5357 - (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ سَلاَمٍ) البِيكنديُّ، قال (أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ) هو ابنُ الجرَّاح (عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ) هو سفيان أنَّه (قَالَ قَالَ لِي مَعْمَرٌ) بفتح الميم بينهما عين مهملة ساكنة، هو ابنُ راشد (قَالَ لِي الثَّوْرِيُّ) سفيان (هَلْ سَمِعْتَ فِي الرَّجُلِ يَجْمَعُ لأَهْلِهِ قُوتَ سَنَتِهِمْ أَوْ) قوت (بَعْضِ السَّنَةِ) أي شيئًا (قَالَ مَعْمَرٌ فَلَمْ يَحْضُرْنِي) أي شيء من ذلك (ثُمَّ ذَكَرْتُ حَدِيثًا حَدَّثَنَاهُ ابْنُ شِهَابٍ) الزُّهري محمد بن مسلم (الزُّهْرِيُّ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسٍ) بفتح الهمزة وسكون الواو بعدها سين مهملة، هو ابنُ الحدثان (عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَبِيعُ نَخْلَ بَنِي النَّضِيرِ) بفتح النون وكسر الضاد المعجمة وبالراء، وهم حي من يهود خيبر، وقد دخلوا في العَرَبِ، وهم على نسبتهم إلى هارون أخي موسى عليهما السَّلام، وكان ذلك ممَّا أفاء الله على رسوله صلى الله عليه وسلم، ممَّا لم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب، وكان لرسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة.
(وَيَحْبِسُ لأَهْلِهِ) زوجته وسائر عياله (قُوتَ سَنَتِهِمْ) تطييبًا لقلوبهم، وتشريعًا لأمَّته، ولا يعارضه حديث (( أنَّه كان لا يدخر شيئًا لغد ) )، لأنَّه كان قبل السَّعة أو لا يدَّخر لنفسه بخصوصه.
قال المهلَّب وفيه دليل على جواز ادِّخار القوت للأهل والعيال، وأنَّه ليس بحُكْرَة، ولا مناف للتوكُّل، كيف وقد صَدَرَ عن سيد المتوكِّلين، وإذا كان حال التوكُّل واعتمادُ القَلْبِ عليه تعالى، والتَّحقق بما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، فلا يقدح في التَّشبُّث بالأسباب؛ إذ تعتبر الأسباب الشَّرعية، ومن غَلَبَهُ توحيدٌ خاصٌّ أفناه عن بعضها لا يُقْتَدَى به فيه.
ج 23 ص 362
وفي الحديث أيضًا أنَّ ما ضمَّه الإنسان من زرعه، أو جذَّه من نخله وثمره، وحبسه لقوته لا يسمَّى حُكْرة، ولا خلاف في هذا بين الفقهاء.
وقال الطَّبري فيه دليل الرَّد على الصُّوفيَّة، حيثُ قالوا الادِّخار من يومٍ لِغَدٍ يُسِيءُ فاعِلُه، إذْ لَمْ يتوكَّلْ على ربِّه حقَّ توكُّله، ولا خفاءَ بفساد هذا القول. انتهى.
ومطابقةُ الحديث للتَّرجمة ظاهرةٌ، وهو من أفراد البُخاري، ثمَّ إنَّه قد فات ابنَ عُيينة سماعُ هذا الحديث من الزُّهري، فرواه عنه بواسطة معمر، وقد رواه أيضًا عن عَمرو بن دينار، عن الزُّهري بأتمَّ من سياق مَعمر، وتقدَّم في سورة الحشر [خ¦4885] .
وأخرجه أحمد والحميدي في «مسنديهما» عن سفيان، عن مَعمر وعَمرو بن دينار جميعًا، عن الزُّهري، وقد أخرج مسلم رواية مَعمر وحدها، عن يحيى بن يحيى، عن سفيان، عن مَعمر، عن الزُّهري، لكن لم يسق لفظهَ، وأخرج إسحاقُ بن راهويه في «مسنده» رواية مَعمر منفردة، عن سفيان عنه، عن الزُّهري بلفظ (( كان ينفقُ على أهله نفقةَ سنةٍ من مال بني النَّضير، ويجعلُ ما بَقِيَ في الكُرَاعِ والسِّلاح ) ).