4554 - (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) هو ابنُ أبي أويس، قال (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) الإمام (عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ) الأنصاري المدني، أبي يحيى (أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ يَقُولُ كَانَ أَبُو طَلْحَةَ) زيد بن سهل زوج أم أنس بن مالك رضي الله عنهم (أَكْثَرَ أَنْصَارِيٍّ بِالْمَدِينَةِ نَخْلًا، وَكَانَ أَحَبَّ أَمْوَالِهِ إِلَيْهِ بَيْرُحَاءٍ) بنصب أحب خبر كان، ورفع بيرحاء اسمها. وقد اختلف في ضبط هذه اللَّفظة والَّذي لخَّص فيها من كلامهم كسر الموحدة وضم الراء مع الهمزة السَّاكنة بعد الموحدة وإبدالها ياء ومد حاء مصروفًا وغير مصروف لأنَّ تأنيثه معنوي كهند وبقصر حاء أيضًا، وفتح الموحدة وسكون التحتية من غير همز وفتح الراء وقصر حاء، وهذا أشهر الوجوه، وصوبه الصَّغَّاني والزَّمخشري والمجد الشِّيرازي، وقال الباجي إنَّها المصححة على أبي ذرٍّ وغيره.
قال الزَّمخشري في «الفائق» كأنَّها فيعلى من البراح، وهي الأرضُ المنكشفة الظَّاهرة.
وقال الصَّغَّاني في التَّكملة إنَّها فيعلى، وقد صحَّفها أصحاب الحديث، فقالوا بئرحاء بإضافة بئر إلى حاء كبئر رومة وبئر بضاعة، وليست كذلك، ومد حاء مصروفًا وغير مصروف.
(وَكَانَتْ) أي بيرحاء، وهو بستانٌ بالمدينة فيه ماءٌ (مُسْتَقْبِلَةَ الْمَسْجِدِ) أي المسجد النبوي (وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْخُلُهَا وَيَشْرَبُ مِنْ مَاءٍ فِيهَا طَيِّبٍ) بالجر صفة ماء (فَلَمَّا أُنْزِلَتْ {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} [آل عمران 92] . قَامَ أَبُو طَلْحَةَ) رضي الله عنه (فقال يا رسول الله، إن الله) تعالى (يَقُولُ {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} وَإِنَّ أَحَبَّ أَمْوَالِي إِلَيَّ بَيْرُحَاءُ، وَإِنَّهَا صَدَقَةٌ لِلَّهِ، أَرْجُو بِرَّهَا) أي خيرها وثوابها (وَذُخْرَهَا) بضم الذال المعجمة؛ أي أقدمها وادخرها لأجدها (عِنْدَ اللَّهِ) عزَّ وجلَّ (فَضَعْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ حَيْثُ أَرَاكَ اللَّهُ، قَالَ) وفي رواية أبي ذرٍّ (رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَخْ) بفتح الموحدة وسكون المعجمة، وقد تُشدد، وهي كلمةٌ تُقال عند المدح والرِّضى بالشَّيء، وفي رواية مكرَّرة، والتِّكرار للمبالغة في المدح (ذَلِكَ مَالٌ رَايِحٌ، ذَلِكَ مَالٌ رَايِحٌ) بالمثناة التحتية، من الرَّواح؛ أي من شأنه الذَّهاب والفوات، فإذا ذهبَ في الخير فهو أولى؛ لأنَّه يروح ويعودُ نفعه إليه، كرَّره للتَّأكيد، وقد ضبطَه الكرماني وتبعَه العيني في هذه الرِّواية بالموحدة، وفي الرِّواية الآتية بالمثناة (وَقَدْ سَمِعْتُ مَا قُلْتَ، وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا فِي الأَقْرَبِينَ. قَالَ أَبُو طَلْحَةَ أَفْعَلُ) ما قلت(يَا رَسُولَ اللَّهِ،
ج 19 ص 203
فَقَسَمَهَا أَبُو طَلْحَةَ فِي أَقَارِبِهِ وَبَنِي عَمِّهِ)من عطف الخاصِّ على العام، وفي رواية أبي ذرٍّ (قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسي، وهو أحدُ رواة الحديث عن مالك (وَرَوْحُ) بفتح الراء وبالمهملة (ابْنُ عُبَادَةَ) بضم المهملة وتخفيف الموحدة، ابن المعلَّى، أبو محمد القيسي البصري (ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ) بالموحدة؛ أي يربح صاحبه في الآخرة؛ يعني أنَّ المذكورَين رويا الحديث عن مالكٍ بإسناده، فوافقا فيه إلَّا في هذه اللَّفظة، فأمَّا رواية عبد الله بن يوسف فوصلها المؤلِّف في «الوقف» عنه [خ¦2769] ، ووقع عند المزِّي أنَّه أوردها في التَّفسير موصولة عن عبد الله بن يوسف أيضًا، وأمَّا رواية رَوْح بن عبادة فتقدَّم في «الوكالة» [خ¦2318] أنَّ أحمد وصلها عنه (حَدَّثَنِي) بالإفراد، وفي رواية أبي ذرٍّ (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) النَّيسابوري (قَالَ قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ) الإمام (مَالٌ رَايِحٌ) بالمثناة التحتية، من الرَّواح ذكره هنا مختصرًا، وساقه بتمامه من هذا الوجه في كتاب «الوكالة» في باب «إذا قال الرَّجل لوكيله ضعه حيث أراك الله» [خ¦2318] .
4555 - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا الأَنْصَارِيُّ) وفي الفرع وأصله ، قال (حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبِي) وهو عبد الله بن المثنى الأنصاري (عَنْ ثُمَامَةَ) بضم المثلثة وتخفيف الميم، هو ابنُ عبد الله بن أنسٍ قاضي البصرة (عَنْ) جدِّه (أَنَسٍ) هو ابنُ مالك رضي الله عنه (قَالَ فَجَعَلَهَا) أي جعل أبو طلحة بيرحاء (لِحَسَّانَ) أي ابن ثابت (وَأُبِيٍّ) أي ابن كعب رضي الله عنهما (وَأَنَا أَقْرَبُ إِلَيْهِ) أي منهما (وَلَمْ يَجْعَلْ لِي مِنْهَا شَيْئًا) وهذا طرفٌ من حديثٍ أخرجه بتمامه في «الوقف» من هذا الوجه، وسقط ذلك هنا في رواية أبي ذرٍّ، وثبت في رواية غيره.
وممَّن عمل بالآية المذكورة ابن عمر رضي الله عنهما، فروى البزَّار من طريقه أنَّه قرأها قال فلم أجد شيئًا أحبَّ إليَّ من مرجانة جاريةٍ لي رومية، فقلت هي حرَّةٌ لوجه الله تعالى فلولا أنِّي أعود في شيءٍ جعلته لله لتزوَّجتها. وممَّن عمل بذلك أيضًا زيد بن حارثة رضي الله عنه فقد روي أنَّه جاء بفرسٍ له كان يحبُّها، فقال هذه في سبيل الله، فحمل عليها رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أسامة بن زيد، فكأنَّ زيدًا وجد في نفسه، وقال إنَّما أردت أن أتصدَّق به، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( أما إنَّ الله تعالى قد قبلها منك ) ). وممَّن عمل بذلك أيضًا أبو ذرٍّ رضي الله عنه فقد روي أنَّه نزل به ضيف فقال للرَّاعي ائتني بخير إبلي، فجاء بناقةٍ مهزولةٍ، فقال خنتني، قال وجدتُ خير الإبل فحلَّها فذكرت يوم حاجتكم إليه، فقال إنَّ يوم حاجتي ليوم أوضع في حفرتي، والله هو الموفق.
ج 19 ص 204