحديث، ورتبت الأخرى عليها بالفاء، ولا يلزم من عدم الإتيان بالصَّلاة إسقاط الزكاة.
وقيل الحكمة في ترتيب الزكاة على الصَّلاة أن الذي يقر بالتَّوحيد ويجحد الصَّلاة يكفر بذلك فيصير ماله فيئًا فلا تنفعه الزكاة.
وقد أحسنَ الخطَّابي حيث قال إنَّ ذِكْرَ الصَّدقةِ أُخِّرَ عن ذِكْرِ الصلاة؛ لأنها إنما تجبُ على قوم دون قومٍ، وأنها لا تتكرَّر تكرُّر الصَّلاة، فهو حسنٌ، وتمامُه أن يقال بدأَ بالأهم فالأهم، وذلك من التَّلطُّف في الخطاب؛ لأنَّه لو طالبهم بالجميع أوَّل مرَّة لم يأمن النَّفرة.
(فَأخْبِرْهُمْ) أمر من الإخبار (أنَّ اللهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ) استُدل به على أنَّ الوتر ليس بفرضٍ، وقد تقدَّم البحث فيه [خ¦990 قبله وما بعده] (فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ) قال ابنُ دقيق العيد يحتملُ وجهين أحدهما أن يكون المراد إقرارهم بوجوبها عليهم والتزامهم لها، والثَّاني أن يكون المراد الطَّاعة بالفعل، ويرجِّح الأول بأن المذكور هو الإخبار بالفرضية فتعود الإشارة بذلك إليها، ويرجِّح الثاني بأنهم لو أخبروا بالفرضيَّة فبادروا إلى الامتثال بالفعل لكفى
ج 7 ص 309
ولم يشترط التَّلفظ؛ بخلاف الشَّهادتين فالشَّرط عدم الإنكار والإذعان للوجوب. انتهى.
والظَّاهر أنَّ المراد هو القدر المشترك بين الأمرين؛ فمن امتثلَ بالإقرار أو بالفعل كفاهُ أو بهما فأولى، وقد وقع في رواية الفضل بن العلاء بعد ذكر الصَّلاة (( فإذا صلوا ) )وبعد ذكر الزكاة (( فإذا أقروا بذلك فخذ منهم ) ).
(فَأخْبِرْهُمْ أنَّ اللهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً) في أموالهم، كما تقدَّم في رواية أبي عاصم، عن زكرياء في أوَّل الزكاة [خ¦1395] (تُؤْخَذُ مِنْ أغْنِيائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ) استُدل به على أنَّ الإمام هو الذي يتولى قبضَ الزكاة وصرفها إمَّا بنفسه وإمَّا بنائبه، فمَن امتنعَ منها أُخِذَتْ منه قهرًا.
واستُدلَّ به أيضًا لقول مالك وغيره أنَّه يكفي إخراج الزكاة في صنفٍ واحدٍ، وفيه بحثٌ كما قال ابنُ دقيق العيد لاحتمال أن يكون ذِكْرُ الفقراء لكونهم الغالب في ذلك وللمطابقة بينهم وبين الأغنياء.
وقال الخطَّابي وقد يُسْتَدلُّ به على من لا يرى على المديون زكاة ما في يدهِ إذا لم يفضل من الدين الذي عليه قدر نصابٍ؛ لأنه ليس بغني إذا كان ماله مستحقًا لغرمائه.
(فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ، فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ) بنصب كرائم بفعل مضمرٍ لا يجوز إظهاره للقرينة الدَّالة عليه ولطولِ الكلام، ولأنَّ مثل هذا يقال عند تشديدِ الخوف.
وقال ابنُ قتيبة ولا يجوز حذف الواو. انتهى.
ووجهه أنها حرف عطف فلو حذف لاختلَّ الكلام، والكرائم جمع كَرِيمة بمعنى نَفِيسة، والمراد هي العزيزة عند ربِّ المال إمَّا باعتبار كونها أكولة؛ أي مسمنة للأكل أو رُبَّا بضم الراء وتشديد الموحدة؛ أي قريبة العهد بالولادة.
وقال الأزهريُّ إلى خمسة عشر يومًا من ولادتها، والمراد ترك أخذ خيار المال، وذلك أن الزكاة لمواساة الفقراء، فلا يناسب الإجحاف بمال الأغنياء إلا إن رضوا بذلك.
(وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ) أي تجنب جميع أنواع الظُّلم لئلا يدعو عليك المظلوم، وإنما ذكره عقب المنع من أخذ الكرائم للإشارة إلى أنَّ أخذها ظلم، وإنما عمَّم الكلام إشارة إلى التحرز عن جميع أنواع الظلم (فَإِنَّهُ) أي الشأن (لَيْسَ بَيْنَهُ) أي المظلوم، وفي رواية ؛ أي دعوة المظلوم.
(وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ) أي ليس لها صارف يصرفها ولا مانع يمنعها، والمراد أنها مقبولة وإن كان عاصيًا، كما جاء في حديث أبي هريرة رضي الله عنه عند أحمد مرفوعًا (( دعوة المظلوم مستجابة، وإن كان فاجرًا ففجُوره على نفسه ) )وإسناده حسنٌ، وليس المراد
ج 7 ص 310
أنَّ لله حجابًا يحجبه عن الناس.
وقال الطِّيبي قوله (( اتق دعوة المظلوم ) )تذييلٌ لاشتماله على الظُّلم الخاص من أخذ الكرائم وعلى غيره، وقوله فإنه ليس بينه وبين الله حجاب تعليلٌ للاتقاء، وتمثيلٌ للدُّعاء كمن يقصد دار السُّلطان متظلمًا فلا يحجب.
وقال ابن العربي إلا أنَّه، وإن كان مطلقًا، فهو مقيَّد بالحديث الآخر أنَّ الداعي على ثلاث مراتب إما أن يُعَجَّل له ما طلب، وإما أن يُدَّخَر له أفضل منه، وإما أن يُدْفَعَ عنه من السُّوء مثله، وهذا كما قيد مطلق قوله تعالى {أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ} الآية [النمل 62] بقوله تعالى {فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ} الآية [الأنعام 41] .
وفي الحديث عظة للإمام وتخويفه من الظُّلم، والظلم محرَّم في كلِّ شريعة، وقد جاء أنَّ دعوة المظلوم لا تردُّ وإن كانت من كافر، وذلك أنَّ الرَّب تعالى لا يرضى ظلم الكافر، كما لا يرضى ظلم المؤمن، وأخبر تعالى أنَّه لا يظلم الناس شيئًا، فدخل في عموم هذا اللَّفظ جميع الناس من مؤمنٍ وكافرٍ.
وقد تقدَّم حديث أبي هريرة رضي الله عنه عند أحمد آنفًا.
وحذَّر صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ معاذًا من الظُّلم مع علمهِ وفضلهِ وورعهِ وأنَّه من أهل بدرٍ، وقد شَهِدَ له بالجنة، غير أنَّه لا يأمن أحدًا بل يشعر نفسُه بالخوف.
وفي الحديث أيضًا الدُّعاء إلى التَّوحيد قبل القتال، وتوصية الإمام عامله فيما يحتاج إليه من الأحكام وغيرها.
وفيه بعث السُّعاة لأخذ الزكاة، وقبول خبر الواحد، ووجوب العمل به، وإيجاب الزكاة في مال الصَّبي والمجنون لعموم قوله «من أغنيائهم» ، قاله القاضي عياض، وفيه بحث.
وقد تقدَّم فيما سبق أنَّه لا تجب الزكاة على المجنون والصَّبي عند الحنفية وأنَّ الزكاة لا تدفع إلى الكافر لعود الضمير في فقرائهم إلى المسلمين، سواء قلنا بخصوص البلد أو العموم، وأنَّ الفقير لا زكاة عليه. وأنَّ من ملك نصابًا لا يعطى من الزكاة من حيث إنَّه جعل المأخوذ منه غنيًا وقابله بالفقير ومن ملك النصاب، فالزكاة مأخوذةٌ منه فهو غني، والغنى مانع من إعطاء الزكاة إلَّا ما استثنى.
وقال البغويُّ وفيه أنَّ المال إذا تلف قبل التَّمكن من الأداء سقطتِ الزكاة لإضافة الصَّدقة إلى المال، قيل وفيه نظر.
تتمَّة لم يقعْ في هذا الحديث ذكر الصَّوم والحج مع أنَّ بعث معاذ رضي الله عنه كما تقدَّم كان في أواخر الأمر.
وأجاب عنه ابن الصَّلاح بأن ذلك تقصير من بعض الرُّواة وتُعُقِّب بأنه يفضي إلى ارتفاع الوثوق بكثير من الأحاديث النَّبوية؛ لاحتمال الزِّيادة والنُّقصان.
وأجاب الكِرمانيُّ بأنَّ اهتمام الشَّارع
ج 7 ص 311
بالصَّلاة والزكاة أكثر؛ ولهذا كُرِّرا في القرآن، فمن ثمَّة لم يذكر الصَّوم والحج في هذا الحديث، مع أنهما من أركان الإسلام أيضًا، والسِّرُّ في ذلك أنَّ الصلاة والزكاة إذا وجبتا على المكلَّف لا تسقطان عنه أصلًا؛ بخلاف الصَّوم فإنَّه قد يسقطُ بالفدية وبخلاف الحجِّ فإن الغير قد يقوم مقامه، ويحتمل أنَّه حينئذٍ لم يكن شرع. انتهى.
وقال شيخ الإسلام البُلْقيني إذا كان الكلام في بيان الأركان لم يخل الشَّارع منه بشيء كحديث ابن عمر رضي الله عنهما (( بني الإسلام على خمس ) )فإذا كان في الدعاء إلى الإسلام اكتفى بالأركان الثلاثة الشهادة والصلاة والزكاة ولو كان بعد وجود فرض الصَّوم والحج كقوله تعالى {فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ} الآية [التوبة 5] في موضعين من براءة مع أن نزولها بعد فرض الصوم والحج قطعًا، وحديث ابن عمر رضي الله عنهما أيضًا (( أُمِرت أن أقاتلَ النَّاس حتى يَشْهدوا أن لا إله إلَّا الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة ) )، وغير ذلك من الأحاديث.
قال والحكمة في ذلك أنَّ الأركان الخمسة اعتقادي وهو الشَّهادة، وبدنيِّ وهو الصلاة، ومالي وهو الزكاة، فاقتصرَ في الدُّعاء إلى الإسلام عليها لتفرع الركنين الأخيرين عليها، فإن الصَّوم بدني محضٌ، والحجُّ بدني مالي، وأيضًا فإن كلمة الإسلام هي الأصل، وهي شاقَّة على الكفَّار، والصَّلوات شاقَّة لتكررها، والزكاة شاقَّة لما في جبلَّة الإنسان من حبِّ المال، فإذا أذعنَ المرء لهذه الثَّلاثة كان ما سواها أسهلُ عليه بالنسبة إليها، والله أعلم، وهذا الحديث قد مر في أول باب وجوب الزكاة [خ¦1395] .