فهرس الكتاب

الصفحة 2161 من 11127

1368 - (حَدَّثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ) بتشدد الفاء في الأول وتخفيف اللام المكسورة في الثَّاني كذا للأكثر، وذكر أصحاب (( الأطراف ) )أنَّه أخرجه قائلًا فيه بصيغة التَّعليق، لكن الثَّابت هو الوصل، وعلى تقدير صحَّة التَّعليق فقد وصله الإسماعيليُّ في «صحيحه» فقال حدَّثنا أبو القاسم البغوي حدَّثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدَّثنا عفان ... إلى آخره، وزاد أبو ذرٍّ في روايته بصريٌّ، مات سنة عشرين ومائتين.

(قَالَ حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ أَبِي الْفُرَاتِ) بلفظ النَّهر المشهور، واسم أبيه عَمرو الكندي من أهل مرو، وله شيخٌ آخر يقال له داود بن أبي الفرات، واسم أبيه بكر، واسم جدِّه أبو الفرات، وهو أشجعيٌّ من أهل المدينة أقدم من الكندي.

(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ) بضم الموحدة وفتح الراء، وقد مرَّ في أواخر كتاب «الحيض» [خ¦332] (عَنْ أَبِي الأَسْوَدِ) ظالم بن عَمرو بن سفيان التَّابعي الكبير المشهور

ج 6 ص 514

ولي البصرة، وهو أوَّل من تكلَّم في النَّحو بعد عليٍّ رضي الله عنه، مات سنة سبع وستين وهو المشهورُ بالدُّؤلي. وفيه اختلافات

قيل بضم الدال وسكون الواو، وبالضم والهمزة المفتوحة وبالكسر وبالمفتوحة.

قال الأخفش هو بالضم وكسر الهمزة إلَّا أنَّهم فتحوا الهمزة في النِّسبة استثقالًا للكسرتين وياء النِّسبة، وربما قالوا بضم الدال وفتح الواو المقلوبة عن الهمزة، وقال ابن الكلبيِّ بكسر الدال وقلب الهمزة ياء.

قال الحافظ العسقلانيُّ ولم أره من رواية عبدِ الله بن بُريدة عنه إلَّا معنعنًا.

وقد حكى الدَّارقطني في كتاب «التتبع» عن عليِّ بن المديني أنَّ ابن بُريدة إنَّما يروي عن يحيى بن يعمر عن أبي الأسود، ولم يقل في هذا الحديث سمعت أبا الأسود.

وقيل إنَّ ابن بُريدة ولد في عهد عمر رضي الله عنه فقد أدرك أبا الأسود بلا ريبٍ، لكن البخاريَّ لا يكتفي بالمعاصرة فلعلَّه أخرجه شاهدًا، واكتفى للأصل بحديث أنس رضي الله عنه الذي قبله [خ¦1367] .

(قَالَ) أي أبو الأسود (قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ) أي مدينة النَّبي صلى الله عليه وسلم (وَقَدْ وَقَعَ بِهَا مَرَضٌ) جملة حالية. وزاد المؤلِّف في «الشَّهادات» [خ¦2643] عن موسى بن إسماعيل، عن داود بن أبي الفرات (( وهم يموتون موتًا ذريعًا ) )_ بالذال المعجمة _ أي سريعًا.

(فَجَلَسْتُ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) يحتمل أن يكون «إلى» هاهنا على بابها لانتهاء الغاية، والمعنى انتهى جلوسي إلى عمر رضي الله عنه، والأوجه أن تكون هاهنا بمعنى عند؛ أي جلست عند عمر رضي الله عنه، كما في قول الشَّاعر

~أَمْ لَا سَبِيلَ إِلى الشَّبَابِ وذِكْرِه أَشْهَى إِلَيَّ مِن الرَّحِيقِ السَّلْسَل

أي عندي (فَمَرَّتْ بِهِمْ جَنَازَةٌ، فَأُثْنِيَ) على البناء للمفعول (عَلَى صَاحِبِهَا خَيْرًا) كذا في جميع الأصول بنصب «خيرًا» وكذا «شرًّا» ، وقد غلط من ضبط «أَثنى» _ بفتح الهمزة _ على البناء للفاعل، فإنَّه في جميع الأصول مبني للمفعول.

ووجه النَّصب على ما قاله ابن بطَّال أنَّه أقام الجار والمجرور مقام المفعول الأول، و «خيرًا» مقام المفعول الثَّاني وهو جائزٌ وإن كان المشهور عكسه.

وقال ابن مالك «خيرًا» صفة لمصدر محذوف أقيمت مقامه فنصب، والتَّفاوت بين الإسناد إلى الجار والمجرور والإسناد إلى المصدر قليل، وقال النَّووي هو منصوبٌ بنزع الخافض؛ أي فأثنى عليها بخيرٍ.

وقال صاحب «مصابيح الجامع» إنَّ «أثنى» مسند إلى الجار والمجرور و «خيرًا» مفعول لمحذوف؛ أي فقال المثنون خيرًا، ويروى بالرفع وهو ظاهر، وقال ابن التِّين الصَّواب الرفع، وفي نصبه بعدٌ في اللِّسان.

(فَقَالَ عُمَرُ)

ج 6 ص 515

رضي الله عنه (وَجَبَتْ، ثُمَّ مُرَّ) بضم الميم (بِأُخْرَى فَأُثْنِيَ عَلَى صَاحِبِهَا خَيْرًا، فَقَالَ عُمَرُ) رضي الله عنه (وَجَبَتْ، ثُمَّ مُرَّ) بضم الميم أيضًا (بِالثَّالِثَةِ، فَأُثْنِيَ عَلَى صَاحِبِهَا شَرًّا، فَقَالَ) أي عمر رضي الله عنه (وَجَبَتْ، فَقَالَ أَبُو الأَسْوَدِ) الرَّاوي المذكور بالإسناد السَّابق (فَقُلْتُ وَمَا) معنى قولكَ لكلٍّ منها (وَجَبَتْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟) مع اختلاف الثَّناء بالخير والشَّر.

(قَالَ) أي عمر رضي الله عنه (قُلْتُ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) والظَّاهر أنَّ المقول هو قوله الآتي «أيُّما مسلم ... » إلى آخره، فيكون مسنَدًا مرفوعًا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحينئذٍ فيكون قول عمر رضي الله عنهما لكلٍّ منهما «وجبت» بناء على اعتقاده صدق الوعد المستفاد من قوله صلى الله عليه وسلم (( أدخله الله الجنَّة ) ).

ويحتمل أن يكون المقول هو ما ذكره أنس رضي الله عنه في الحديث السَّابق [خ¦1367] فيكون هذا موقوفًا على عمر رضي الله عنه.

(أَيُّمَا مُسْلِمٍ) كلمة «ما» زائدة (شَهِدَ لَهُ أَرْبَعَةٌ) من المسلمين، وفي رواية التِّرمذي (( ثلاثة ) ) (بِخَيْرٍ، أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ، فَقُلْنَا) والمراد عمر وغيره (وَثَلاَثَةٌ؟ قَالَ) صلى الله عليه وسلم (وَثَلاَثَةٌ، فَقُلْنَا وَاثْنَانِ، قَالَ) صلى الله عليه وسلم (وَاثْنَانِ، ثُمَّ لَمْ نَسْأَلْهُ عَنِ الْوَاحِدِ) أي لم نسأل النَّبي صلى الله عليه وسلم عن ثناء الشَّخص الواحد هل يكتفي به؟

قال الزَّين ابن المُنيِّر إنَّما لم يسألوا عن الواحد استبعاد أن يكتفيَ في مثل هذا المقام العظيم بأقلَّ من النِّصاب.

واقتصر على الشَّق الأوَّل إمَّا للاختصار، وإمَّا لإحالة السَّامع في حكم الشَّر على القياس على الخير.

فإن قيل ما الحكمة في اختلاف العدد حيث جاء أربعة وثلاثة واثنان؟

فالجواب أنَّه لاختلاف المعاني؛ لأنَّ الثَّناء قد يكون بالسَّماع الفاشي على الألسنة بحيث يكون متواترًا ولا كلام فيه، والشَّهادة لا تكون إلَّا بالمعرفة بأحوال المشهود له، فيكفي في ذلك بأربعة شهداءٍ؛ لأنَّ ذلك أعلى ما يكون من الشَّهادة وإن لم يوجد أربعة فيُكتفَىَ بثلاثة وإلَّا فباثنين؛ لأنَّ ذلك أقل ما يجزئ في الشَّهادة على سائر الحقوق رحمةً من الله لعباده المؤمنين وتجاوزًا عنهم، أجرى أمورهم في الآخرة على نمط أمورهم في الدُّنيا، والله أعلم.

فإن قيل هل يختصُّ الثَّناء الذي ينفع الميت بالرِّجال أو يشمل النِّساء أيضًا؟ فإذا قلنا إنَّه يشمل النِّساء هل يكتفي بامرأتين أو لا بدَّ من رجلٍ وامرأتين أو أربع نسوة؟

فالجواب أنَّ الظَّاهر هو الاكتفاء باثنتين مسلمتين وأنَّه لا يُحتاج

ج 6 ص 516

إلى قيام امرأتين مقام رجلٍ واحدٍ، وقد يقال لا يُكتفىَ بشهادة النِّساء، ألا ترى أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم لم يكتف بشهادة المرأة التي أثنت على عثمان بن مظعون رضي الله عنه بقولها فشهادتي عليك أبا السَّائب لقد أكرمك الله، فقال لها النَّبي صلى الله عليه وسلم (( وما يدريك أنَّ الله أكرمه ) ) [خ¦1243] .

وقد يجاب عنه بأنَّه صلى الله عليه وسلم إنَّما أنكر عليها القطع بأنَّ الله أكرمه، وذلك مغيَّب عنها بخلاف الشَّهادة للميت بأفعاله الجميلة التي كان ملتبسًا بها في الحياة الدُّنيا.

والحديث الذي فيه قضية ابن مظعون رواه الحاكم من حديث حارثة بن زيدٍ أنَّ أمَّ العلاء امرأة من الأنصار قد بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبرته أنَّهم اقتسموا المهاجرين قرعة فطار لنا عثمان بن مظعون رضي الله عنه، فأنزلناه في أبياتنا، فوجع وجعه الذي مات فيه، فلمَّا توفي وغُسِّل وكُفِّن في أثوابه دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت يا عثمان بن مظعون رحمك الله يا أبا السَّائب، فشهادتي عليك لقد أكرمك الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( وما يدريك أنَّ الله أكرمه؟ ) )فقلت بأبي أنت يا رسول الله فمن؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( أمَّا هو فقد جاءه اليقين، فوالله إنِّي لأرجو له الخير والله ما أدري وأنا رسول الله ما يُفعل بي ) )قالت فوالله ما أزكي بعده أحدًا.

وقال هذا حديثٌ صحيحٌ على شرط الشَّيخين ولم يخرجاه.

وروى الطَّبراني في «معجمه الكبير» من رواية إسحاق بن إبراهيم بن قسطاس عن سعد بن إسحاق بن كعب بن عجرة، عن أبيه، عن جدِّه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يومًا لأصحابه (( ما تقولون في رجلٍ قُتل في سبيل الله؟ ) )قالوا الله ورسوله أعلم، قال (( الجنَّة إن شاء الله ) )قال (( فما تقولون في رجلٍ مات فقام رجلان ذوا عدلٍ فقالا لا نعلم إلَّا خيرًا ) )، قالوا الله ورسوله أعلم، قال «الجنَّة إن شاء الله تعالى قال فما تقولون في رجلٍ مات فقام رجلان ذوا عدلٍ فقالا لا نعلم [1] خيرًا» ، فقالوا النَّار، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( مذنبٌ والله غفورٌ رحيمٌ ) ).

فإن قيل هل يختصُّ الثَّناء الذي ينفع الميت بكون المثني ممَّن خالطه وعرف حاله أو هو على عمومه؟

فالجواب أنَّ الظَّاهر هو الأول، بدليل قوله صلى الله عليه وسلم في حديث أنسٍ الذي رواه أبو يَعلى الموصلي في «مسنده» بإسنادٍ صحيحٍ قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( ما من مسلمٍ يموت فيشهد له أربعة أهل أبيات من جيرانه الأدنين أنَّهم لا يعلمون

ج 6 ص 517

إلَّا خيرًا، إلَّا قال الله تعالى قد قبلت علمكم، وغفرتُ له ما لا تعلمون )) .

فإن قيل هل ينفع الثَّناء على الميت وإن خالف الواقع، أو لا بدَّ أن يكون الثَّناء عليه موافقًا للواقع؟

فالجواب ما قاله الشَّيخ زين الدِّين أنَّ فيه قولين للعلماء أصحَّهما أنَّ ذلك ينفعه، وإن لم يطابقِ الواقع لأنَّه لو كان لا ينفعه إلَّا بالموافقة لم يكن للثَّناء فائدةٌ، وقد تقدَّم أيضًا [خ¦1367] .

ويؤيِّد هذا ما رواه ابن عديٍّ في «الكامل» من رواية فراتِ بن السَّائب عن ميمون بن مهران، عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال (( إنَّ العبدَ ليرزق الثَّناء والسِّتر والحبَّ من النَّاس حتَّى تقول الحفظة ربَّنا إنَّك تعلم غير ما يقولون، فيقول أشهدكم أنِّي قد غفرتُ له ما لا يعلمون، وقبلت شهادتهم على ما يقولون ) ).

فإن قيل هل يشترطُ في هذه الشَّهادة العدالة كما في سائر الشَّهادات، أو يكفي في ذلك شهادة المسلمين وإن لم يكونوا بوصف العدالةِ المشترطة في الشَّهادة؟

فالجواب أنَّ الظَّاهر هو الأوَّل بدليل حديث كعب بن عُجرة رضي الله عنه الذي ذكر آنفًا؛ لأنَّه قال فيه «فقام رجلان ذوا عدلٍ» ، وعلى الثَّاني يدلُّ ظاهر حديث الباب، ومع هذا الأصل في الشَّهادة العدالة، والله أعلم.

ورواه هذا الحديث كلُّهم بصريُّون إلَّا أنَّ داود مروزيٌّ تحول إلى البصرة، وهو من أفراد المؤلِّف، وفيه رواية تابعيٍّ عن تابعيٍّ عن صحابيٍّ.

وأخرج متنه المؤلِّف في «الشَّهادات» أيضًا [خ¦2643] ، وأخرجه التِّرمذي في «الجنائز» ، وكذا النَّسائي.

[1] من قوله (( إلا خيرًا ... إلى قوله لا نعلم ) )ليست في (خ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت