4553 - (حَدَّثَنِي) بالإفراد (إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى) أبو إسحاق الفرَّاء، الرازي الصَّغير (عَنْ هِشَامٍ) هو ابنُ يوسف الصَّنعاني (عَنْ مَعْمَرٍ) هو ابنُ راشد. قال البُخاري رحمه الله (وَحَدَّثَنِي) بالإفراد أيضًا (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المعروف بالمسندي، قال (حَدَّثَنَا) وفي رواية أبي ذرٍّ (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) هو ابنُ همام، قال (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) المذكور (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمد بن مسلم بن شهاب، أنَّه قال (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عُبَيْدُ اللَّهِ) بضم العين مصغَّرًا (ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ) أي ابن مسعود (قَالَ حَدَّثَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما (قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو سُفْيَانَ) صخر بن حربٍ، حال كونه (مِنْ فِيهِ إِلَى فِيَّ) أي من فمه إلى فمي، وأرادَ به شدَّة تمكُّنه من الإصغاء إليه، وغاية قربهِ بتحديثه بحيث يجيبُه إذا احتاجَ إلى الجواب بفمه، وإلَّا فحقيقته أن يُقال إلى أذني.
واتَّفق أكثر الرِّوايات على أنَّ الحديث كلَّه من رواية ابن عبَّاس رضي الله عنهما عن أبي سفيان رضي الله عنه إلَّا ما وقع من رواية صالح بن كيسان عن الزُّهري في «الجهاد» [خ¦2940] ، فإنَّه ذكر أول الحديث عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما إلى قوله «فلمَّا جاء قيصرَ كتابُ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال حين قرأه التمسوا لي هاهنا أحدًا من قومه لأسألهم عنه، قال ابن عبَّاس رضي الله عنهما فأخبرني أبو سفيان أنَّه كان بالشَّام، الحديث، وهذه الرِّواية المفصلة تُشعر بأنَّ فاعل قال الَّذي وقع هنا من قوله قال وكان دحية ... إلى آخره هو ابنُ عبَّاس رضي الله عنهما لا أبو سفيان، وفاعل قال وقال هرقل هل هاهنا أحدٌ هو أبو سفيان.
(قَالَ انْطَلَقْتُ فِي الْمُدَّةِ الَّتِي كَانَتْ بَيْنِي وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وفي رواية أبي ذرٍّ وهي مدَّة المصالحة (قَالَ فَبَيْنَا) بغير ميم (أَنَا بِالشَّأْمِ، إِذْ جِيءَ بِكِتَابٍ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى هِرَقْلَ) بكسر الهاء وسكون القاف على المشهور في الرِّوايات، وحكى الجوهري وغير واحدٍ من أهل اللُّغة سكون الراء وكسر القاف،
ج 19 ص 188
وهو اسمٌ غير عربيٍّ فلا ينصرف للعجمة والعلميِّة، وهو الملقَّب بقيصر عظيم الرُّوم (قَالَ) أي ابن عبَّاس رضي الله عنهما، وقيل أي أبو سفيان، فتذكَّر (وَكَانَ دحْيَةُ) بفتح المهملة الأولى وكسرها وسكون الثَّانية، هو ابنُ خليفة (الْكَلْبِيُّ جَاءَ بِهِ) أي من عند النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في آخر سنة ست (فَدَفَعَهُ) أي دحية (إِلَى عَظِيمِ بُصْرَى) أي عظيم أهل بُصْرى _ بضم الموحدة وإسكان المهملة مقصورًا _ مدينةٌ بين الشَّام والحجاز، وهو الحارثُ بن أبي شمر الغسَّاني (فَدَفَعَهُ عَظِيمُ بُصْرَى إِلَى هِرَقْلَ) فيه تجوُّزٌ؛ لأنَّه أرسل به إليه صحبة عديِّ بن حاتم، كما عند ابن السَّكن (قَالَ) أي أبو سفيان (فَقَالَ هِرَقْلُ هَلْ هَاهُنَا أَحَدٌ مِنْ قَوْمِ هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ؟ فَقَالُوا نَعَمْ، قَالَ) أي أبو سفيان (فَدُعِيتُ فِي نَفَرٍ) بضم الدال على البناء للمفعول، «في نفرٍ» النَّفر اسم جمعٍ يقعُ على جماعةٍ من الرِّجال خاصَّةً ما بين الثَّلاثة إلى العشرة، ولا واحد له من لفظه؛ أي «مع نفرٍ» (مِنْ قُرَيْشٍ، فَدَخَلْنَا عَلَى هِرَقْلَ) فيه حذف تقديره فجاءنا رسوله فطلبنا فتوجَّهنا معه حتَّى وصلنا إليه، فاستأذن لنا فأذنَ فدخلنا، وهذه الفاء تُسمَّى فصيحة، وهي الدَّالَّة على محذوفٍ قبلها هو سببٌ لما بعدها سُمِّيت فصيحة لإفصاحها عمَّا قبلها، وقيل لأنَّها تدلُّ على فصاحةِ المتكلِّم بها فوُصِفت بالفصاحة على الإسناد المجازيِّ، ولهذا لا تقعُ إلَّا في كلامٍ بليغٍ، ثمَّ إنَّ ظاهر السِّياق أنَّ هرقل أرسل إليه بعينه وليس كذلك، وإنَّما كان المطلوب من يوجد.
ووقع في «الجهاد» [خ¦2941] قال أبو سفيان فوجدنا رسولُ قيصرَ ببعض الشَّام فانطلق بي وبأصحابي حتَّى قدمنا إيلياء، وتقدم في «بدء الوحي» [خ¦7] أنَّ المرادَ بالبعض غَزَّة، وفيه أيضًا بلفظ وأتوه وهو بإيلياء، وفي رواية هناك وهم بإيلياء، واستشكلت ووجَّهت بأنَّ المراد الرُّوم مع ملكهم (فَأُجْلِسْنَا) بضم الهمزة وسكون الجيم وكسر اللام على البناء للمفعول (بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ أَيُّكُمْ أَقْرَبُ نَسَبًا مِنْ هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ؟ فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ فَقُلْتُ أَنَا، فَأَجْلَسُونِي بَيْنَ يَدَيْهِ) أي بين يدي هرقل واختار هرقل، ذلك؛ لأنَّ الأقرب أحرى بالاطِّلاع على أحوال قريبه من غيره(وَأَجْلَسُوا
ج 19 ص 189
أَصْحَابِي)القرشيين (خَلْفِي) وفي رواية «الجهاد» [خ¦2941] (( عند كتفي ) )وهو أخصُّ. وعند الواقدي فقال لترجمانه قل لأصحابه إنَّما جعلتكم عند كتفيه لتردُّوا عليه كذبًا إن قاله.
(ثُمَّ دَعَا بِتُرْجُمَانِهِ) وهو الَّذي يُفسِّر لغة بلغةٍ أخرى قيل إنَّه عربيٌّ، وقيل معرَّبٌ، وهو الأشهر، فعلى الأول النون زائدة اتفاقًا، ثم قيل هو من ترجيم الظَّنِّ، وقيل من الرجم، فعلى الثَّاني تكون التاء أيضًا زائدة، وتوجب كونه من الرَّجم أنَّ الَّذي يُلقي عليه الكلام كأنَّه يرجم إليه؛ أي يلقيه إليه، وهذا يقتضي أنَّ هرقل خاطبهم أولًا بغير ترجمانٍ، ثمَّ دعا بالترجمان، لكن وقع في «الجهاد» [خ¦2941] بلفظ فقال لترجمانه سلهم أيهم أقرب نسبًا ... إلى آخره، فيُجمع بين هذا الاختلاف بأنَّ قوله «ثمَّ دعا بترجمانه» ؛ أي فأجلسه إلى جنبِ أبي سفيان؛ لأنَّ المراد أنَّه كان غائبًا فأرسل في طلبه فحضر، وكأنَّ التُّرجمان كان واقفًا في المجلسِ، كما جرت به عادة ملوك الأعاجم، فخاطبهم هرقل بالسُّؤال الأوَّل، فلمَّا تحرَّر له حال الَّذي أراد أن يُخاطبَه من بين الجماعة أمر التُّرجمان بالجلوس إليه ليعبِّر عنه بما أراد (فَقَالَ) له (قُلْ لَهُمْ إِنِّي سَائِلٌ) بالتنوين (هَذَا) أي أبا سفيان (عَنْ هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ) أشار إليه إشارة القرب، لقرب العهد بذكره، أو لأنَّه معهودٌ في أذهانهم لاشتراك الجميع في معاداته. ووقع عند ابن إسحاق من الزِّيادة على هذه القصَّة قال أبو سفيان فجعلت أُزهِّده في شأنه وأُصغِّر أمره، وأقول إنَّ شأنه دون ما بلغك، فجعل لا يلتفت إلى ذلك (فَإِنْ كَذَبَنِي) بتخفيف الذال؛ أي نقل إليَّ الكذب (فَكَذِّبُوهُ) بتشديد الذال، يُقال كَذَبَ _ بالتخفيف _ يتعدَّى إلى مفعولين مثل صدق، تقول كَذَبني الحديث، وصَدَقني الحديث قال الله تعالى {لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ} [الفتح 27] وكَذَّب _ بالتَّشديد _ يتعدَّى إلى مفعول واحدٍ، وذلك من غرائب الألفاظ لمخالفتهما الغالبِ؛ لأنَّ الزِّيادة تُناسب الزِّيادة وبالعكس، والأمر هنا بالعكس، والمعنى قال لترجمانه يقول لهم ذلك، ولمَّا جرت العادة في أنَّ مجالسَ الأكابر لا يُواجه أحدٌ بالتَّكذيب احترامًا لهم أذن لهم هرقل في ذلك للمصلحة التي أرادها.
(قَالَ أَبُو سُفْيَانَ وَايْمُ اللَّهِ) بالهمزة وبغير همز، وفيها لغاتٌ أخرى (لَوْلاَ أَنْ يُؤْثَر) بفتح المثلثة على البناء للمفعول بصيغةِ الإفراد (عَلَيَّ الْكَذِبُ) بالرفع
ج 19 ص 190
على أنَّه نائب عن الفاعل، ويُروى بصيغةِ الجمع على البناء للفاعل، فلفظ الكذبِ منصوبٌ على المفعولية.
قال ابنُ الأثير أي لولا أن يرووا عنِّي ويحكوا الكذب (لَكَذَبْتُ) أي عليه (ثُمَّ قَالَ لِتُرْجُمَانِهِ سَلْهُ كَيْفَ حَسَبُهُ فِيكُمْ) كذا هنا، وفي كتاب «بدء الوحي» وغيره [1] كيف نسبه، والنَّسب الوجه الذي يحصلُ به الإدلاء من جهةِ الآباء، والحسبُ ما يعدُّه المرء من مفاخرِ آبائه ولا منافاةَ بينهما، فإنَّ الحسبَ مستلزمٌ للنَّسب (قَالَ) أي أبو سفيان (قُلْتُ هُوَ فِينَا ذُو حَسَبٍ) وفي غير هذه الرِّواية ، والمعنى ذو حسبٍ رفيعٍ وذو نسبٍ كبيرٍ، فإنَّ التَّنوين يدلُّ على التَّعظيم.
وعند البزَّار من حديث دِحية قال كيف حسبُه فيكم؟ قال هو في حسب ما لا يفضل عليه أحدٌ، ووقع في رواية ابن إسحاق كيف نسبُه فيكم؟ قال في الذِّروة. وهي بكسر المعجمة وسكون الراء، أعلى ما في البعير من السَّنام، فكأنَّه قال هو من أعلانا نسبًا (قَالَ فَهَلْ) وفي رواية أبي ذرٍّ بدون الفاء (كَانَ مِنْ آبَائِهِ) وفي رواية الكُشميهني (مَلِكٌ) بفتح الميم وكسر اللام، وهذه الرِّواية تؤيِّد أنَّ الرِّواية السَّابقة في بدء الوحي بلفظ (( من ملك ) )بلفظ الفعل الماضي.
(قَالَ قُلْتُ لاَ، قَالَ فَهَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالْكَذِبِ) على الناس (قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ؟ قُلْتُ لاَ، قَالَ أَيَتَّبِعُهُ) بتشديد المثناة الفوقية وبهمزة الاستفهام (أَشْرَافُ النَّاسِ أَمْ ضُعَفَاؤُهُمْ؟ قَالَ قُلْتُ بَلْ ضُعَفَاؤُهُمْ، قَالَ) أي هرقل (يَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ؟) كذا فيه بإسقاط همزة الاستفهام، ويُروى ، قال ابن مالك يجوز حذف همزة الاستفهام مطلقًا خلافًا لمن خصَّه بالشِّعر (قَالَ) أي أبو سفيان (قُلْتُ لاَ) أي لا ينقصون (بَلْ يَزِيدُونَ قَالَ) أي هرقل (هَلْ يَرْتَدُّ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَنْ دِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ؟) فإن قيل لمَ لم يستغن هرقل عن هذا السؤال بقول أبي سفيان «بل يزيدون؟» فالجواب أنَّه لا ملازمة بين الارتداد والنَّقص، فقد يرتدُّ بعضهم، ولا يظهر فيهم النَّقص باعتبار كثرة من يدخل، وقلَّة من يرتدَّ مثلًا (سُخْطَةً لَهُ؟) بضم السين وفتحها وبالنصب على أنَّه مفعول له
ج 19 ص 191
أو حال. وقال العيني السَّخطة _ بالتاء _ إنما هي بفتح السين فقط؛ أي هل يرتدَّ أحدٌ منهم كراهةً لدينه، وعدم رضى.
يريد أنَّ من دخل في الشَّيء على بصيرةٍ يبعد رجوعه عنه بخلاف من لم يكن ذلك من صميم قلبه، فإنَّه يتزلزل بسرعة، وعلى هذا يُحمل حال من ارتدَّ من قريشٍ، ولهذا لم يُعرج أبو سفيان على ذكرهم، وفيهم صهره زوج ابنته أم حبيبة وهو عبدُ الله بن جحش، فإنَّه كان أسلم وهاجر إلى الحبشة بزوجته، ثمَّ تنصَّر بالحبشة، ومات على نصرانيَّته، وتزوَّج النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمَّ حبيبة بعده، وكأنَّه لم يكن ممَّن دخلَ في الإسلام على بصيرةٍ، وكان أبو سفيان وغيره من قريش يعرفون ذلك منه فلذلك لم يُعرج عليه خشية أن يكذِّبوه، ويحتمل أن لا يكونوا عرفوا بما وقع له من التَّنصُّر، وفيه بُعْد، أو المراد بالارتداد الرُّجوع إلى الأمر الأوَّل، ولم يقع ذلك لعبيد الله بن جحش، ولم يطَّلع أبو سفيان على من وقع له ذلك.
(قَالَ) أي أبو سفيان (قُلْتُ لاَ، قَالَ) أي هرقل (فَهَلْ قَاتَلْتُمُوهُ) إنَّما نسب ابتداء القتال إليهم، ولم يقل هل قاتلكم محافظةً على احترامه، أو لاطِّلاعه على أنَّ النَّبي لا يبدأ بقتال قومه حتَّى يقاتلوه، أو لما عرفه من العادة من حمية من يُدعى إلى الرُّجوع عن دينه (قَالَ) أي أبو سفيان (نَعَمْ) قاتلناه (قَالَ) أي هرقل (وَكَيْفَ كَانَ قِتَالُكُمْ إِيَّاهُ؟ قَالَ) أي أبو سفيان (قُلْتُ تَكُونُ الْحَرْبُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ سِجَالًا) بكسر السين؛ أي نوبةٌ له، ونوبةٌ لنا كما قال (يُصِيبُ مِنَّا وَنُصِيبُ مِنْهُ) بالياء في الأول وبالنون في الثَّاني، وقد وقعت المقاتلة بين النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وبين قريش قبل هذه القصة في ثلاثة مواطن بدر وأحد والخندق، فأصاب المسلمون من المشركين في بدر، وعكسه في أحد، وأُصيب من الطائفتين ناسٌ قليلٌ في الخندق، فصحَّ قول أبي سفيان يُصيب منَّا ونصيبُ منه (قَالَ) أي هرقل (فَهَلْ يَغْدِرُ) بكسر الدال؛ أي ينقض العهد (قَالَ) أي أبو سفيان (قُلْتُ لاَ) أي لا يغدر(وَنَحْنُ مِنْهُ فِي مُدَّةٍ لاَ نَدْرِي مَا هُوَ صَانِعٌ
ج 19 ص 192
فِيهَا، قَالَ)أي أبو سفيان (وَاللَّهِ مَا أَمْكَنَنِي مِنْ كَلِمَةٍ أُدْخِلُ فِيهَا شَيْئًا) انتقصه به (غَيْرَ هَذِهِ) أي الكلمة (قَالَ) هرقل (فَهَلْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ أَحَدٌ) أي من قريش (قَبْلَهُ؟ قُلْتُ لاَ، ثُمَّ قَالَ) أي هرقل (لِتُرْجُمَانِهِ قُلْ لَهُ) أي لأبي سفيان (إِنِّي سَأَلْتُكَ) أي قل له حاكيًا عن هرقل إنِّي سألتك، أو المراد إنِّي سألتك على لسان هرقل؛ لأنَّ الترجمان يعيد كلام هرقل، ويعيد لهرقل كلام أبي سفيان، ولا يبعد أن يكون هرقل كان يفقه بالعربية ويأنف من التَّكلُّم بغير لسان قومه، كما جرت به عادة الملوك من الأعاجم (عَنْ حَسَبِهِ فِيكُمْ، فَزَعَمْتَ أَنَّهُ فِيكُمْ ذُو حَسَبٍ) رفيعٍ (وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ تُبْعَثُ فِي أَحْسَابِ قَوْمِهَا) أي في أرفعها (وَسَأَلْتُكَ هَلْ كَانَ فِي آبَائِهِ مَلِكٌ، فَزَعَمْتَ أَنْ لاَ، فَقُلْتُ) أي في نفسي، وأطلق القول على حديث النَّفس (لَوْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مَلِكٌ، قُلْتُ رَجُلٌ يَطْلُبُ مُلْكَ آبَائِهِ) بالجمع، وفي «بدء الوحي» [خ¦7] (( ملك أبيه ) )بالإفراد (وَسَأَلْتُكَ عَنْ أَتْبَاعِهِ) بفتح الهمزة وسكون الفوقية (أَضُعَفَاؤُهُمْ أَمْ أَشْرَافُهُمْ، فَقُلْتَ بَلْ ضُعَفَاؤُهُمْ، وَهُمْ أَتْبَاعُ الرُّسُلِ، وَسَأَلْتُكَ هَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالْكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ، فَزَعَمْتَ أَنْ لاَ، فَعَرَفْتُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيَدَعَ الْكَذِبَ عَلَى النَّاسِ) قبل أن يُظهرَ رسالته (ثُمَّ يَذْهَبَ فَيَكْذِبَ عَلَى اللَّهِ) بعد إظهارها، ويذهب ويكذب نصب عند أبي ذرٍّ عطفًا على المنصوب السَّابق (وَسَأَلْتُكَ هَلْ يَرْتَدُّ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَنْ دِينِهِ) الإسلام (بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ سَخْطَةً لَهُ، فَزَعَمْتَ أَنْ لاَ، وَكَذَلِكَ الإِيمَانُ إِذَا خَالَطَ) هذا يُرجِّح أنَّ الرِّواية التي في «بدء الوحي» [خ¦7] بلفظ (( حتى يُخالط ) ) [2] وهمٌ، والصَّواب «حين» كما في رواية الأكثر (بَشَاشَةَ الْقُلُوبِ) التي يدخل فيها، والقلوب بالجر على الإضافة (وَسَأَلْتُكَ هَلْ يَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ، فَزَعَمْتَ أَنَّهُمْ يَزِيدُونَ، وَكَذَلِكَ الإِيمَانُ) لا يزال في زيادةٍ (حَتَّى يَتِمَّ) بالأمور المعتبرة فيه من الصَّلاة وغيرها (وَسَأَلْتُكَ هَلْ قَاتَلْتُمُوهُ، فَزَعَمْتَ أَنَّكُمْ قَاتَلْتُمُوهُ، فَتَكُونُ الْحَرْبُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ سِجَالًا، يَنَالُ مِنْكُمْ وَتَنَالُونَ مِنْهُ) هو معنى قوله يُصيب منا ونُصيب منه (وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ تُبْتَلَى، ثُمَّ تَكُونُ لَهُمُ الْعَاقِبَةُ) وهذه الجملة من قوله وسألتك
ج 19 ص 193
هل قاتلتموه إلى هنا حذفه الرَّاوي في «بدء الوحي» [خ¦7] (وَسَأَلْتُكَ هَلْ يَغْدِرُ فَزَعَمْتَ أَنَّهُ لاَ يَغْدِرُ) وفي نسخة (وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ لاَ تَغْدِرُ) لأنَّهم لا يطلبون حظَّ الدُّنيا الذي لا يناله طالبه إلا بالغدرِ، ولا يُبالي به (وَسَأَلْتُكَ هَلْ قَالَ أَحَدٌ هَذَا الْقَوْلَ قَبْلَهُ، فَزَعَمْتَ أَنْ لاَ، فَقُلْتُ لَوْ كَانَ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ أَحَدٌ قَبْلَهُ، قُلْتُ رَجُلٌ ائْتَمَّ) أي اقتدى (بِقَوْلٍ قِيلَ قَبْلَهُ) ذكر الأجوبة على ترتيب الأسئلة، وأجاب عن كلٍّ بما يقتضيه الحال، وحاصل الجميع ثبوتُ علامات النُّبوَّة في الكلِّ، فالبعض ممَّا تلقفه من الكتب، والبعض ممَّا استقرأه من العادة، ووقع في «بدء الوحي» [خ¦7] إعادة الأجوبة مشوَّشة الترتيب، وهو من الرَّاوي بدليل أنَّه حذف منها واحدةً، وهي قوله هل قاتلتموه ... إلى آخره.
ووقع في رواية «الجهاد» [خ¦2941] مخالفة في الموضعين فإنَّه أضاف قوله (( بم يأمركم ) )إلى بقيَّة الأسئلة، فكملت بها عشرة، وأمَّا هنا فأخَّره إلى إعادة الأسئلة والأجوبة وما رُتِّب عليها.
(قَالَ) أي أبو سفيان (ثُمَّ قَالَ) أي هرقل (بِمَ) بغير ألف بعد الميم (يَأْمُرُكُمْ) قال؛ أي أبو سفيان (قُلْتُ يَأْمُرُنَا بِالصَّلاة، وَالزَّكَاةِ، وَالصِّلَةِ) للأرحام (وَالْعَفَافِ) بفتح العين المهملة؛ أي الكفُّ عن المحارم وخوارم المروءة، وزاد في «الوحي» [خ¦7] الجواب عن هذه (قَالَ) أي هرقل (إِنْ يَكُ) وفي رواية أبي ذرٍّ (ما تَقُولُ فِيهِ حَقًّا فَإِنَّهُ نَبِيٌّ) ووقع في رواية «الجهاد» [خ¦2681] وهذه صفة نبيٍّ، وفي مرسل سعيد بن المسيب عند ابنِ أبي شيبة فقال هو نبيٌّ.
وفي «أمالي» المحاملي رواية الأصبهانيين من طريق هشام بن عروة عن أبيه عن أبي سفيان أنَّ صاحب بُصرى أخذه وناسًا معه وهم في تجارةٍ، فذكر القصَّة مختصرةً دون الكتاب وما فيه، وزاد في آخرها قال فأخبرني هل تعرف صورته إذا رأيتها؟ قلت نعم، قال فأُدخلت كنيسةً لهم فيها الصُّور فلم أره، ثمَّ أُدخلت أخرى فإذا أنا بصورة محمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وصورة أبي بكر رضي الله عنه إلَّا أنَّه دونه.
وفي «دلائل النبوة» لأبي نُعيمٍ بإسنادٍ ضعيف أنَّ هرقلَ أخرج لهم سفطًا من ذهب عليه قفلٌ من ذهب، فأخرج منه حريرةً مطويَّةً فيها صور فعرضها عليهم إلى
ج 19 ص 194
أن كان آخرها صورة محمَّد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال فقلنا بأجمعنا هذه صورة محمد، فذكر لهم أنَّها صور الأنبياء عليهم السَّلام، وأنَّه خاتمهم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
(وَقَدْ كُنْتُ أَعْلَمُ أَنَّهُ خَارِجٌ) أي أنَّه سيُبعث في هذا الزَّمان (وَلَمْ أَكُ) بحذف النون، وفي رواية أبي ذرٍّ بالنون (أَظُنُّهُ مِنْكُمْ) أي معشر قريشٍ، وزعم بعضُ الشُّرَّاح أنَّه كان يظنُّ أنَّه من بني إسرائيل لكثرة الأنبياء فيهم، وفيه نظرٌ لأنَّ اعتماد هرقل في ذلك كان على ما اطَّلع عليه من الإسرائيليات، وهي طافحةٌ بأنَّ النَّبي الَّذي يخرج في آخر الزَّمان من ولد إسماعيل عليه السَّلام، فيُحمل قوله «لم أكن أعلم أنَّه منكم» ؛ أي من قريشٍ (وَلَوْ أَنِّي أَعْلَمُ أَنِّي أَخْلُصُ) بضم اللام؛ أي أصل (إِلَيْهِ لأَحْبَبْتُ لِقَاءَهُ) وفي «بدء الوحي» [خ¦7] (( لتجشَّمت ) )بجيم وشين معجمة؛ أي لتكلَّفت الوصول إليه، ورجَّحها القاضي عياض لكن نسبها إلى مسلمٍ خاصَّةً، وهي عند البُخاري أيضًا، وقال النَّووي قوله «لتجشَّمت لقاءه» ؛ أي تكلَّفت الوصول إليه، وارتكبت المشقَّة في ذلك، ولكنِّي أخاف أن أُقتطع دونه، قال ولا عذر له في هذا؛ لأنَّه عرف صورة النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لكنَّه شحَّ بملكه، ورغبَ في بقاء رئاسته فآثرها، وقد جاء ذلك مصرَّحًا به في «صحيح البُخاري» .
قال شيخ الإسلام البلقيني كذا قال، ولم أر في شيءٍ من طرق الحديث في البُخاري ما يدلُّ لذلك.
وقال الحافظُ العسقلاني والَّذي يظهر لي أنَّ النَّووي عنى ما وقع في آخر الحديث عند البُخاري دون مسلمٍ من القصَّة التي حكاها ابن النَّاطور، فإنَّ في آخرها في «بدء الوحي» [خ¦7] (( أنَّ هرقل قال إنِّي قلتُ مقالتي آنفًا أختبر بها شدَّتكم على دينكُم، فقد رأيت ) )وزاد في آخر حديث الباب [خ¦4553] «فقد رأيت الَّذي أحببت» ، فكأن النَّووي أشار إلى هذا، والله تعالى أعلم.
(وَلَوْ كُنْتُ عِنْدَهُ لَغَسَلْتُ عَنْ قَدَمَيْهِ) أي مما لعلَّه يكون عليهما، قاله مبالغةً في خدمته (وَلَيَبْلُغَنَّ مُلْكُهُ مَا تَحْتَ قَدَمَيَّ) بالتثنية، وزاد في «بدء الوحي» [خ¦7] (( هاتين ) )؛ أي أرض بيت المقدس، أو أرض ملكه (قَالَ) أي أبو سفيان (ثُمَّ دَعَا) أي هرقل(بِكِتَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
ج 19 ص 195
فَقَرَأَهُ)أي بنفسه، أو التُّرجمان بأمره، ونسبت قراءته إلى هرقل مجازًا لكونه الآمر به.
وقد تقدم في رواية «الجهاد» [خ¦2941] ثمَّ دعا بكتاب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقُرئ، وفي مرسل محمَّد بن كعب القرظي عند الواقدي في هذه القصَّة فدعا التُّرجمان الَّذي يقرأ بالعربيَّة فقرأه، ووقع في رواية «الجهاد» [خ¦2941] ما ظاهره أنَّ قراءة الكتاب وقعت مرَّتين فإنَّ في أوله فلمَّا جاء قيصرَ كتابُ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال حين قرأه التمسوا لي هاهنا أحدًا من قومه لأسألهم عنه.
قال ابن عبَّاس رضي الله عنهما فأخبرني أبو سفيان أنَّه كان بالشَّام في رجالٍ من قريش، فذكر القصَّة إلى أن قال ثمَّ دعا بكتاب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقُرئ، والَّذي يظهرُ أنَّ هرقل قرأه بنفسه أولًا، ثمَّ لمَّا جمع قومَه وأحضر أبا سفيان ومن معه، وسأله وأجابه أمر بقراءة الكتاب على الجميع، ويحتمل أن يكون أراد بقوله «أوَّلًا» فقال حين قرأه؛ أي قرأ عنوان الكتاب؛ لأنَّ كتاب النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان مختومًا بختمهِ، وختمه محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولهذا قال إنِّي سائلٌ عن هذا الرَّجل الذي يزعم أنَّه نبيٌّ، ويؤيِّد هذا الاحتمال أنَّ من جملة الأسئلة قول هرقل بم يأمركم؟ فقال أبو سفيان يقول اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا. وهذا بعينه في الكتاب، فلو كان هرقل قرأه أوَّلًا ما احتاج إلى السُّؤال عنه ثانيًا، نعم يحتمل أن يكون سأل عنه ثانيًا مبالغة في تقريره.
قال النَّووي في هذه القصَّة فوائد منها جواز مكاتبة الكفَّار ودعاؤهم إلى الإسلام قبل القتال، وفيه تفصيلٌ فمن لم تبلغه الدَّعوة وجبَ إنذارهم قبل قتالهم وإلَّا استحبَّ. ومنها وجوب العمل بخبر الواحد، وإلَّا لم يكن في بعث الكتاب مع دحية وحده فائدةٌ. ومنها وجوب العمل بالخطِّ إذا قامت القرائن بصدقه.
(فَإِذَا فِيهِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) قال النَّووي فيه استحبابُ تصدير الكتب ببسم الله الرَّحمن الرحيم وإن كان المبعوث إليه كافرًا، ويُحمل قوله في حديث أبي هريرة رضي الله عنه (( كلُّ أمرٍ ذي بال لا يُبدأ فيه بحمد الله فهو أقطعُ ) )على أنَّ المراد
ج 19 ص 196
أي بذكر الله، ببسم الله، قال وهذا الكتاب كان ذا بالٍ من المهمَّات العظام، ولم يُبدأ فيه بلفظ الحمد بل بالبَسملة، انتهى.
والحديث الذي أشار إليه أخرجه أبو عَوانة في «صحيحه» ، وصحَّحه ابن حبان أيضًا وفي إسناده مقالٌ.
وعلى تقدير صحَّته فالرِّواية المشهورة فيه بلفظ (( بحمد الله ) )وما عدا ذلك من الألفاظ الَّتي ذكرها النَّووي وردت في بعض طرق الحديث بأسانيدٍ واهيةٍ، ثمَّ اللفظ وإن كان عامًّا لكن أُريدَ به الخصوص وهو الأمور التي تحتاج إلى تقديم الخطبة، وأمَّا المراسلات فلم تجر العادة الشَّرعيَّة ولا العرفيَّة بابتدائها بذلك، وهو نظيرُ الحديث الَّذي أخرجه أبو داود من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أيضًا بلفظ (( كلُّ خطبةٍ ليس فيها شهادةٌ فهي كاليد الجذماء ) )فالابتداء بالحمد واشتراط التَّشهُّد خاصٌّ بالخطبة بخلاف بقيَّة الأمور المهمَّة، فبعضها يبدأ فيها بالبَسملة تامَّةً كالمراسلات، وبعضُها ببسم الله فقط، كما في أوَّل الجماع، وبعضُها بلفظ من الذِّكر مخصوصٌ كالتَّكبير، وقد جُمعت كتب النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى الملوك وغيرهم، فلم يقع في واحدٍ منها البدء بالحمد بل بالبَسملة، وهو يُؤيِّد ذلك، والله تعالى أعلم.
وتقدَّم في «الحيض» [خ¦305] استدلال المصنِّف بهذا الكتاب على جواز قراءة الجنب القرآن وما يَرِد عليه، وكذا في «الجهاد» [خ¦2990] الاستدلال به على جواز السَّفر بالقرآن إلى أرض العدوِّ وما يَرِد عليه بما أغنى عن الإعادة. ووقع في مرسل سعيد بن المسيب عند ابن أبي شيبة أنَّ هرقل لمَّا قرأ الكتاب، قال هذا كتابٌ لم أسمعه بعد سليمان عليه السَّلام فكأنَّه يريد الابتداء ببسم الله الرَّحمن الرحيم، وهذا يؤيِّد أنَّ هرقلَ كان عالمًا بإخبار أهل الكتاب.
(مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ) ووقع في «بدء الوحي» [خ¦7] ، وفي «الجهاد» [خ¦2941] (( من محمد عبد الله ورسوله ) ). وفيه إشارةٌ إلى أنَّ رسل الله وإن كانوا أكرم الخلق على الله فهم مع ذلك مقرونٌ بأنَّهم عبيد الله، وكأنَّ فيه إشارةً إلى بطلان ما يدَّعيه النَّصارى في عيسى عليه السَّلام.
وذكر المدائني أنَّ القارئ لما قرأ (( من محمد رسول الله إلى عظيم الروم ) )غضب أخو هرقل، واجتذب الكتاب، فقال له هرقل ما لك؟ فقال بدأ بنفسهِ
ج 19 ص 197
وسمَّاك صاحب الرُّوم، قال إنَّك لضعيف الرَّأي أتريد أن أرمي بكتابٍ قبل أن أعلم ما فيه، لئن كان رسول الله إنَّه لأحقُّ أن يبدأَ بنفسه، ولقد صدق أنا صاحب الرُّوم والله مالكي ومالكهم.
(إِلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ) أي طائفة الرُّوم، وعظيم بالجرِّ بدل من هرقل، ويجوز الرَّفع على أنَّه خبر مبتدأ محذوف، والنَّصب على الاختصاص، ومعناه من تُعظمه الرُّوم وتُقدمه للرِّئاسة عليها.
(سَلاَمٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى) هو كقول موسى وهارون عليهما السَّلام لفرعون (( والسَّلام على من اتَّبع الهدى ) ) (أَمَّا بَعْدُ) قد تقدم في كتاب «الجمعة» في باب من «قال في الخطبة بعد الثَّناء أمَّا بعد» [خ¦922] ، الإشارة إلى عدد من روى من الصَّحابة هذه الكلمة وتوجيهها، ونقل هناك أنَّ سيبويه قال إنَّ معنى «أمَّا بعد» مهما يكن من شيءٍ، وإنَّ سيبويه لا يخصُّ ذلك بقولنا «أمَّا بعد» بل كلُّ كلام أوله أمَّا، فمعناه ذلك مثل أما عبد الله فمنطلق، والفاء لازمة في الأكثر، وقد تحذف وهو نادرٌ، ومعناها الفصل بين الكلامين، واختلف في أوَّل من قالها، فقيل داود عليه السَّلام، وقيل يعرب بن قحطان، وقيل كعب بن لؤي، وقيل قس بن ساعدة، وقيل سحبان.
وفي «غرائب مالك» للدَّارقطني أنَّ يعقوب عليه السَّلام قالها، فإن ثبت، وقلنا إنَّ قحطان من ذرية إسماعيل فيعقوب أول من قالها مطلقًا، وإن قلنا إن قحطان قبل إبراهيم عليه السَّلام فيعرب أوَّل من قالها، والله تعالى أعلم.
(فَإِنِّي أَدْعُوكَ بِدِعَايَةِ الإِسْلاَمِ) بكسر الدال المهملة؛ أي بالكلمة الدَّاعية إلى الإسلام وهي شهادة التَّوحيد (أَسْلِمْ) بكسر اللام (تَسْلَمْ) بفتحها (وأَسْلِمْ) بكسرها أيضًا تأكيد (يُؤْتِكَ اللَّهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ) لكونه مؤمنًا بنبيِّه، ثمَّ آمن بمحمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أو إنَّ إسلامه سببٌ لإسلام أتباعه، وفيه بشارةٌ لمن دخل في الإسلام أنَّه يسلم من الآفات اعتبارًا بأنَّ ذلك لا يختصُّ بهرقل كما أنَّه لا يختصُّ بالحكم الآخر، وهو قوله (( أسلم يؤتك الله أجرك مرَّتين ) )لأنَّ ذلك عامٌّ في حقِّ من كان مؤمنًا بنبيِّه، ثمَّ آمن بمحمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، والجزم في «أسلم» على الأمر و «تسلم» جواب للأول، و «يؤتك» جواب آخر، و «أسلم» الثَّاني تأكيد للأول، ويحتمل أن يكون قوله «أسلم» أولًا معناه لا تعتقد في المسيح ما يعتقده النَّصارى،
ج 19 ص 198
و «أسلم» ثانيًا معناه ادخل في الإسلام، فلذلك قال بعد ذلك (( يؤتك الله أجرك مرَّتين ) ).
وقد نبَّه الحافظ العسقلاني على أنَّه لم يُصرِّح في الكتاب بدعائه إلى الشَّهادة للنَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالرِّسالة، لكنَّ ذلك منطوٍ في قوله «سلامٌ على من اتَّبع الهدى» ، وفي قوله (( أدعوك بدعاية الإسلام ) )، وفي قوله (( أسلم ) )فإن ذلك يتضمَّن الإقرار بالشَّهادتين.
(فَإِنْ تَوَلَّيْتَ فَإِنَّ عَلَيْكَ) أي مع إثمك (إِثْمَ الأَرِيسِيِّينَ) بفتح الهمزة وكسر الراء وتشديد التحتية بعد السين، وفي أصل معتمد بتشديد الراء، وحكى هذه الرِّواية أيضًا صاحب «المشارق» وغيره، وفي أخرى بتحتانية واحدة. قال ابن الأعرابي أرس يَأْرَس _ بالتخفيف _ فهو أريس، وأَرَّس _ بالتَّشديد _ يُؤرِّس فهو إرِّيس.
وقال الأزهري الأريس _ بالتخفيف والتَّشديد _ الأكَّار، لغةٌ شاميَّةٌ، وكان أهل السَّواد أهل فِلاحةٍ وكانوا مجوسًا، وأهل الرُّوم أهل صناعةٍ فأُعلموا بأنَّهم وإن كانوا أهل كتابٍ فإنَّ عليهم إن لم يؤمنوا من الإثم مثل إثم المجوس.
وحكى غيره أنَّ الأريسيين أتباع عبد الله بن أريس رجلٌ كان يُعظِّمه النَّصارى ابتدعَ في دينهم أشياء مخالفةً لدين عيسى عليه السَّلام. وجزم ابن التِّين بذلك، وقيل إنَّه من قوم بُعث إليهم نبيٌّ فقتلوه فعلى هذا كأنَّه قال عليك إن خالفت إثم الَّذين خالفوا نبيَّهم. ووقع في رواية الأصيلي بتحتانية في أوله، وكأنَّه بتسهيل الهمزة.
وقال ابنُ سيده في «المحكم» الأريس الأكَّار عند ثعلب، والأمير عند كُرَاع، فكأنَّه من الأضداد؛ أي يُقال للتَّابع والمتبوع، والمعنى في الحديث صالحٌ على الرَّأيين، فإن كان المراد التَّابع، فالمعنى أنَّ عليك إثم التَّابع لك على ترك الدُّخول في الإسلام [3] ، وإن كان المراد المتبوع، فكأنَّه قال فإنَّ عليك إثم المتبوعين، وإثم المتبوعين يُضاعف باعتبار ما يقعُ لهم من عدم الإذعان إلى الحقِّ من إضلال أتباعهم.
وقال النَّووي نبَّه بذكر الفلاحين على بقية الرعيَّة؛ لأنَّهم الأغلبُ، ولأنَّهم أسرع انقيادًا.
وتُعُقِّب بأنَّه لا يلزم من دخول الفلاحين في الإسلام دخول بقيَّة الرَّعايا حتَّى يصحَّ أنَّه نبَّه بذكرهم على الباقين، كذا تعقَّبه شيخ الإسلام البلقيني.
وقال الحافظُ العسقلاني والَّذي يظهرُ أنَّ مراد
ج 19 ص 199
النَّووي أنَّه نبَّه بذكر طائفةٍ من الطَّوائف على بقيَّة الطَّوائف كأنَّه يقول إذا امتنعت كان عليك إثم كلِّ من امتنع بامتناعك، وكان يطيعُ لو أطعت كالفلاحين فلا وجه للتَّعقُّب عليه [4] .
وأمَّا قول أبي عبيد في كتاب «الأموال» ليس المراد بالفلاحين الزَّراعين فقط بل المراد به جميع أهل المملكة إن أرادوا به التَّقرير الَّذي قررت به كلام النَّووي، فلا اعتراضَ عليه وإلَّا فهو معترضٌ. وحكى أبو عبيد أيضًا أنَّ الأريسيين لهم الخَوَل والخدم.
وهذا أخصُّ من الَّذي قبله إلَّا أن يريد بالخَوَل ما هو أعمُّ بالنِّسبة إلى من يحكمُ الملك عليه، وحكى الأزهريُّ أنَّ الأريسيين قومٌ من المجوس كانوا يعبدون النَّار، ويُحرمون الزنا وصناعتهم الحراثة ويخرجون العشر ممَّا يزرعون لكنَّهم يأكلون الموقوذة.
وهذا إن ثبت فمعنى الحديث فإنَّ عليك مثل إثم الأريسيين، وقيل الأريسيون الملوك، وقيل العلماء الغير العاملين، والله تعالى أعلم.
(وَ {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَنْ لاَ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ} ) بدل من كلمة بدل كل من كل (إِلَى قَوْلِهِ {اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} ) والخطاب في {اشْهَدُوا} للمسلمين؛ أي فإن تولَّوا عن هذه الدَّعوة فأشهدوهم أنتم على استمراركم على الإسلام الَّذي شرعه الله لكم، كذا قرره القسطلَّاني وفيه نظرٌ بل الخطاب في {فَقُولُوا} للمسلمين، وفي {اشْهَدُوا} لأهل الكتاب، فليتأمَّل.
(فَلَمَّا فَرَغَ) أي القارئ، ويُحتمل أن يريد هرقل، ونسب إليه ذلك مجازًا لكونه الآمر به، ويؤيِّده قوله بعده وكثر عنده، فإنَّ الضَّمير فيه وفيما بعده لهرقل جزمًا (مِنْ قِرَاءَةِ الْكِتَابِ، ارْتَفَعَتِ الأَصْوَاتُ عِنْدَهُ وَكَثُرَ اللَّغَطُ) أي من عظماء الرُّوم، فلعلَّه بسبب ما فهموه من ميل هرقل إلى التَّصديق (وَأُمِرَ بِنَا فَأُخْرِجْنَا) على البناء للمفعول فيهما (قَالَ) أي أبو سفيان (فَقُلْتُ لأَصْحَابِي) القرشيين (لَقَدْ) أي والله لقد (أَمِرَ) بفتح الهمزة وكسر الميم وفتح الراء، على وزن علم، ومعناه عظُم وقوي (أَمْرُ) بفتح الهمزة وسكون الميم وضم الراء؛ أي شأن (ابْنِ أَبِي كَبْشَةَ) بفتح الكاف وسكون الموحدة، كنية أبي النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من الرَّضاع الحارث بن عبد العزَّى
ج 19 ص 200
كما عند ابن ماكولا، وقيل [5] ابن أبي كبشة، كنايةٌ عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شبهوه به في مخالفةِ دين آبائه، وقيل غير ذلك ممَّا سبق في «بدء الوحي» [خ¦7] (إِنَّهُ) بكسر الهمزة على الاستئناف (لَيَخَافُهُ مَلِكُ بَنِي الأَصْفَرِ) وهم الروم، قال أبو سفيان (فَمَا زِلْتُ مُوقِنًا بِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ سَيَظْهَرُ حَتَّى أَدْخَلَ اللَّهُ عَلَيَّ الإِسْلاَمَ) فأظهرت ذلك اليقين (قَالَ الزُّهْرِيُّ) هو محمَّد بن مسلم بن شهاب، أحد رواة الحديث هذه إلى آخره قطعة من الرِّواية التي وقعت في «بدء الوحي» [خ¦7] عقب القصة التي حكاها ابن النَّاطور، وقد بيَّن هناك أنَّ هرقلَ دعاهم في دَسْكرةٍ له بحمص، وذلك بعد أن رجعَ من بيت المقدس وكاتَبَ صاحبه الذي بروميّة فعاد جوابه يوافقُه على خروج النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وعلى هذا فالفاء في قوله (فَدَعَا هِرَقْلُ) فصيحة؛ أي فسار هرقل إلى حمص، فكتب إلى صاحبه ضغاطر الأسقف برومية، فجاء جوابه فدعا (عُظَمَاءَ الرُّومِ، فَجَمَعَهُمْ فِي دَارٍ لَهُ) وفي «بدء الوحي» [خ¦7] أنَّه جمعهم في دَسْكرةٍ؛ أي قصر حوله بيوت وأغلقه، ثمَّ اطلع عليهم من مكان فيه عالٍ خوفًا على نفسه أن ينكروا مقالتَه فيبادروا إلى قتله ثمَّ خاطبهم (فَقَالَ يَا مَعْشَرَ الرُّومِ، هَلْ لَكُمْ) أي رغبة (فِي الْفَلاَحِ وَالرَّشَدِ) بفتح الراء والمعجمة، وفي رواية أبي ذرٍّ بضم الراء وسكون المعجمة (آخِرَ الأَبَدِ) أي إلى آخر الزَّمان (وَأَنْ يَثْبُتَ لَكُمْ مُلْكُكُمْ) أي يدوم ملككم؛ لأنَّه عرف من الكتب أن لا أمة بعد هذه الأمة، ولا دين بعد دينها، وأنَّ من دخل فيه أمن على نفسه، فقال لهم ذلك (قَالَ فَحَاصُوا) بالمهملتين؛ أي نفروا (حَيْصَةَ حُمُرِ الْوَحْشِ) أي نفرتها (إِلَى الأَبْوَابِ، فَوَجَدُوهَا قَدْ غُلِّقَتْ) بضم الغين المعجمة وكسر اللام المشددة (فَقَالَ) أي هرقل (عَلَيَّ بِهِمْ) أي أحضروهم لي يُقال علي بزيد؛ أي أحضروه لي (فَدَعَا بِهِمْ) وفيه حذف تقديره فردوهم (فَقَالَ) أي لهم (إِنِّي إِنَّمَا اخْتَبَرْتُ) أي جربت (شِدَّتَكُمْ عَلَى دِينِكُمْ) بمقالتي هذه (فَقَدْ رَأَيْتُ مِنْكُمُ الَّذِي أَحْبَبْتُ) أي الشَّيء الَّذي أحببت، وقد فسَّر هذا ما وقع في «بدء الوحي» [خ¦7]
ج 19 ص 201
مختصرًا مقتصرًا على قوله «فقد رأيت» ، واكتفى بذلك عمَّا بعده (فَسَجَدُوا لَهُ وَرَضُوا عَنْهُ) يُحتمل أنَّه كان من عادتهم السُّجود لملوكهم، ويُحتمل أن يكون ذلك كنايةً عن تقبيلهم الأرض بين يديه، فإنَّ الَّذي يفعل ذلك ربَّما يصير غالبًا كهيئة السَّاجد، وأطلق أنَّهم رضوا عنه بناءً على رجوعهم عمَّا كانوا همُّوا به عند نفرتهم عنه من الخروج عليه، هذا بقي أنَّ هذه القصَّة كانت بعد الحديبية، وقبل الفتح كما صرَّح به في هذا الحديث، وقد ذكر ابن إسحاق وغيره أنَّ صدر سورة آل عمران إلى بضع وثمانين آية منها نزلت في وفد نجران.
وقال الزُّهري هم أوَّل من بذل الجزية، ولا خلاف أنَّ آية الجزية نزلت بعد الفتح، ويمكن الجمع بين كتابة هذه الآية قبل الفتح إلى هرقل، وبين ما ذكره ابن إسحاق والزُّهري بأنَّه يُحتمل نزول الآية مرَّةً قبل الفتح، وأخرى بعده. وبأنَّ قدوم وفد نجران كان قبل الحديبية، وما بذلوه كان مصالحةً عن المباهلة لا عن الجزية، ووافقَ نزول الجزية بعد ذلك على وفق ذلك، كما جاء الخُمُس والأربعة الأخماس على وفقِ ما فعله عبدُ الله بن جحش في تلك السريَّة قبل بدر، ثمَّ نزلت فريضة القسم على وفقِ ذلك، وبأنَّه يحتمل أن يكون صلى الله عليه وسلم أمرَ بكتابتها قبل نزولها، ثمَّ نزل القرآن على وفقه كما نزلَ بموافقة عمر رضي الله عنه في الحجاب، وفي الأسارى، وعدم الصَّلاة على المنافقين، قاله ابن كثير، والله تعالى أعلم.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرةٌ، وقد مر الحديث في أول الكتاب بأتم منه [خ¦7] .
[1] في الجهاد [خ¦2941] (إني سألتك عن نسبه فيكم)
[2] في صحيح البخاري (7) (وكذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب) . قال القسطلاني (حين) بالنون)، وفي بعض النسخ حتى بالمثناة الفوقية.
[3] في هامش الأصل فعلى هذا كأنه قال عليك إن خالفت إثم الذين خالفوا نبيهم.
[4] في هامش الأصل {قُلْ يَا أَهْلَ الكِتَابِ} يعم أهل الكتابيين، وقيل يريد وفد نجران، أو يهود المدينة {تَعَالَوا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ} لا يختلف فيها الرسل والكتب ويفسرها ما بعدها أطلق لفظ الكلمة على الكلام الكثير أي جزاء، على أن ما بعدها بدل منها أو خبر مبتدأ محذوف أي هي {أَنْ لَا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ} كأنه قيل ما هي؟ فقيل أن لا نعبد إلا الله أي نوحده بالعبادة ونخلص فيها {وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا} ولا نجعل غيره شريكًا له في استحقاق العبادة، ولا نراه أهلًا لأن يعبد {وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ} ولا نقول عزير ابن الله، ولا المسيح ابن الله، ولا نطيع الأحبار فيما أحدثوا من التحريم والتحليل لأن كلًا منهم بعضنا بشر مثلنا، روي أنه لما نزلت {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ} قال عدي بن حاتم ما كنا نعبدهم يا رسول الله قال (( أليس كانوا يحلون لكم ويحرمون فتأخذون بقولهم؟ ) )قال نعم، قال (( هو ذاك ) ) {فَإِنْ تَوَلَّوْا} عن التوحيد {فَقُولُوا} أيها المؤمنون {اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} أي لزمتكم الحجة حيث لم تقدروا على دفعها فوجب عليكم أن تعترفوا بأنا مسلمون فاعترفوا، وهذا المعنى مستفاد من المقام، أو المعنى اعترفوا بأنكم كافرون بما نطقت به الكتب وتطابقت عليه الرسل على أن يكون قوله {بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} تعريضًا لكفرهم من حيث أنهم أعرضوا عن الحق بعد ظهوره، والله تعالى أعلم. منه.
[5] في هامش الأصل الكرماني.