4679 - (حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ) الحكم بن نافع، قال (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابنُ أبي حمزة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) أي ابن شهاب، أنَّه (قَالَ أَخْبَرَنِي) بالإفراد (ابْنُ السَّبَّاقِ) بفتح السين المهملة وتشديد الموحدة وآخره قاف، عبيد المدني الثَّقفي أبو سعيد (أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ الأَنْصَارِيَّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، وَكَانَ مِمَّنْ يَكْتُبُ الْوَحْيَ) لرسول الله صلى الله عليه وسلم (قَالَ أَرْسَلَ إِلَيَّ أَبُو بَكْرٍ) الصِّدِّيق رضي الله عنه في خلافته. قال الحافظ أبو الفضل لم أقف على اسم الرَّسول (مَقْتَلَ أَهْلِ الْيَمَامَةِ) أي أيَّام مقاتلة أصحاب النَّبي صلى الله عليه وسلم مسيلمة الكذَّاب الذي ادَّعى النبوة، وكان ذلك سنة إحدى عشرة من الهجرة، وقد ارتدَّ كثير من العرب.
واليمامة مدينة باليمن، وسُميت باسم المصلوبة على بابها، وهي التي كانت تُبصر من مسيرة ثلاثة أيَّام، وتُعرف بالزرقاء؛ لزرقة عينها، واسمها عنزة. وقال البكري كان اسم اليمامة في الجاهليَّة جَوَّ _ بفتح الجيم وتشديد الواو _ حتى سماها الملك الحميري لما قتل المرأة التي تسمَّى اليمامة باسمها. وقال القاضي عياض تُسمَّى أيضًا العَروض _ بفتح العين المهملة _. وقال البكري العروض اسم لمكَّة والمدينة معروف.
(وَعِنْدَهُ عُمَرُ) أي ابن الخطاب رضي الله عنه (فَقَالَ) أي لي (أَبُو بَكْرٍ) رضي الله عنه (إِنَّ عُمَرَ) رضي الله عنه (أَتَانِي فَقَالَ إِنَّ الْقَتْلَ قَدِ اسْتَحَرَّ) أي اشتدَّ وكثُر على وزن استفعلَ من الحرِّ، وذلك أنَّ المكروه يُضاف إلى الحر، والمحبوبُ إلى البرد، ومنه المثل ولِّ حارَّها من تولَّى قارها، قاله عمر لعتبة بن غزوان؛ أي احمل ثقلك على من وصل إليه نفعك (يَوْمَ الْيَمَامَةِ) أي يوم القتال الواقع في اليمامة (بِالنَّاسِ) قُتل بها من المسلمين ألف ومائة، وقيل ألف وأربعمائة منهم سبعون جمعوا القرآن؛ أي مجموعهم لا أنَّ كل فرد جمعه.
(وَإِنِّي أَخْشَى أَنْ يَسْتَحِرَّ الْقَتْلُ بِالْقُرَّاءِ فِي الْمَوَاطِنِ) أي المواضع التي يقع فيها القتال مع الكفَّار، ويُقتل ناس من القرَّاء (فَيَذْهَبَ كَثِيرٌ مِنَ الْقُرْآنِ، إِلاَّ أَنْ تَجْمَعُوهُ، وَإِنِّي لأَرَى أَنْ تَجْمَعَ) أنت (الْقُرْآنَ) وفي رواية أبي ذرٍّ بالياء وعلى البناء للمفعول (قَالَ أَبُو بَكْرٍ) رضي الله عنه (قُلْتُ) وفي رواية أبي ذرٍّ (لِعُمَرَ كَيْفَ أَفْعَلُ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)
ج 19 ص 572
هذا كلام من يؤثر الاتباع ويخشى الابتداع، وإنَّما لم يجمعه رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنَّه كان بمعرض أن يُنسخَ منه، أو يُزاد فيه، فلو جمعه لكتب، فكان الذي عنده نقصان يُنكر على من عنده الزِّيادة، فلمَّا أمن هذا الأمر بموته صلى الله عليه وسلم، جمعه أبو بكر رضي الله عنه، ولم يصنع عثمان رضي الله عنه في القرآن شيئًا، وإنَّما أخذ الصُّحف التي وضعها عند حفصة رضي الله عنها وأمر زيد بن ثابت وعبد الله بن الزُّبير وعبد الله بن الحارث بن هشام وسعيد بن العاص وأبي بن كعب في اثني عشر رجلًا من قريش والأنصار، فكتب منها مصاحف، وسيَّرها إلى الأمصار؛ لأنَّ حذيفة رضي الله عنه أخبره بالاختلاف في ذلك.
فلمَّا توفيت حفصة أخذ مروان بن الحكم تلك الصُّحف فغسلها وقال أخشى أن يخالفَ بعض القرآن بعضًا، وفي لفظ أخافُ أن يكون فيه شيءٌ يخالفُ ما نسخ عثمان رضي الله عنه، وإنما فعل عثمان ذلك ولم يفعله الصِّدِّيق رضي الله عنه؛ لأنَّ غرض الصِّدِّيق رضي الله عنه كان جمع القرآن بجميع حروفه ووجوهه التي نزل بها، وهي على لغة قريش وغيرها، وكان غرضُ عثمان رضي الله عنه تجريد لغة قريش من تلك القراءات، وقد جاء ذلك مصرَّحًا به في قول عثمان رضي الله عنه لهؤلاء الكُتَّاب، فجمع أبي بكر رضي الله عنه غير جمع عثمان رضي الله عنه. فإن قيل فما قصد عثمان رضي الله عنه بإحضار الصُّحف، وقد كان زيد ومن أضيف إليه حفظوه؟.
فالجواب أنَّ الغرض بذلك سدُّ باب القالة، وأن يزعم زاعمٌ أن في الصُّحف قرآنًا لم يكتب، ولئلا يرى إنسان فيما كتبوه شيئًا مما لم يقرأ به، فينكره، فالصُّحف شاهدة بجميع ما كتبوه.
(فَقَالَ) أي لي (عُمَرُ هُوَ وَاللَّهِ خَيْرٌ) يحتمل أن يكون لفظ خير أفعل التفضيل. فإن قيل كيف يترك رسول الله صلى الله عليه وسلم ما هو خير؟ فالجواب أنَّ معناه خير في هذا الزَّمان، وكان تركه خيرًا في زمانه صلى الله عليه وسلم؛ لعدم تمام النُّزول، واحتمال النَّسخ كما مرَّ قريبًا.
(فَلَمْ يَزَلْ يُرَاجِعُنِي) في جمع القرآن(حَتَّى شَرَحَ اللَّهُ لِذَلِكَ صَدْرِي، وَرَأَيْتُ الَّذِي
ج 19 ص 573
رَأَى عُمَرُ)إذ هو من النُّصح لله ورسوله، وقد أذن فيه صلى الله عليه وسلم بقوله في حديث أبي سعيد عند مسلم (( لا تكتبوا عني شيئًا غير القرآن ) ). وغايته جمع ما كان مكتوبًا قبل، فلا يتوجَّه اعتراض الرَّافضة على الصِّدِّيق رضي الله عنه (قَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ) قال أبو بكر رضي الله عنه ذلك (وَعُمَرُ عِنْدَهُ جَالِسٌ لاَ يَتَكَلَّمُ، فَقَالَ) أي لي (أَبُو بَكْرٍ إِنَّكَ) يا زيد (رَجُلٌ شَابٌّ) أشار إلى نشاطه وقوَّته فيما يُطلب منه، وبعده عن النِّسيان.
وإنَّما قال «شاب» ؛ لأن عمره كان إحدى عشرة سنة حين قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، وخطاب أبي بكر رضي الله عنه إيَّاه بذلك في خلافته، فإذا اعتبرت هذا يكون عمره حينئذٍ ما دون خمسة وعشرين، وهي أيام الشَّباب.
(عَاقِلٌ وَلاَ نَتَّهِمُكَ) بكذب ولا نسيان، والذي لا يُتهم تركن النُّفوس إليه، وسقطت الواو في رواية أبي ذرٍّ، ودلَّ على عدم اتهامه قوله (كُنْتَ تَكْتُبُ الْوَحْيَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وكتابته الوحي تدلُّ على أمانته، وكيف وكان من فضلاء الصَّحابة ومن أصحاب الفتوى، وهو أكثرُ ممارسة لذلك من غيره، فجمع هذه الخصوصيات الأربع فيه تدلُّ على أنَّه أولى بذلك ممَّن لم تجتمع فيه (فَتَتَبَّعِ) أمر (الْقُرْآنَ) منصوب به (فَاجْمَعْهُ) وقد كان القرآن كله كُتب في العهد النَّبوي، لكن غير مجموع في موضع واحد، ولا مرتَّب السور، كذا قيل، وفيه نظر، فإن الثَّابت أنه كان ترتيب السُّور توقيفيًا كالآي.
قال زيد بن ثابت (فَوَاللَّهِ لَوْ كَلَّفَنِي) أي أبو بكر رضي الله عنه (نَقْلَ جَبَلٍ مِنَ الْجِبَالِ [1] مَا كَانَ أَثْقَلَ عَلَيَّ مِمَّا أَمَرَنِي بِهِ مِنْ جَمْعِ الْقُرْآنِ) قال ذلك خوفًا من التَّقصير في إحصاء ما أُمر بجمعه (قُلْتُ) أي لأبي بكر وعمر رضي الله عنهما (كَيْفَ تَفْعَلاَنِ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وفي رواية أبي ذرٍّ .
(فَقَالَ) أي لي (أَبُو بَكْرٍ هُوَ وَاللَّهِ خَيْرٌ، فَلَمْ أَزَلْ أُرَاجِعُهُ حَتَّى شَرَحَ اللَّهُ صَدْرِي لِلَّذِي شَرَحَ اللَّهُ لَهُ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ) رضي الله عنهما؛ لما في ذلك من المصلحة العامَّة (فَقُمْتُ فَتَتَبَّعْتُ الْقُرْآنَ) قيل إن زيدًا كان جامعًا للقرآن، فما معنى هذا التتبُّع؟ وأُجيب أنَّه كان يتتبع وجوهه وقراءاته ويسألُ عنهما غيره؛ ليحيط بالأحرف السَّبعة التي نزل بها
ج 19 ص 574
الكتاب العزيز، ويعلمُ القراءات التي هي غير قراءته.
(أَجْمَعُهُ) أي حال كوني أجمعه ممَّا عندي، وعند غيري، فهي حالٌ من الأحوال المقدَّرة المنتظرة (مِنَ الرِّقَاعِ) بكسر الراء، جمع رقعة، من أديم أو ورق أو نحوهما (وَالأَكْتَافِ) جمع كتف _ بالمثناة الفوقية _، وهو عظم عريض يكون في أصل كتف الحيوان ينشف [2] ويكتب فيه (وَالْعُسُبِ) بضم العين والسين المهملتين آخره موحدة، جمع عسيب، وهو أصل جريد النَّخل العريض منه، وكانوا يكشطون خوصها ويتَّخذونها عصًا، وكانوا يكتبون في طرفها العريض. وقال ابنُ فارس عسيب النَّخل كالقضبان لغيره.
وذكر في «التفسير» واللخاف _ بالخاء المعجمة _، وهي حجارةٌ بيضٌ رقاق، واحدها لخفة. وقال الأصمعي فيها عرض ودقة، وقيل الخزف.
(وَصُدُورِ الرِّجَالِ) أي الذين جمعوا القرآن وحفظوه كاملًا في حياته صلى الله عليه وسلم كأبيِّ بن كعب ومعاذ بن جبل، فيكون ما في الرِّقاع والأكتاف وغيرهما تقريرًا على تقرير (حَتَّى وَجَدْتُ مِنْ سُورَةِ التَّوْبَةِ آيَتَيْنِ مَعَ خُزَيْمَةَ الأَنْصَارِيِّ) وهو خزيمة بن ثابت بن الفاكه الأنصاري الخطمي، ذو الشَّهادتين، شهد صفِّين مع علي رضي الله عنه (لَمْ أَجِدْهُمَا مَعَ أَحَدٍ غَيْرِهِ {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ} [التوبة 128] إِلَى آخِرِهِمَا) هذا بيان الآيتين، وسقط في رواية أبي ذرٍّ < {حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ} >. فإن قيل كيف ألحق هاتين الآيتين وشرطه أن يثبتَ بالتَّواتر؟
فالجواب أنَّ معناه لم أجدهما مكتوبتين عند غيره، أو المراد لم أجدهما محفوظتين، ووجهه أنَّ المقصود من التَّواتر إفادة اليقين، وخبر الواحد المحفوف بالقرائن يفيدُ اليقين أيضًا، وكان هاهنا قرائن مثل كونهما مكتوبتين ونحوها، وأنَّ مثله لا يقدر في مثله بمحضر من الصَّحابة أن يقول إلا حقًّا وصدقًا، قاله الكرماني والعيني.
وقال العيني إنَّ خزيمة ذكرهم ما نسوهُ، ولهذا قال زيد ووجدتهما مع خزيمة؛ يعني مكتوبتين ولم يقل عرفني أنَّهما من القرآن الكريم مع تصريح زيد بأنَّه سمعهما من النَّبي صلى الله عليه وسلم، أو نقول ثبت أنَّ خزيمة شهادته بشهادتين، فإذا شهد في هذا وحده كان كافيًا.
وعند أبي داود من رواية يحيى بن عبد الرَّحمن بن حاطب فجاء خزيمةُ بن ثابت، فقال إنِّي رأيتكُم
ج 19 ص 575
تركتُم آيتين لم تكتبوهما قالوا وما هما؟ قال تلقيت من رسولِ الله صلى الله عليه وسلم {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ} [التوبة 128] إلى آخر السُّورة، فقال عثمان رضي الله عنه وأنا أشهدُ، فأين ترى أن نجعلهما؟ قال اختم بهما آخر ما نزلَ من القرآن. وعن أبي العالية عن أبي بن كعب رضي الله عنه عند عبد الله ابن الإمام أحمد أنَّهم جمعوا القرآن في مصاحفِ في خلافة أبي بكر رضي الله عنه، وكان رجال يكتبون، ويُملي عليهم أبيِّ بن كعب، فلمَّا انتهوا إلى هذه الآية، (( ثمَّ انصرفوا صرفَ الله قلوبهم بأنَّهم قوم لا يفقهون ) ) [التوبة 127] فظنُّوا أنَّ هذه آخر ما نزلَ من القرآن، فقال لهم أبيُّ بن كعب إنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أقرأني بعدها آيتين {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ} إلى {وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ} [التوبة 128 - 129] .
وعند أحمد أتى الحارث بن خزيمة [3] بهاتين الآيتين {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ} [التوبة 128] إلى عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه فقال من معك على هذا؟ قال لا أدري، والله إنِّي أشهدُ لسمعتهما من رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ووعيتهما وحفظتهما، فقال عمرُ رضي الله عنه وأنا أشهدُ لسمعتهما من رسولِ الله صلى الله عليه وسلم.
وقال الخطَّابي هذا ممَّا يخفى على كثير، فيتوهَّمون أن بعضَ القرآن إنما أُخذ من الآحاد، فاعلم أنَّ القرآن كان كلُّه مجموعًا في صدور الرِّجال في حياته صلى الله عليه وسلم بهذا التَّأليف الذي نقرؤهُ، إلا سورة براءة، فإنَّها نزلت آخرًا، لم يبيِّن لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم موضعها، وقد ثبتَ أنَّ أربعة من الصَّحابة رضي الله عنهم كانوا يجمعون القرآن كلَّه في زمانه، وقد كان لهم شركاء، لكن هؤلاء كانوا أكثر تجويدًا [4] للقراءة، فثبت أنَّ جمع القرآن كان متقدِّمًا على زمان أبي بكر رضي الله عنه، وأمَّا أبو بكر رضي الله عنه، فهو قد جمعَه في الصُّحف، وحوله إلى ما بين الدَّفتين.
ولعلَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم ترك الجمع في مصحف كما فعل الصَّحابة رضي الله عنهم؛ لأنَّ النَّسخ كان يرد على التِّلاوة، فلو جمعه بين الدَّفتين وسارت به الرُّكبان إلى البلدان، ثم نسخت تلاوته؛ لأدَّى ذلك إلى اختلاف عظيم فيه، فحفظه الله فيه
ج 19 ص 576
إلى أن ختمَ بوفاته صلى الله عليه وسلم، ثمَّ قدّر لخلفائهِ باتفاق سائر الصَّحابة رضي الله عنهم جمعه بين الدَّفتين عند الحاجة، وحين لم يكن النَّسخ مترقبًا.
فإن قلت فإذا كان محفوظًا في الصُّدور فما الحاجةُ إلى الاستخراج من الرِّقاع ونحوه؟ وأجيب بأنَّهم إنما جعلوا ذلك استظهارًا. فإن قيل كيف تصنعون بقول زيد لم أجدهما مع غيره؟ أُجيب بأنَّ سورة براءة نزلت آخرًا، فيحتمل أنَّ الآيتين لم تكونا محفوظتين فيما بلغ زيدًا إلا لخزيمة، وذلك لقرب العهد بنزولهما، فألحقهما زيد بآخر السُّورة، وأمَّا الذي اعتمده الفقهاء في جمع القرآن فهو أنَّ جميعَ ما وضع بين الدَّفتين إنما كان عن اتفاق الشَّيخين، ووافقهما عثمان عليه، وكان زيد كاتب الوحي، وهو الذي يلي الجمع، ثمَّ اتفق الملأ من الصَّحابة على أن ما بين الدَّفتين قرآن لم يختلفوا في شيء منه، فهذا هو الحجَّة فيه.
ولا ينكر أن يكون غير خزيمة أيضًا حفظ الآيتين، وثبت العلم به عند الصَّحابة حين حصل عليه الإجماع، وإنَّما كان ما ذكره زيد حكاية عن نفسه، ومبلغُ علمه في الحال المتقدِّمة، ولا يدفع ذلك أن يكون قد تظاهر به الخبر من قبل غيره، ومن جهات شتَّى اشتركوا كلهم في علمه، فصار ذلك عن الجمِّ [5] الغفير، فيثبت به حكم الإجماع، وزالَ اعتبار ما قبله من رواية الآحاد، والله تعالى أعلم.
(وَكَانَتِ الصُّحُفُ الَّتِي جُمِعَ فِيهَا الْقُرْآنُ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ، ثُمَّ عِنْدَ عُمَرَ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ، ثُمَّ عِنْدَ حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ) رضي الله عنهم.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ} إلى آخر الآيتين. وقد أخرجه التِّرمذي في التفسير، والنَّسائي في فضائل القرآن.
(تَابَعَهُ) أي تابع شعيبًا في روايته عن الزُّهري (عُثْمَانُ بْنُ عَمْرُو) بفتح العين [6] ، ابن فارس البصري العبدي (وَ) تابعه أيضًا (اللَّيْثُ) أي ابن سعد الإمام (عَنْ يُونُسَ) أي ابن يزيد الأيلي (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهري، أمَّا متابعة عثمان بن عَمرو فقد وصلها أحمد وإسحاق في «مسنديهما» عنه، وأمَّا متابعة اللَّيث عن يونس؛ فقد وصلها المؤلِّف
ج 19 ص 577
في «فضائل القرآن» [خ¦4989] ، وفي «التَّوحيد» [خ¦7425] .
(وَقَالَ اللَّيْثُ حَدَّثني) بالإفراد (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدٍ) الفهمي أمير مصر (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، وَقَالَ مَعَ أَبِي خُزَيْمَةَ الأَنْصَارِيِّ) أشار بهذا إلى أن لليث فيه شيخًا آخر عن ابن شهاب، وأنَّه رواه عنه بإسناده المذكور، لكن خالف في قوله «مع خزيمة الأنصاري» فقال «مع أبي خزيمة» ، وهو ابنُ أوس بن زيد بن أصرم بن ثعلبة بن غنم بن مالك بن النجَّار، شهد بدرًا وما بعدها من المشاهد، وتوفِّي في خلافة عثمان رضي الله عنه، وهو أخو مسعود بن أوس. وقال أبو عمر قال ابنُ شهاب، عن عُبيد بن السَّبَّاق، عن زيد بن ثابت وجدت آخر التَّوبة مع أبي خُزيمة الأنصاري، ورواية اللَّيث هذه وصلها أبو القاسم البغوي في «معجم الصَّحابة» من طريق أبي صالح كاتب اللَّيث عنه، به. وقال أبو الفرج قوله «مع أبي خزيمة» وهم، وردَّ عليه بصحَّة الطريق إليه.
(وَقَالَ مُوسَى) هو ابنُ إسماعيل (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) هو ابن سعد، أنَّه قال (حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ) الزُّهري، قال (مَعَ أَبِي خُزَيْمَةَ) وهذا التَّعليق وصله"البخاريُّ في «فضائل القرآن» [خ¦4986] . وفي «التلويح» هذا التَّعليق رواه البخاري مسندًا في كتاب «الأحكام» من «صحيحه» (وَتَابَعَهُ) أي وتابع موسى بن إسماعيل في روايته عن إبراهيم (يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِيهِ) إبراهيم بن سعد المذكور على قولِ «مع أبي خزيمة» بالكنية."
وهذه المتابعة وصلها أبو بكر بن أبي داود في كتاب «المصاحف» من طريقهِ، وكذا أخرجه أبو يعلى من هذا الوجه، لكن باختصار، ورواها الذُّهلي في «الزُّهريات» عنه، لكن قال «مع خزيمة» ، وكذا أخرجه الجَوزقي من طريقه.
(وَقَالَ أَبُو ثَابِتٍ) هو محمَّد بن عبيد الله المدني (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ) أي ابن سعد المذكور (وَقَالَ مَعَ خُزَيْمَةَ، أَوْ أَبِي خُزَيْمَةَ) بالشَّك، وكذا رواه البخاري في «الأحكام» [خ¦7191] ، ومراده أنَّ أصحاب إبراهيم بن سعد اختلفوا فقال بعضهم مع أبي خزيمة. وقال بعضهم مع خزيمة، وشكَّ بعضهم. والتَّحقيق ما روي عن موسى بن إسماعيل أنَّ آية التوبة مع أبي خزيمة، وآية الأحزاب مع خزيمة، والله تعالى أعلم.
[1] في الأصل جبال، والصواب ما أثبتناه.
[2] في هامش الأصل في نسخة يجفف.
[3] كذا في القسطلاني، وفي مسند أحمد (الحارث بن خزمة)
[4] في الأصل (تحذيرًا) والتصويب من الكرماني، وفي أعلام الحديث للخطابي (أكثر تجريدًا للعناية بقراءاته) .
[5] في الكرماني وأعلام الحديث للخطابي «شهادة من الجم» .
[6] في العمدة والقسطلاني والفتح (عمر بضم العين وفتح الميم) .