فهرس الكتاب

الصفحة 6520 من 11127

4538 - (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ) هو ابنُ موسى الفرَّاء، قال (أَخْبَرَنَا هِشَامٌ) هو ابنُ يوسف الصَّنعاني (عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ) هو عبدُ العزيز بن عبد الملك بن جُريج بجيمين مصغَّرًا، أنَّه قال (سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي مُلَيْكَةَ يُحَدِّثُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما (قَالَ) أي ابن جُريج (وَسَمِعْتُ أَخَاهُ أَبَا بَكْرِ بْنَ أَبِي مُلَيْكَةَ) قال الحافظُ العسقلاني لا يُعرف اسمه، وقال الكرماني وأخوه عبد الله أيضًا يكنى بأبي بكر تارةً، ويكنى بأبي محمد (يُحَدِّثُ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ) بصيغة التَّصغير فيهما، هو أبو عاصم اللَّيثي المكِّي، ولد في زمن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

ج 19 ص 150

وسماعه من عمر رضي الله عنه صحيحٌ، وقد بيَّن الإسماعيليُّ والطَّبري من طريق ابنِ المبارك عن ابن جُريجٍ أنَّ سيَّاق الحديث له، فإنَّه ساقَه على لفظه، ثمَّ عقبه برواية ابن جريجٍ عن ابن أبي مُليكة عن ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما، به.

(قَالَ قَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ يَوْمًا لأَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَ) أي في أيِّ شيءٍ أصله فيما (تُرَوْنَ) بضم أوله؛ أي تظنُّون ويُروى بفتح أوله؛ أي تعلمون (هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ {أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ} [البقرة 266] ؟ قَالُوا اللَّهُ أَعْلَمُ، فَغَضِبَ عُمَرُ) رضي الله عنه، فإن قيل ما وجه غضبهِ مع كونهم وكَّلوا الأمر إلى الله تعالى؟ أُجيب بأنَّه سألهم عن تعيين ما عندهم في نزول الآية ظنًّا أو علمًا على اختلاف الرِّوايتين، فأجابوا بجوابٍ يصلح صدوره من العالم بالشَّيء والجاهل به، فلم يحصل المقصود.

(فَقَالَ) أي عمر رضي الله عنه (قُولُوا نَعْلَمُ أَوْ لاَ نَعْلَمُ) ليُعرف ما عندكم (فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما (فِي نَفْسِي مِنْهَا شَيْءٌ) أي من العلم به (يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَ) وفي الفرع كأصله بالفاء (عُمَرُ) رضي الله عنه له (يَا ابْنَ أَخِي قُلْ وَلاَ تَحْقِرْ) بفتح الفوقية وسكون الحاء وكسر القاف (نَفْسَكَ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما (ضُرِبَتْ مَثَلًا) بفتحتين، قال أهل البلاغة التَّشبيه التَّمثيلي متى فشا استعماله على سبيل الاستعارة يُسمَّى مثلًا (لِعَمَلٍ، قَالَ عُمَرُ) رضي الله عنه (أَيُّ عَمَلٍ) برفع «أي» وجرها (قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما (لِعَمَلٍ) وفي الفرع (قَالَ عُمَرُ) رضي الله عنه (لِرَجُلٍ غَنِيٍّ) اسمٌ في مقابل الفقير، ويُروى من العناية على البناء للمفعول (يَعْمَلُ بِطَاعَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، ثُمَّ بَعَثَ اللَّهُ لَهُ الشَّيْطَانَ، فَعَمِلَ بِالْمَعَاصِي حَتَّى أَغْرَقَ) بالغين المعجمة (أَعْمَالَهُ) أي أضاع الصَّالحة بما ارتكب من المعاصي، واحتاج إلى شيءٍ من الطَّاعات في أهمِّ أحواله فلم يحصل له منه شيءٌ، وخانه أحوجُ ما كان إليه، ولذا قال {وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ} أي كبر السِّنِّ، فإنَّ الفاقة في الشَّيخوخة أصعب

ج 19 ص 151

{وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ} صغارٌ لا قدرة لهم على الكسب {فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ} أي ريحٌ شديدة {فِيهِ نَارٌ} فأحرقت ثماره، وأبادت أشجاره. وأخرج ابن المنذر هذا الحديث من وجهٍ آخر عن ابن أبي مُليكة وعنده بعد قوله أيُّ عملٍ؟ قال ابن عبَّاس رضي الله عنهما شيءٌ ألقي في روعي فقال صدقت يا ابن أخي، عنى بها العمل ابن آدم أفقر ما يكون إلى جنَّته إذ كبرت سنُّه وكثر عياله، وابن آدم أفقر ما يكون إلى عملهِ يوم يبعث صدقت يا ابن أخي.

ولابن جرير من وجهٍ آخر عن ابن أبي مُليكة عن عمر رضي الله عنه قال هذا مثلٌ ضُرب للإنسان يعمل صالحًا حتَّى إذا كان عند آخر عمره أحوج ما يكون إلى العمل الصَّالح عَمِل عَمَل السُّوء.

ومن طريق عطاء عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما معناه أيودُّ أحدكم أن يعملَ عمره بعمل الخير حتَّى إذا كان حين فني عمرهُ ختم ذلك بعمل أهل الشَّقاء فأفسدَ ذلك.

وضربَ المثل بما ذُكر لكشف المعنى الممثل له، ورفع الحجاب عنه، وأبرزه في صورة المشاهد المحسوس ليساعد فيه الوهم العقل، ويصالحه عليه، فإنَّ المعنى الصَّرف يدركه العقل مع منازعة من الوهم؛ ولذلك شاعت الأمثال في الكتب الإلهيَّة، وفشت في عبارات البلغاء وإشارات الحكماء.

وفي الحديث قوَّة فهم ابن عبَّاس رضي الله عنهما، وقُرب منزلتهِ من عمر رضي الله عنه، وتقديمه له مع صغره، وفيه تحريضُ العالم تلميذه على القول بحضرة من هو أسنُّ منه إذا عرف فيه الأهليَّة لما فيه من تنشيطه وبسط نفسه وترغيبه في العلم، وقيل فيه دليلٌ للمعتزلة في مسألة إحباط الطَّاعة بالمعصية، وردّ بأنَّ الكفر محبطٌ للأعمال بالاتِّفاق، وأمَّا الإغراق في المعاصي فلا يستلزم الإحباط.

ومطابقة الحديث للترجمة ظاهرة، وفي فرع اليونينية كأصله وقع هنا < {فَصِرْهُنَّ} قطعهن>، وسقط ذلك في رواية أبي ذرٍّ وهو الظَّاهر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت