فهرس الكتاب

الصفحة 7186 من 11127

- (باب {لاَ تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ} ) أي كفَّار مكة ( {أَوْلِيَاءَ} ) في العون

ج 21 ص 206

والنُّصرة.

وقوله {عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ} مفعول الاتِّخاذ ومعطوفه، والعدوُّ لمَّا كان بزنة المصادر وقع على الواحد فما فوقه، وأضاف العدوَّ إلى نفسه تغليظًا في جرمهم.

وقوله {تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ} [الممتحنة 1] تفسيرٌ للموالاة المذكورة، ويحتمل أن يكون حالًا أو صفةً، وفيه شيءٌ؛ لأنَّهم نُهوا عن اتِّخاذهم أولياء مطلقًا، والتَّقييد بالصِّفة أو الحال يوهم الجواز عند انتفائهما، لكن عُلِم بالقواعد المنع مطلقًا فلا مفهوم لهما، ويحتمل أن تكون الولاية تستلزم المودَّة، فلا تتمُّ الولاية بدون المودَّة فهي حالٌ لازمةٌ، والله تعالى أعلم.

ولم يثبت الباب ولاحقه في رواية غير أبي ذرٍّ.

4890 - (حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ) عبد الله بن الزُّبير، قال (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) هو ابنُ عيينة، قال (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ) بفتح العين (قَالَ حَدَّثَنِي) بالإفراد (الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ) أي ابن أبي طالبٍ رضي الله عنه، ومحمد هو المشهور بابن الحنفيَّة (أَنَّهُ سَمِعَ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي رَافِعٍ) بضم العين وفتح الموحدة مصغَّرًا، واسم أبي رافع أسلم مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم (كَاتِبَ عَلِيٍّ) رضي الله عنه (يَقُولُ سَمِعْتُ عَلِيًّا) رضي الله عنه (يَقُولُ بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَا وَالزُّبَيْرَ) أي ابن العوَّام (وَالْمِقْدَادَ) أي ابن الأسود، وفي رواية رواها الثَّعلبي (( فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عليًّا وعمَّارًا، وعمر، والزُّبير، وطلحة، والمقداد بن الأسود، وأبا مرثد، وكانوا كلُّهم فرسانًا ) ) (فَقَالَ انْطَلِقُوا حَتَّى تَأْتُوا رَوْضَةَ خَاخٍ) بخائين معجمتين بينهما ألف، موضعٌ بين مكَّة والمدينة.

(فَإِنَّ بِهَا ظَعِينَةً) بفتح الظاء المعجمة وكسر العين المهملة، وهي المرأةُ في الهودج، واسمها سارة، بالسين المهملة والراء (مَعَهَا كِتَابٌ، فَخُذُوهُ مِنْهَا) قال عليٌّ رضي الله عنه (فَذَهَبْنَا تَعَادَى) بفتح التاء والعين والدال المهملتين بينهما ألف، تتباعدُ وتتجارى (بِنَا خَيْلُنَا حَتَّى أَتَيْنَا الرَّوْضَةَ، فَإِذَا نَحْنُ بِالظَّعِينَةِ، فَقُلْنَا) أي لها (أَخْرِجِي الْكِتَابَ) أي الَّذي معك، وقوله «أَخرِجي» ، بهمزة قطع مفتوحة وكسر الراء (فَقَالَتْ) وفي رواية أبي ذرٍّ بدون الفاء (مَا مَعِي مِنْ كِتَابٍ، فَقُلْنَا لَتُخْرِجِنَّ الْكِتَابَ) بضم التاء وسكون المعجمة وكسر الراء والجيم (أَوْ لَتُلْقِيَنَّ الثِّيَابَ) بنون التأكيد المشددة وإثبات التحتية مكسورة بعد القاف، والأصل حذفها؛ لأنَّ النون الثَّقيلة إذا اجتمعت مع الياء الساكنة حذفت الياء للسَّاكنين، وأثبتها للمشاكلة (( لتخرجنَّ ) ).

(فَأَخْرَجَتْهُ مِنْ عِقَاصِهَا) بكسر العين وبالقاف؛ أي شعرها المضفور (فَأَتَيْنَا بِهِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وسقط قوله (( به ) )في رواية غير الكُشميهني، وفي نسخة أي بالمرأة، والأوَّل

ج 21 ص 207

هو الصَّحيح (فَإِذَا فِيهِ) أي في الكتاب (مِنْ حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ) بالحاء والطاء المكسورة المهملتين بعدها موحدة، وبَلْتَعة بفتح الموحدة وسكون اللام بعدها فوقية.

(إِلَى أُنَاسٍ) بضم الهمزة، وفي رواية أبي ذرٍّ عن المستمليِّ والكُشميهنيِّ (مِنَ الْمُشْرِكِينَ مِمَّنْ بِمَكَّةَ، يُخْبِرُهُمْ بِبَعْضِ أَمْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) من تجهيز الجيش الكثير لمكَّة (فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أي لحاطب (مَا هَذَا) أي ما هذا الكتاب (يَا حَاطِبُ، قَالَ لاَ تَعْجَلْ عَلَيَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي كُنْتُ امْرَأً مِنْ قُرَيْشٍ) أي بالحلف والولاء لا بالنَّسب والولادة حتَّى لا يقال بينه وبين قوله ولم أكن من أنفسهم، تنافٍ، وقد ثبت حديث حليف القوم منهم، وعبر بقوله

(وَلَمْ أَكُنْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ) لإثبات المجاز (وَكَانَ مَنْ مَعَكَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ لَهُمْ قَرَابَاتٌ يَحْمُونَ بِهَا أَهْلِيهِمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِمَكَّةَ، فَأَحْبَبْتُ إِذْ) أي حين (فَاتَنِي) أي ذلك (مِنَ النَّسَبِ فِيهِمْ، أَنْ أَصْطَنِعَ إِلَيْهِمْ يَدًا) أي يد منَّةٍ عليهم، وحقَّ محبَّةٍ (يَحْمُونَ قَرَابَتِي) أي بها (وَمَا فَعَلْتُ ذَلِكَ كُفْرًا، وَلاَ ارْتِدَادًا عَنْ دِينِي. فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّهُ قَدْ صَدَقَكُمْ) بتخفيف الدال؛ أي قال الصِّدق (فَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ دَعْنِي) أي اتركني ومكِّنِّي، وفي رواية أبي ذرٍّ عن الحمويي والمستملي بالفاء (يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَأَضْرِبَ) بالنصب؛ أي فإن أضرب (عُنُقَهُ) إنما قال عمر رضي الله عنه ذلك مع تصديق رسول الله صلى الله عليه وسلم لحاطب فيما اعتذر به؛ لما كان عند عمر رضي الله عنه من القوَّة في الدِّين وبغض من انتسبَ إلى النِّفاق، وظنَّ أنَّ من خالف ما أمره به النَّبي صلى الله عليه وسلم استحق القتل، لكنَّه لم يجزم بذلك، فلذلك استأذن في قتلهِ، فأطلق عليه منافقًا لكونه أبطنَ خلاف ما أظهر، وعُذْرُ حاطب ما ذكره فإنَّه صنع ذلك متأوِّلًا أنَّ لا ضرر فيه.

وعند الطَّبريِّ من طريق الحارث عن عليٍّ رضي الله عنه في هذه القصَّة فقال أليسَ قد شهد بدرًا؟ قال بلى ولكنَّه نكثَ، وظاهَرَ أعداءك عليك.

(فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم

ج 21 ص 208

(إِنَّهُ شَهِدَ بَدْرًا، وَمَا) وفي رواية أبي ذر بالفاء (يُدْرِيكَ؟ لَعَلَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ، فَقَالَ) مخاطبًا لهم خطاب تكريم (اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ) أرشد صلى الله عليه وسلم إلى علَّة ترك قتله بأنَّه شهد بدرًا، فكأنَّه قيل وهل أسقط عنه شهوده بدرًا هذا الذَّنب العظيم؟ فأجاب بقوله «وما يدريك ... إلى آخره» .

وقوله (( لعلَّ الله اطَّلع ... إلى آخره ) )هكذا في أكثر الرِّوايات بصيغة التَّرجِّي، وهو من الله واقعٌ، ووقع في حديث أبي هريرة رضي الله عنه عند ابن أبي شيبة بصيغة الجزم.

وقال النَّوويُّ إنَّ معنى التَّرجِّي هنا راجعٌ إلى عمر رضي الله عنه؛ لأنَّ وقوع هذا الأمر محقَّق عنده صلى الله عليه وسلم. وقوله (( اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم ) )كذا في معظم الرِّوايات، وعند الطَّبري من طريق معمر عن الزُّهري عن عروة (( فإنِّي غافرٌ لكم ) )، وهذا يدلُّ على أنَّ المراد بقوله (( غفرت ) )أغفرُ على طريق التَّعبير عن الآتي بالواقع مبالغة في تحققه.

وفي «مغازي» ابن عائذ من مرسل عروة (( اعملوا ما شئتُم فسأغفر لكم ) )، والمراد غفران ذنوبهم في الآخرة، وإلَّا فلو وجب على أحدٍ حدٌّ لم يسقط في الدُّنيا.

وقال ابنُ الجوزي ليس هو على الاستقبال، وإنَّما هو للماضي تقديره اعملوا ما شئتُم أيَّ عملٍ كان لكم فقد غُفر، قال لأنَّه لو كان للمستقبل كان جوابه فسأغفر، ولو كان كذلك لكان إطلاقًا في الذُّنوب ولا يصحُّ، ويُبطله أنَّ القوم خافوا من العقوبة بعد حتَّى كان عمر رضي الله عنه يقول يا حذيفة! بالله هل أنا منهم؟

وتعقَّبه القرطبيُّ بأنَّ (( اعملوا ) )صيغة أمرٍ، وهي موضوعةٌ للاستقبال، ولم تضعِ العرب صيغة الأمر للماضي لا بقرينةٍ ولا بغيرها؛ لأنَّهما بمعنى الإنشاء والابتداء، وقوله (( اعملوا ما شئتم ) )يُحمل على طلب الفعل ولا يصحُّ أن يكون بمعنى الماضي، ولا يمكن أن يحملَ على الإيجاب فتعيَّن للإباحة.

