فهرس الكتاب

الصفحة 3449 من 11127

2212 - (حَدَّثَنِي) بالإفراد (إِسْحَاقُ) قال الغسَّاني لم أجده منسوبًا لأحد من الرُّواة، وقال خلف وغيره في «الأطراف» إنَّه إسحاق بن منصور. واستخرج أبو نُعَيْمٍ هذا الحديث من «مسند إسحاق بن راهويه» عن ابن نُمَيْرٍ، وقال أخرجه البخاري عن إسحاق. وقال في «التَّفسير» أخرجه البخاري عن إسحاق بن منصور [خ¦4546] قال

(حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ) بضم النون وفتح الميم وسكون التحتية، هو عبد الله بن نُمَيْر، وقد مرَّ في (( التيمُّم ) ) [خ¦336] ، قال (أَخْبَرَنَا هِشَامٌ) هو ابنُ عروة (ح) تحويل من إسناد إلى آخر.

(وَحَدَّثَنِي) بالإفراد، قد سبق غير مرَّة أنَّ الأولى في مثله حذف الواو لإغناء حاء التَّحويل عنه

ج 10 ص 360

(مُحَمَّدٌ) هو ابن المُثَنَّى المشهور بالزَّمِن، وقد مرَّ في (( الإيمان ) )، كذا قاله الكرْمَانِيُّ. ويقال هو محمَّد بن سَلَامٍ، والظَّاهر أنَّه هو، كذا قال العيني.

قال (سَمِعْتُ عُثْمَانَ بْنَ فَرْقَدٍ) بفتح الفاء وسكون الراء وفتح القاف وفي آخره دال مهملة، على وزن جعفر هو العطَّار البصري، فيه مقال، ولم يخرج له البخاري موصولًا إلا هذا الحديث، وقد قرنه بابن نُمَيْرٍ، وذكر له آخر تعليقًا في (( المغازي ) ) [خ¦4145 م] . (قَالَ سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ عُرْوَةَ يُحَدِّثُ، عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير بن العوَّام (أَنَّهُ سَمِعَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا تَقُوُل {وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ} [النساء 6] ) هذه الآية في سورة النِّساء.

وأوَّل آية {وَابْتَلُوا الْيَتَامَى} ؛ أي اختبروهم، قاله ابن عبَّاس رضي الله عنهما، ومجاهد والحسن والسُّدِّيُّ ومقاتل، والمعنى اختبروهم قبل البلوغ بتتبُّع أحوالهم في صلاح الدِّين والتهدِّي إلى ضبط المال، وحسن التصرُّف بأن تكلوا إليهم مقدِّمات العقد. وعند أبي حنيفة رحمه الله بأن يُدْفَعَ إليه ما يتصرَّف فيه.

{حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ} قال مجاهد يعني الحكم، يعني حدَّ البلوغ بأن يحتلم، أو يستكمل ثمانية عشر عند أبي حنيفة رحمه الله، أو يستكمل خمسة عشر عند الشَّافعية؛ لقوله صلى الله عليه وسلم (( إذا استكمل المولود خمس عشرة سنة كتب ما له وما عليه، وأقيمت عليه الحدود ) )، فبلوغ النِّكاح كناية عن البلوغ؛ لأنَّه يصلح للنِّكاح عنده.

{فَإِنْ آَنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا} أي فإن أبصرتم منهم رشدًا. وقال سعيد بن جبير يعني صلاحًا في دينهم، وحفظًا لأموالهم. وقُرِئ في الشَّاذ (( فإن أَحَسْتُم ) )بمعنى أحسستم.

{فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ} من غير تأخير عن حدِّ البلوغ، والشَّرطية جواب إذا المتضمنة لمعنى الشرط، والجملة غاية الابتلاء، فكأنَّه قيل وابتلوا اليتامى إلى وقت بلوغهم، واستحقاق دفع أموالهم بشرط إيناس الرُّشد منهم. وفيه دليل على أنَّه لا يدفع إليهم ما لم يؤنسْ منهم الرشد.

وقال أبو حنيفة إذا زادت على سنِّ البلوغ سبع سنين، وهي مدَّة معتبرة في تغيُّر الأحوال؛ إذ الطِّفل يتميَّز بعدها ويؤمر بالعبادة، دفع إليه المال وإن لم يؤنَسْ منه الرشد، ثم إنِّ الله تعالى نهى

ج 10 ص 361

عن أكل أموال اليتامى من غير حاجة ضرورية إسرافًا ومبادرة قبل بلوغهم، فقال {وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا} أي مسرفين ومبادرين كبرهم أو لإسرافكم ومبادرتكم كبرهم.

{وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا} أي من كان في غنية عن مال اليتيم {فَلْيَسْتَعْفِفْ} عنه ولا يأكل منه شيئًا {وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ} بقدر حاجته وأجرة سعيه. ولفظ الاستعفاف والأكل بالمعروف مشعر بأن الوليَّ له حقٌّ في مال الصَّبي.

{فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ} بأنهم قبضوها، فإنَّه أنفى للتُّهمة وأبعد للخصومة ووجوب الضَّمان، وظاهره يدلُّ على أن القيِّم لا يصدق في دعواه إلا بالبيَّنة، وهو المختار عند الشَّافعي ومالك. وقال أبو حنيفة يصدَّق بقوله مع يمينه {وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا} [النساء 6] [1] محاسبًا فلا تخالفوا ما أُمِرْتُم، ولا تجاوزا ما حُدَّ لكم.

(أُنْزِلَتْ) هذه الآية (فِي وَالِي الْيَتِيمِ) وهو الذي يلي أمره ويتولَّاه (الَّذِي يُقِيمُ عَلَيْهِ) قال ابن التِّين الصَّواب يقوم؛ لأنه من القيام لا من الإقامة. وقال العيني لا مانع من ذلك؛ لأنَّ معناه يلازمه ويعتكف عليه، أو يقيم نفسه عليه، وكذا قال الكرْمَانِي، وكذا قال الحافظ العسقلاني قال وكذا أخرجه أبو نُعيم عن هشام من وجه آخر، ولم يقع في رواية ابن نُمَيْر شيء من ذلك، ولا في رواية أبي أسامة في (( الوصايا ) ) [خ¦2765] ، والله أعلم.

(وَيُصْلِحُ فِي مَالِهِ، إِنْ كَانَ فَقِيرًا أَكَلَ مِنْهُ بِالْمَعْرُوفِ) يعني بقدر قيامه عليه. وقال الفقهاء له أن يأكل أقلَّ الأمرين أجرة مثله أو قدر حاجته. واختلفوا هل يردُّ إذا أيسر؟ على قولين

أحدهما لا؛ لأنَّه أكل بأجرة عمله وكان فقيرًا، وهو الصَّحيح عند أصحاب الشَّافعي؛ لأن الآية أباحت الأكل من غير بدل. وقد قال الإمام أحمد نا عبد الوهاب نا حسين، عن عَمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدِّه أنَّ رجلًا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم،

ج 10 ص 362

فقال ليس لي مال ولي يتيم، فقال (( كلْ من مال يتيمك غير مسرفٍ ولا مبذِّر ولا متأثِّل مالًا، ومن غير أن تقي مالك أو قال تُفدي مالك ) )شكَّ حسين.

وروى ابن حِبَّان في «صحيحه» ، وابن مَرْدُويه في «تفسيره» من حديث عليِّ بن مهدي، عن جعفر بن سليمان، عن أبي عامر الخراز، عن عَمرو بن دينار، عن جابر رضي الله عنه أنَّ رجلًا قال يا رسول الله بم أضرب [2] يتيمي؟ قال (( ما كنت ضاربًا منه ولدك غير واقٍ مالك بماله، ولا متأثِّل منه مالًا ) ).

وقال ابنُ جرير نا الحسن بن يحيى أنا عبد الرَّزَّاق أنا الثَّوري، عن يحيى بن سعيد، عن القاسم بن محمَّد، قال جاء أعرابيِّ إلى ابن عبَّاس رضي الله عنهما، فقال إنَّ في حجري أيتامًا، وإن لهم إبلًا ولي إبل، وأنا أمنحُ في إبلي وأفقر فماذا يحلُّ لي من ألبانها؟ فقال (( إن كنتَ تبغي ضالَّتها وتَهْنأ جُربانها، وتلوطُ حوضَها، وتسقِي عليها فاشربْ غير مضرٍّ بنسلٍ ولا ناهك في الحلب ) ). وبهذا القول وهو عدم البدل يقول عطاء بن أبي رباح وعكرمة وإبراهيم النَّخعي وعطيَّة العوفي والحسن البصري.

والثَّاني نعم؛ لأنَّ مال اليتيم على الحظر، وإنَّما أبيح للحاجة فيردُّ بدله كأكل مال الغير للمضطرِّ عند الحاجة. وقد قيل في قوله تعالى {وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ} [النساء 6] يعني القرض، كذا رواه ابنُ أبي حاتم من طريق عليِّ بن أبي طلحة، عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما.

ورُوِيَ من طريق السُّدِّي، عن عِكْرِمة، عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما في قوله {فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ} قال (( يأكل بثلاث أصابع ) ).

وقال الشَّعبي لا يأكل منه إلَّا أن يضطر إليه كما يضطرَّ إلى الميِّتة، فإن أكل منه قضاه، رواه ابن أبي حاتم. وقيل إنَّ الوليَّ يستقرض من مال اليتيم إذا افتقر، وبه قال عبيدة وعطاء وأبو العالية. وقيل فليأكلْ بالمعروف في مال نفسه؛ لئلا يحتاج إلى مالِ اليتيم.

وقال مجاهدٌ ليس عليه أن يأخذَ قرضًا ولا غيره، وبه قال أبو يوسف، وذهب إلى أنَّ الآية منسوخة نسخها {لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} [النساء 29] .

وقد ثبت في «صحيح مسلم» أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال (( يا أبا ذرٍّ إنِّي أراك

ج 10 ص 363

ضعيفًا، وأنا أحبُّ لك ما أحبُّ لنفسي لا تَأَمْرنَّ على اثنين ولا تَوَلَّينَّ مال يتيم )) .

ورجال إسناد الحديث المذكور ما بين مروزيٍّ وهو إسحاق، وقد انتقل إلى نيسابور سواء كان ابن منصور أو ابن راهويه، وبصري وهو محمَّد إن كان ابن المُثَنَّى، وبخاري بيكندي إن كان محمَّد بن سَلَام، وكذا عثمان بن فَرْقَدٍ؛ أي بصري، وابن نُمَيْرٍ كوفي، وهشام وأبوه مدنيَّان.

وقد أخرج متنه المؤلِّف في (( التَّفسير ) )أيضًا [خ¦4575] . وأخرجه مسلم في آخر الكتاب. وأمَّا مطابقته للتَّرجمة ففي قوله أكل منه بالمعروف، والله أعلم.

[1] في هامش الأصل قوله تعالى {وَكَفَىَ بِاللهِ حَسِيْبًَا} أي محاسبًا وشاهدًا ورقيبًا على الأولياء في حال نظرهم للأيتام، وحال تسليمهم الأموال هل هي كاملة موفرة أو منقوصة مبخوسة، مروَّج حسابها، مدلس أمورها، الله أعلم بذلك كله. منه.

[2] في هامش الأصل في نسخة (( مم أضرب ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت