1420 - (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) المنقري قال (حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ) بفتح العين المهملة، الوضَّاح بن عبد الله اليشكري (عَنْ فِرَاسٍ) بكسر الفاء وتخفيف الراء آخره سين مهملة، هو ابن يحيى الخارفي، بالخاء المعجمة والراء والفاء.
(عَنِ الشَّعْبِيِّ) عامر بن شُراحيل (عَنْ مَسْرُوقٍ) هو ابن الأجدع(عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا أَنَّ
ج 7 ص 72
بَعْضَ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُلْنَ)بصيغة جمع المؤنَّث، وقد أخرجهُ النَّسائي فعلن بالفاء، للبعض الغير المعيَّن. وعند ابن حبَّان من طريق يحيى بن حمَّاد، عن أبي عوانة بهذا الإسناد عن عائشة رضي الله عنها قالت فقلت (لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيُّنَا) إنَّما لم يقل أيَّتنا بالتأنيث؛ لأنَّ سيبويه شبَّه تأنيث (أي) بتأنيث (كل) كما في قولهم كلتهن؛ يعني ليست بفصيحة، ذكره الزَّمخشري في سورة لقمان (أَسْرَعُ بِكَ لُحُوقًا) نصب على التَّمييز؛ أي من حيث اللُّحوق بك يعني الموت (قَالَ) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (أَطْوَلُكُنَّ) بالرَّفع على أنه خبر مبتدأ محذوف دلَّ عليه السُّؤال؛ أي أسرعكنَّ لحوقًا بي أطولكنَّ.
(يَدًا) نصب على التَّمييز، وكأنَّ القياس أن يقال طُوْلاكنَّ بوزن فُعْلى؛ لأنَّ في مثله يجوز الإفراد والمطابقة لمن أفعل التَّفضيل له (فَأَخَذُوا قَصَبَةً يَذْرَعُونَهَا) بالذال المعجمة؛ أي يقدِّرونها بذراع كلِّ واحدة كي يعلمن أيُّهنَّ أطول جارحةً، وإنَّما ذكر بلفظ جمع المذكَّر، والقياس ذكر لفظ جمع المؤنَّث بأن يقال فأخذن قصبةً يذرعنَها اعتبارًا لمعنى الجمع لا للفظ جماعة النِّساء، أو عدل إليه تعظيمًا لشأنهنَّ كقوله تعالى {وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ} [التحريم 12] وكقوله
~وإنْ شئتُ حرَّمتُ النِّساءَ سواكُمُ
(فَكَانَتْ سَوْدَةُ) بفتح السين المهملة، وفي رواية ابن سعد، عن عفَّان، عن أبي عوانة بهذا الإسناد سَودة بنتُ زمعة القرشيَّة العامريَّة تزوَّجها رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعد خديجة رضي الله عنها على المشهور (أَطْوَلَهُنَّ يَدًا) من جهةِ المساحة.
(فَعَلِمْنَا بَعْدُ) أي بعد موت أوَّل نسائه، أو بعد أن تقرَّر كون سودة أطولهنَّ يدًا بالمساحة (أَنَّمَا) بفتح الهمزة، لكونه في موضع المفعول لعلمنا (كَانَتْ طُولَ يَدِهَا الصَّدَقَةُ) بنصب طول على أنَّه خبر كانت، وبرفع الصَّدقة على أنَّها اسم كانت؛ أي علمنا أنَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يرد باليد الجارحة وبالطُّول طولها، بل أراد العطاء وكثرته، فاليد هنا استعارةٌ للصَّدقة والطُّول ترشيح لها؛ لأنَّه مُلائم للمستعار منه.
(وَكَانَتْ أَسْرَعَنَا) بالنَّصب (لُحُوقًا بِهِ) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (وَكَانَتْ تُحِبُّ الصَّدَقَةَ) والضَّمير في كانت بحسب الظَّاهر يرجع على سودة. وقد صرَّح البخاري في «تاريخه الصَّغير» في روايته عن موسى بن إسماعيل بهذا الإسناد. فكانت سودة
ج 7 ص 73
أسرعنا إلى آخره.
وكذا أخرجه البيهقي في «الدَّلائل» من طريق العبَّاس الدُّوري، عن موسى، وكذا في رواية عفَّان عند أحمد وابن سعد عنه. قال ابن سعد قال لنا محمَّد بن عمر؛ يعني الواقدي هذا الحديث وُهِلَ في سودة، وإنَّما هو في زينب بنت جحش رضي الله عنهما فهي أوَّل نسائه به لحوقًا، وتوفِّيت في خلافة عمر رضي الله عنه، وبقيت سودة إلى أن توفِّيت في خلافة معاوية رضي الله عنه في شوال سنة أربع وخمسين.
وقال ابن الجوزي هذا الحديث غلط من بعض الرُّواة، والعجب من البخاري كيف لم ينبِّه عليه ولا مَنْ بعده من أصحاب التَّعاليق، ولا عَلِمَ بفساد ذلك الخطَّابي فإنه فسَّره، وقال لحوق سودة به من أعلام النُّبوة وكلُّ ذلك وهم، وإنَّما هي زينب بنت جحشٍ فإنَّها كانت أطولهنَّ يدًا بالمعروف، كما رواه مسلم من طريق عائشة بنت طلحة، عن عائشة رضي الله عنها بلفظ (( فكانت أطولنا يدًا زينب ) )؛ لأنَّها كانت تعمل وتتصدَّق. انتهى.
وقد تلقَّى مُغْلطَاي صاحب «التَّلويح» كلام ابن الجوزي فجزَمَ به ولم ينسبه له، وقد جمع بعضهم بين الرِّوايتين، فقال الطِّيبي يمكن أن يقال فيما رواه البخاري المراد الحاضرات من أزواجه دون زَينب، فكانت سودة أولهنَّ موتًا.
وتعقَّبه الحافظ العسقلاني والعيني بأنَّ في رواية يحيى بن حمَّاد عند ابن حبَّان أنَّ نساء النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اجتمعن عنده لم تغادر منهنَّ واحدة، ثمَّ هو مع ذلك إنَّما يتأتَّى على أحد القولين في وفاة سودة.
فقد روى البخاري في «تاريخه» بإسنادٍ صحيح إلى سعيد بن أبي هلال ماتت سودة في خلافة عمر رضي الله عنه، وجزم الذَّهبي في «التاريخ الكبير» بأنَّها ماتت في آخر خلافة عمر رضي الله عنه. وقال ابن سيِّد الناس إنَّه المشهور، وأما على قول الواقدي الذي تقدَّم ذكره فلا يصحُّ. وأيضًا هذا خلاف ما أطلقه الشَّيخ محيي الدين حيث قال أجمع أهل السِّير على أن زينب أوَّل من مات من أزواجه.
وقال ابن بطَّال هذا الحديث سقط منه ذكر زينب لاتِّفاق أهل السِّير على أن زينب رضي الله عنها أوَّل من مات من أزواج النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. انتهى. ومراده أنَّ الصَّواب وكانت زينب أسرعنا لحوقًا به.
وقال
ج 7 ص 74
الحافظ العسقلاني يعكر على هذا التَّأويل الرِّوايات المصرِّحة بأنَّ الضمير لسودة.
وقال العينيُّ إنَّ ابن بطَّال لم يأوِّل، ولا يقال لمثل ذلك تأويلٌ كما لا يخفى، وما ذكره من الرِّوايات وهي الَّتي ذكرت من البخاري في «تاريخه» والبيهقي وأحمد لا يعارض قول من قال إنَّ منَ مات بعد رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من أزواجه الطَّاهرات زينب لا سودة.
وقال النَّووي أجمع أهل السِّير أن زينب أوَّل نساء رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ موتًا بعده، ويؤيِّد ذلك ما رواه يونس بن بكير في زيادة المغازي، والبيهقي في «الدلائل» بإسناده عنه، عن زكريَّا بن أبي زائدة، عن الشَّعبي من التَّصريح بأنَّ ذلك لزينب، لكن قصر زكريا في إسنادهِ فلم يذكر مسروقًا ولا عائشة رضي الله عنهما، ولفظه قُلْنَ النُّسوةُ لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أيُّنا أسرع بك لحوقًا؟ قال (( أطولُكُنَّ يدًا ) )فأخذن يتذارعن أيَّتهُن أطول يدًا، فلمَّا توفيت زينب عَلِمْن أنَّها كانت أطولهنَّ يدًا في الخير والصَّدقة.
ويؤيِّده أيضًا ما رواه الحاكم في المناقب من «مستدركه» من طريق يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأزواجه (( أسرعكنُّ لُحوقًا بي أطولكنَّ يدًا ) )قالت عائشة رضي الله عنها فكنَّا إذا اجتمعنا في بيت إحدانا بعد وفاة رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نمدُّ أيدينا في الجدار نتطاول، فلم نزل نفعل ذلك حتَّى توفيِّت زينب بنت جحش، وكانت امرأةً قصيرةً ولم تكن أطولنا فعرفنا حينئذٍ أنَّ النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنما أراد بطول اليد الصَّدقة، وكانت زينب امرأةَ صناعةٍ باليد، فكانت تدبُغُ وتخْرُزُ وتتصدَّقُ في سبيل الله. قال الحاكم على شرط مسلم.
وهذه رواية مفسِّرة مبيِّنة مرجِّحة لرواية عائشة بنت طلحة في أمر زينب، وقال الكِرماني لا يخلو إمَّا أن في الحديث اختصارًا أو تلفيقًا؛ يعني اختصر البخاري القصَّة، ونقل القطعة الأخيرة من حديثٍ فيه ذكر زينب؛ فالضَّمائر راجعة إليها، وإمَّا أنه اكتفى بشهرة الحكاية، وعلم أهل هذا الشَّأن بأنَّ الأسرعَ لحوقًا هي زينب رضي الله عنها؛ فتعود الضَّمائر إلى من هي مقرَّرة في أذهانهم، وإمَّا أن يؤوَّل الكلام بأنَّ الضمير راجع إلى المرأة الَّتي عَلِمَ رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
ج 7 ص 75
لحوقَها به أوَّلًا؛ أي علمنا بعد ذلك أنَّها كانت أسرع لحوقًا به، وكانت محبَّة للصَّدقة.
وتعقَّبه العيني بأنَّ ما قاله الكِرماني ليس بسديدٍ، لا من جهة التَّوفيق بين الأخبار، ولا من جهة ما يقتضيه تركيب الكلام، بل هو بعيدٌ جدًا.
وقال الطِّيبي قوله فعلمنا بعد؛ يعني فهمنا ابتداء من قوله (أطولكنَّ يدًا) ظاهرهَ، فأخذنا لذلك قصبة نذرع بها يدًا، لننظر أيُّنا أطول يدًا، فلمَّا فطِنَّا محبَّتها للصدقة، وعلمنا أنَّه، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لم يرد باليد العضو وبالطول طولها، بل أرادَ العطاء وكثرته، أَجْرَيْنَاه على الصَّدقة، فاليد هاهنا استعارةٌ للصدقة، والطُّول ترشيح لها؛ لأنَّه ملائم للمستعار منه، ولو قيل أكثركنَّ لكان تجريدًا لها.
وقال الزَّين ابن المنيِّر وجه الجمع أنَّ قولها فعلمنَا بعد، يشعر إشعارًا قويًا بأنَّهن حملنَ طول اليد على ظاهره، ثمَّ علمنَ بعد ذلك خلافه، وأنَّه كنايةٌ عن كثرة الصَّدقة والذي عَلِمْنه آخرًا خلاف ما اعتقدنْ أولًا، وقد انحصر الثاني في زينب للاتِّفاق على أنَّها أوَّلهن موتًا، فتعيَّن أن تكون هي المرادة، وكذلك بقية الضَّمائر بعد قوله فكانت، واستغنى عن تسميتِها لشهرتها بذلك. انتهى.
وحاصله أنَّه من باب إضمار ما لا يصلح غيره كقوله تعالى {حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ} [ص 32] . وقد ذكر البخاري في «التاريخ» من طريق الشعبيِّ، عن عبد الرَّحمن بن أبزى قال «صلَّيت مع عمر رضي الله عنه على أمِّ المؤمنين زينب بنت جحش رضي الله عنها، وكانت أوَّل نساء النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لحوقًا به» .
وروى ابن سعد من طريق برزة بنت رافعٍ قالت لمَّا خرج العطاء أرسل عمر رضي الله عنه إلى زينب بنت جحش رضي الله عنها الَّذي لها فتعجَّبت وسترته بثوبٍ، وأمرت بتفرقته إلى أن كشفَ الثَّوب، فوجد تحته خمسة وثمانون درهمًا، ثمَّ قالت اللَّهم لا يدركني عطاء لعمر بعد عامِي هذا فماتت، فكانت أوَّل أزواج النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لحوقًا به.
وروى ابنُ أبي خيثمة من طريق القاسم بن معن قال كانت زينبُ أوَّل نساء النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لحوقًا به. فهذه رواياتٌ يعضد بعضها بعضًا، ويحصل من مجموعها أنَّ في رواية أبي عوانة وهمًا، وقال
ج 7 ص 76
ابن دحية هذا الحديث وإن صحَّ إسناده، لكنَّه وهمٌ بلا شكٍّ، وكأنَّه سقط منه ذكر زينب، فإنَّه لا خلاف بين أهل السِّير أنَّها كانت أولهنَّ موتًا، وكذلك أخرجه مسلم، وقال النَّووي إنه الصَّواب، ووقع في البخاري بلفظٍ مُتَعَقِّد يوهم أنَّ أسرعهن لحوقًا سَودة، وهذا الوهمُ باطل بالإجماع. هذا، وقد توفِّيت زينب بنت جحش رضي الله عنها سنة عشرين في خلافة عمر رضي الله عنه، وأمَّا سودة رضي الله عنها فقد ماتت قبل عائشة وبعد غيرها، رضي الله عنهن، سنة أربع وخمسين.
وفي الحديث أنَّ مَن حمل الكلام على ظاهره وحقيقته لم يُلَم، وإن كان مراد المتكلِّم مجازه؛ لأنَّ نسوة النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حملنَ طول اليد على الحقيقة، فلم ينكر عليهنَّ.
وأمَّا ما رواه الطَّبراني في «الأوسط» من طريق يزيد بن الأصمِّ، عن ميمونة رضي الله عنها أنَّ النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال لهن (( ليس ذلك أَعني إنَّما أعني أصنعكنَّ يدًا ) )فهو ضعيفٌ جدًا، ولو كان ثابتًا لم يحتجن بعد النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى ذرع أيديهنَّ كما في رواية عمرة، عن عائشة رضي الله عنها، قاله الحافظ العسقلاني والعيني.
وفيه أيضًا دلالةٌ على أنَّ الحكم للمعاني لا للألفاظ، لأنَّ النُّسوة فهمنَ من طول اليد الجارحة، وإنَّما المراد بالطُّول كثرة الصَّدقة، قاله المهلَّب، ولكنَّه غير مطرد في جميع الأحوال. وفيه علمٌ من أعلام النُّبوة وهو ظاهرٌ. وفيه أنَّه لمَّا كان السُّؤال عن آجال مقدَّرة لا تُعلم إلَّا بالوحي أجابهنَّ بلفظ غير صريحٍ، وأحالهنَّ على ما لا يتبيَّن إلا بآخره، وساغ ذلك لكونه ليس من الأحكام التَّكليفية، والله أعلم.