قال وقد ظهر لي أنَّ هذا الخطاب خطاب إكرامٍ وتشريفٍ تضمَّن أنَّ هؤلاء حصلت لهم حالةٌ غُفرت بها ذنوبهم السَّالفة، وتأهَّلوا أن يُغفرَ لهم ما يُستأنف من الذُّنوب اللَّاحقة، ولا يلزم من وجود الصَّلاحية للشَّيء وقوعه، وقد أظهرَ الله صدقَ رسوله في كلِّ من أخبر عنه بشيءٍ من ذلك، فإنَّهم لم يزالوا على أعمال أهل الجنَّة إلى أن فارقوا الدُّنيا ولو قُدِّر صدور شيءٍ من أحدهم لبادر إلى التَّوبة،

ج 21 ص 209

ولازم الطَّريقة المثلى، ويعلمُ ذلك من أحوالهم بالقطعِ من اطَّلع على سِيَرِهِم. انتهى.

ويحتمل أن يكون المراد بقوله (( فقد غفرت لكم ) )؛ أي ذنوبكم تقعُ مغفورةً لا أنَّ المراد أنَّهم لا يصدرُ منهم ذنبٌ، فكأنَّ الله لكرامتهِم عليه بشَّرهم على لسان نبيِّه أنَّهم مغفورٌ لهم، ولو وقع منهم ما وقعَ.

وقد تقدَّم بعضُ مباحث هذه المسألة في أواخر كتاب «الصِّيام» [خ¦2009] ، وسيجيء بقيَّة شرح هذا الحديث في كتاب «الدِّيات» [خ¦6939] إن شاء الله تعالى.

(قَالَ عَمْرٌو) هو ابنُ دينار، وهو موصولٌ بالإسناد السَّابق (وَنَزَلَتْ فِيهِ) أي في حاطب بن أبي بلتعة ( {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ} [الممتحنة 1] ) كذا للأكثرين، وفي رواية أبي ذرٍّ زيادة قوله < {أَوْلِيَاءَ} > (قَالَ) القائل هو سُفيان بن عُيينة (لاَ أَدْرِي الآيَةَ فِي الْحَدِيثِ، أَوْ قَوْلُ عَمْرٍو) أي لا أدري أنَّ الآية، وهي قوله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ} [الممتحنة 1] في نفس الحديث، أو من قول عَمرو بن دينار؛ يعني أنَّه شكّ فيه.

(حَدَّثَنَا عَلِيٌّ) هو ابنُ المديني، قال (قِيلَ لِسُفْيَانَ) أي ابن عُيينة (فِي هَذَا) أي في أمر حاطبٍ (نَزَلَتْ) وفي رواية غير أبي ذرٍّ ( {لاَ تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ} ) ولم يثبت قوله < {وَعَدُوُّكُمْ أَوْلِيَاءَ} > في رواية غير أبي ذرٍّ (قَالَ سُفْيَانُ هَذَا فِي حَدِيثِ النَّاسِ) ورواياتهم (حَفِظْتُهُ) أي وأمَّا الَّذي حفظته (مِنْ عَمْرٍو) أي ابن دينار.

(وَمَا تَرَكْتُ مِنْهُ حَرْفًا) أي فهو الَّذي رويته منه من غير ذكر النُّزول ما تركت منه حرفًا (وَمَا أُرَى) بضم الهمزة؛ أي وما أظنُّ (أَحَدًا حَفِظَهُ) من عَمرو (غَيْرِي) وملخَّص ما قاله سفيان «لا أدري» أنَّ حكاية نزول الآية من تتمَّة الحديث الَّذي رواه عليُّ بن أبي طالبٍ رضي الله عنه، أو قول عَمرو بن دينار موقوفًا عليه أدرجه هو من عنده.

والحاصل أنَّ هذه الزِّيادة لم يكن سفيان يجزمُ برفعها، وقد رواه النَّسائي عن محمَّد بن منصور، وفيه ما يدلُّ على أنَّ هذه الزِّيادة مدرجةٌ.

وروى الثَّعلبي هذا الحديث بطولهِ وفي آخره فأنزلَ الله تعالى في شأنِ حاطب بن أبي بلتعة {يَا أَيُّهَا الَّذِيْنَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا} [الممتحنة 1] الآية، وأخرج ابنُ مَرْدويه من طريق سعيد بن بشير عن قتادة، عن أنسٍ رضي الله عنه قال لمَّا أراد

ج 21 ص 210

رسولُ الله صلى الله عليه وسلم المسير إلى مشركي قريش كتب إليهم حاطب بن أبي بلتعة يحذِّرهم، فذكر الحديث إلى أن قال فأنزلَ الله فيه القرآن {يَا أَيُّهَا الَّذِيْنَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ} [الممتحنة 1] الآية.

ومطابقة الحديث للترجمة _ الَّتي هي ذكر السُّورة _ ظاهرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت