فهرس الكتاب

الصفحة 7946 من 11127

5355 - (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ) قال (حَدَّثَنَا أَبِي) حفصُ بن غياث، قال (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمان بن مهران، قال (حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ) ذكوان السَّمان (قَالَ حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ مَا تَرَكَ غِنًى) يعني ما لم يُجْحِفْ بالمتصدِّق، كما في قوله (( ما كان عن ظهر غنى ) )، وقيل معناه ما ساق إلى المعطي غنى، والأوَّل أوجه (وَالْيَدُ الْعُلْيَا) وهي المُعْطِية (خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى) وهي السَّائلة (وَابْدَأْ) في الإنفاق (بِمَنْ تَعُولُ) أي بمن يجب عليك نفقته، ثمَّ اصرف إلى غيرهم. يقال عال الرَّجل أهلَه إذا مانَهم؛ أي قام بما يحتاجون إليه من قوتٍ وكسوة.

وفي حديث النَّسائي عن أبي هُريرة رضي الله عنه قال رجل يا رسول الله، عندي دينار، قال (( تصدَّق به على نفسك ) )قال عندي آخر، قال (( تصدَّق به على زوجتك ) )قال عندي آخر، قال (( تصدَّق به على خادمك ) )، قال عندي آخر، قال (( أنت أبصرُ به ) ).

(تَقُولُ الْمَرْأَةُ) لزوجها (إِمَّا أَنْ تُطْعِمَنِي) وفي رواية النَّسائي (( إمَّا أن تنفق علي ) ) (وَإِمَّا أَنْ تُطَلِّقَنِي وَيَقُولُ الْعَبْدُ أَطْعِمْنِي) بهمزة قطع (وَاسْتَعْمِلْنِي) وفي رواية الإسماعيلي (( ويقول خادمك أطعمني وإلَّا فبعني ) ) (وَيَقُولُ الاِبْنُ أَطْعِمْنِي، إِلَى مَنْ تَدَعُنِي) وفي رواية الإسماعيلي (( إلى من تكلني ) )وكذا في رواية النَّسائي (فَقَالُوا يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، سَمِعْتَ هَذَا) يعني قوله تقول المرأة ... إلى آخره (مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَ لاَ، هَذَا مِنْ كِيسِ أَبِي هُرَيْرَةَ) بكسر الكاف؛ أي من كلامه أدرجه في هذا الحديث، لا ممَّا سَمِعَه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحينئذٍ فهو موقوفٌ استنبطَه ممَّا فَهِمَه من الحديث المرفوع.

وقال الكرمانيُّ الكِيس، بكسر الكاف الوِعاء، وهذا إنكار على السَّائلين عنه، يعني

ج 23 ص 358

ليس هذا إلَّا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ففيه نفي يريدُ به الإثبات، وإثباتٌ يريدُ به النَّفي، على سبيل التَّعكيس، وأمَّا على التَّوجيه الأوَّل فيكون إثباتًا لا إنكارًا؛ يعني أنَّ هذا المقدار من كيسه فهو حقيقة في النَّفي والإثبات.

وقال وفي بعضها؛ أي في بعض الرِّوايات بفتح الكاف؛ أي من عقل أبي هريرة وكياسته. وقال التَّيمي أشار البُخاري إلى أن بعضَه من كلام أبي هُريرة، وهو مدرجٌ في الحديث.

وفي هذا الحديث فوائد

منها أنَّ حَقَّ نَفْسِ الرَّجل يُقَدَّمُ على غيره. ومنها أنَّ نفقةَ الولدِ ما دام صغيرًا ولا مال ولا حرفة له، والزَّوجة فرض بلا خلاف، ومن له حرفة، أو مال غير محتاج إلى ذلك؛ لأنَّ قوله (( إلى من تدعني ) )يدلُّ على أنَّ المراد من لا يرجعُ إلى شيء سوى نفقة الأب.

ومنها أنَّ نفقةَ الخادمِ واجبةٌ أيضًا. ومنها أنَّه استُدِلَّ بقوله (( إمَّا أن تطعمنِي، وإمَّا أن تطلِّقني ) )، من قال يفرق بين الرَّجل وامرأته إذا أعسر بالنَّفقة، واختارتْ فراقه كما يُفْسَخُ بالجبِّ والعِنَّة، بل هذا أولى؛ لأنَّ الصَّبر عن التَّمتع أسهل منه عن النَّفقة ونحوها؛ لأنَّ البدن يبقى بلا وطءٍ، ولا يبقى بلا قوت.

وأيضًا منفعةُ الجماع مشتركة بينهما، فإذا ثبت في المشترك جوازُ الفسخ؛ لعدمه، ففي عدم المختص بها أولى، وقياسًا على المَرْقُوقِ؛ فإنَّه يبيعه إذا أعسر بنفقته، ولا فسخ للزَّوجة بنفقة عن مدَّة ماضية إذا عجز عنها؛ لتنزيلها منزلة دين آخر يثبت في ذمَّته. وقال الحافظُ العسقلاني وهو قول جمهور العلماء، وقال الكوفيُّون يلزمها الصَّبر، وتتعلَّق النَّفقةُ بذمَّته، واستُدِلَّ للجمهور بقوله تعالى {وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا} [البقرة 231] .

وأجاب المخالف بأنَّه لو كان الفراق واجبًا لما جازَ الإبقاء إذا رضيت، وردَّ عليه بأنَّ الإجماعَ دلَّ على جواز الإبقاء إذا رضيتْ، فبقي ما عداهُ على عموم النَّهي، وبالقياس على الرَّقيق والحيوان، فإنَّ من أَعْسَرَ بالإنفاق عليه أُجْبِرَ على بيعه. انتهى.

وتعقَّبه العيني وقال الذي قاله الكوفيُّون هو قول عطاء بن أبي رباح وابن شهاب الزُّهري وابن شبرمة، وأبي سليمان، وعمر بن عبد العزيز، وهو المحكيُّ عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وروى عبد الوارث، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما،

ج 23 ص 359

قال كتب عُمر رضي الله عنه إلى أمراء الأجناد ادعوا فلانًا وفلانًا أناسًا قد انقطعوا عن المدينة ورحلوا عنها إمَّا أن يرجعوا إلى نسائهم، وإمَّا أن يبعثوا بنفقة إليهنَّ، وإمَّا أن يطلِّقوا، ويبعثوا بنفقةِ ما مضى، ولم يتعرَّض إلى شيءٍ غير ذلك.

وقول هذا القائل، وأجاب المخالف هل أراد به أبا حنيفة أم غيره، فإن أراد به أبا حنيفة، فما وجهه من بين هؤلاء، وليس ذلك إلَّا من أريحية التَّعصب، وإن أراد غيره مطلقًا كان ينبغي أن يقول وأجاب المخالفون، ثمَّ إنَّه لا يتم استدلالهم، بقوله تعالى {وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا} [البقرة 231] لأنَّ ابن عبَّاس رصي الله عنهما ومجاهدًا ومسروقًا والحسنَ وقتادة والضَّحَّاك والرَّبيع ومقاتل بن حيَّان، وغير واحد قالوا هذا في الرَّجل كان يُطلِّقُ امرأته، فإذا قاربَ انقضاءُ العدَّة راجعها ضرارًا؛ لئلَّا تذهب إلى غيره، ثمَّ يطلِّقها فتعتد، فإذا شارفت على انقضاء العدَّة يطلِّق؛ ليُطَوِّل عليها العدَّة، فنهاهم الله عن ذلك، وتوعَّد عليه، فقال {وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ} [البقرة 231] أي بمخالفته أمر الله تعالى، فبطلَ استدلالهم بهذا، وعموم النَّهي ليس فيما قالوا، وإنَّما هو في الذي ذكر عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما ومن معه.

والقياسُ على الرَّقيق والحيوان قياسٌ مع الفارق فلا يصحُّ، وذلك لأنَّ الرَّقيقَ والحيوانَ لا يملكان شيئًا، ولا يجد الرَّقيق من يُسْلِفُه، ولا يصبران على عدم النَّفقة، بخلاف الزَّوجة فإنَّها تصبر وتستدين على ذمَّة الزَّوج، ولأنَّ التَّفريق يُبْطِلُ حقَّها، وإبقاءُ النِّكاح يؤخِّرُ حقَّها إلى زمن اليسار عند فقره، وإلى زمن الإحضار عند غيبته، والتَّأخيرُ أهونُ من الإبطال، وبه فارق الجب والعنة، بل الإبطال لا يجوز بدَلالة الإجماع على أنَّها لو كانت أمَّ ولد عجزَ عن نفقتها لم يعتقها القاضي عليه؛ لأنَّ فيه إبطال حقِّ السَّيد.

ج 23 ص 360

والحاصل أنَّ المملوك في إلزام بيعه إبطالُ حقِّ السَّيد إلى خلف هو الثَّمن، فإذا عجزَ عن نفقته كان النَّظر من الجانبين بإلزامهِ بيعه، إذ فيه تخليصُ المملوك من عذابِ الجوع، وحصول البدل القائم مقامه للسَّيد، بخلاف إلزام الفرقة، فإنَّه إبطالُ حقٍّ بلا بدل، وهو لا يجوز.

ومطابقةُ الحديثِ للتَّرجمة ظاهرةٌ. وقد أخرجه النَّسائي في عِشْرة النِّساء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت