1924 - (حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ) هو الضَّحاك بن مخلد النَّبيل (عَنْ يَزِيدَ) من الزِّيادة (ابْنِ أَبِي عُبَيْدٍ) مصغر عبد، مولى سلمة بن الأكوع (عَنْ سَلَمَةَ) بفتح اللام (ابْنِ الأَكْوَعِ) واسم الأكوع
ج 9 ص 267
سنان بن عبد الله، وقد تقدَّم في باب إثم من كذب، من كتاب العلم [خ¦109] . وفي رواية يحيى القطَّان عن يزيد بن أبي عبيد [خ¦7265] (( حدَّثنا سلمة بن الأكوع ) )كما سيأتي في خبر الواحد (رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) وهذا الحديث من ثلاثيات البخاري (أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ رَجُلًا يُنَادِي فِي النَّاسِ يَوْمَ عَاشُورَاءَ) وفي رواية يحيى (( قال لرجل من أسلم أذِّن في قومك ) ). واسم هذا الرَّجل هند بن أسماء بن حارثة الأسلمي، له ولأبيه ولعمِّه هند بن حارثة صحبة. أخرج حديثه أحمد، وابن أبي خيثمة من طريق ابن إسحاق حدَّثني عبد الله بن أبي بكر، عن حبيب بن هند بن أسماء الأسلمي، عن أبيه قال بعثني النَّبي صلى الله عليه وسلم إلى قومي من أسلم فقال (( مرْ قومك أن يصوموا هذا اليوم يوم عاشوراء، فمن وجدته منهم قد أكل في أوَّل يومه فليصم آخره ) ).
وروى أحمد أيضًا من طريق عبد الرَّحمن بن حرملة، عن يحيى بن هند قال وكان هند من أصحاب الحديبية، وأخوه الذي بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر قومه بالصِّيام يوم عاشوراء قال فحدَّثني يحيى بن هند، عن أسماء بن حارثة أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه فقال (( مر قومك بصيام هذا اليوم ) )قال أرأيتَ إن وجدتهم قد طعموا؟ قال (( فليتمُّوا آخر يومهم ) ).
قال الحافظ العسقلاني فيحتملُ أن يكون كلٌّ من أسماء وولده هند أرسلا بذلك، ويحتملُ أن يكون أطلق في الرِّواية الأولى على الجدِّ اسم الأب، فيكون الحديث من رواية حبيب بن هند عن جدِّه أسماء، فتتَّحد الرِّوايتان، والله أعلم.
(أَنْ) بفتح الهمزة، وفي رواية أبي ذرٍّ بكسرها (مَنْ أَكَلَ فَليُتِمَّ) بسكون اللام، ويجوز كسرها بلفظ الأمر للغائب والميم مفتوحة؛ أي فليمسك بقيَّة يومه حرمة للوقت، كما يمسك لو أصبح يوم الشَّك مفطرًا، ثمَّ ثبت أنَّه من رمضان.
(أَوْ) قال (فَلْيَصُمْ) شكٌّ من الرَّاوي (وَمَنْ لَمْ يَأْكُلْ فَلاَ يَأْكُلْ) قد احتجَّ أصحابنا الحنفيَّة بهذا الحديث على صحَّة الصِّيام لمن لم ينوه من اللَّيل سواء كان رمضان، أو غيره؛ لأنه صلى الله عليه وسلم أمر بالصَّوم في أثناء النَّهار، فدلَّ على أنَّ النيَّة لا تشترط من اللَّيل.
فإن قيل إنَّ ذلك يتوقَّف على أنَّ صيام يوم عاشوراء كان واجبًا، والذي يترجَّح من أقوال العلماء أنَّه لم يكن فرضًا، على ما قاله الحافظ العسقلاني.
فالجواب أنَّه روى الشَّيخان من حديث عائشة رضي الله عنها
ج 9 ص 268
قالت كان يوم عاشوراء يومًا تصومه قريش في الجاهليَّة، وكان صلى الله عليه وسلم يصومه، فلمَّا قدم المدينة صامه وأمر بصيامه، فلمَّا فرض رمضان قال (( من شاء صامه ومن شاء تركه ) ) [خ¦2002] . فهذا الحديث ينادي بأعلى صوته أنَّ صوم يوم عاشوراء كان فرضًا.
وقد ورد عن عائشة وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمر وجابر بن سمرة رضي الله عنهم أنَّ صوم يوم عاشوراء كان فرضًا قبل أن يفرض رمضان، فلمَّا فرض رمضان فمن شاء صام ومن شاء ترك، ذكره ابن شدَّاد في «أحكامه» .
وعن النَّبي صلى الله عليه وسلم أنَّه أرسل إلى قرى الأنصار التي حول المدينة (( من كان أصبح صائمًا فليتمَّ صومه، ومن كان أصبح مفطرًا فليصم بقيَّة يومه، ومن لم يكن أكلَ فليصمْ ) ) [خ¦1960] متَّفق عليه.
قال الحافظ أبو جعفر الطَّحاوي ففي هذه الآثار وجوب صوم يوم عاشوراء، وفي أمره صلى الله عليه وسلم بصومه بعدما أصبحوا، وأمره بالإمساك بعد ما أكلوا دليل على وجوبه؛ إذ لا يأمر صلى الله عليه وسلم في النَّفل بالإمساك إلى آخر النَّهار بعد الأكل، ولا بصومه لمن لم يصمْه.
وفيه دليل أيضًا على أنَّ من كان عليه صوم يوم بعينه، ولم يكن نوى صومه في اللَّيل يجزئه النيَّة بعد ما أصبح، والأكثرون على أنَّه كان فرضًا، ونسخ بصوم رمضان، فكيف يكون الذي ترجَّح من أقوال العلماء أنَّ صوم يوم عاشوراء لم يكن فرضًا؟.
فإن قيل يعارض ما ذكر حديث معاوية رضي الله عنه أنَّه قال على المنبر يا أهلَ المدينة أين علماؤكم؟ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (( هذا يوم عاشوراء لم يكتب الله عليكم صيامه، فمن شاءَ فليصمْ، ومن شاء فليفطرْ وأنا صائم ) ) [خ¦2003] .
فالجواب أنَّه كان بعد النَّسخ، على أنَّ المثبت أولى من النَّافي.
فإن قيل وعلى تقدير كونه فرضًا فقد نسخ بلا ريب، فنسخ حكمه وشرائطه بدليل قوله (( ومن أكل فليتمَّ ) ). وصرَّح ابن حبيب من المالكيَّة بأن ترك التَّبييت لصوم عاشوراء من خصائصِ عاشوراء.
فالجواب أنَّ نسخ فرضيَّة صومه لا يستلزم نسخَ حكمه وشرائطه، ألا ترى أنَّ التوجُّه إلى بيت المقدس قد نسخ، ولم ينسخ سائر أحكام الصَّلاة وشرائطها، ودعوى التَّخصيص تحتاج إلى دليل.
فإن قيل وعلى تقدير أنَّ حكمه باق، فالأمر
ج 9 ص 269
بالإمساك لا يستلزم الإجزاء، فإنَّ الأمر بالإمساك يحتمل أن يكون لحرمة الوقت كما يؤمر من قدم من سفر في رمضان نهارًا، وكما يؤمر من أفطر يوم الشَّك، ثمَّ رأى الهلال، وكمن فقد الطَّهورين يصلِّي احترامًا لوقتها، وكلُّ ذلك لا ينافي أمرهم بالقضاء، بل قد ورد ذلك صريحًا في حديث أخرجه أبو داود والنَّسائي من طريق قتادة عن عبد الرَّحمن بن سلمة عن عمِّه أنَّ أسلم أتت النَّبي صلى الله عليه وسلم فقال (( صمتم يومكم هذا؟ ) )قالوا لا، قال (( فأتموا بقيَّة يومكم واقضوه ) ).
فالجواب أنَّ الاحتمال إذا كان من غير دليل لا يثبت به الحكم الشَّرعي ولا ينفى، وأنَّ هذا القياس غير صحيح؛ لأنَّ الرَّمضانية متعيَّنة في الصُّورة الأولى، وتعيَّنت في الثَّانية أيضًا، فكيف لا يؤمر بالقضاء، بخلاف ما نحن فيه؟. والحديث المذكور فيه نظر من وجوه
أمَّا أوَّلًا فإن النَّسائي أخرجه ولم يذكر (( واقضوه ) ). وقال عبد الحق في «الأحكام الكبرى» ولا يصحُّ هذا الحديث في القضاء. وقال ابن حزم في «المحلَّى» لفظة (( واقضوا ) )موضوعة بلا شكٍّ.
وأمَّا ثانيًا فإنَّ البيهقي قال عبد الرَّحمن هذا مجهول، ومختلف في اسم أبيه، ولا يدرى من عمُّه. وقال المنذري قيل هو عبد الرَّحمن بن مسلمة، كما ذكره أبو داود. وقيل ابن سلمة، وقيل ابن المنهال بن سلمة.
ورواه ابن حزم من طريق شعبة، عن قتادة، عن عبد الرَّحمن بن المنهال بن سلمة الخزاعي، عن عمِّه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأسلم (( صوموا اليوم ) )قالوا إنَّا قد أكلنا، قال (( صوموا بقيَّة يومكم ) )يعني عاشوراء.
وفي رواية أخرى أخرجها ابن حزم أيضًا عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن عبد الرَّحمن بن مسلمة الخزاعي، عن عمِّه قال غدونا على رسول الله صلى الله عليه وسلم صبيحة عاشوراء فقال لنا (( أصبحتم صيامًا ) )قلنا قد تغدَّينا يا رسول الله، فقال (( فصوموا بقيَّة يومكم ) )ولم يأمرهم بالقضاء.
وأمَّا ثالثًا فلأن شعبة قال كنت أنظر إلى فم قتادة، فإذا قال حدَّثنا كتبت، وإذا قال عن فلان، أو قال فلان لم أكتبه، وهو مدلِّس دلس عن مجهولين.
وقال الكرابيسيُّ وغيره فإذا قال المدلس حدَّثنا يكون حجَّة، وإذا قال قال فلان، أو عن فلان، لا يكون حجَّة، فلا يجوز الاحتجاج به، فإذا كانت الرِّواية بـ (( عن ) )عن الثَّقة المعروف بالحفظ والضَّبط لا تكون حجَّة، فكيف تكون حجَّة، وقد رواه عن مجهول؟.
وقال القاضي عياض رواية (( واقضوا ) )
ج 9 ص 270
قاطعة بحجَّة المخالف. ونصُّ ما يقوله الجمهور وجوب اعتبار النيَّة من اللَّيل، وأنَّ نيَّته من النَّهار غير معتبرة، ورُدَّ عليه بأنَّه كيف يحتجُّ بما ليس بحجَّة على خصمه مع علمه هذا، لكن بقي أن يقال وعلى تقدير أن لا يثبت هذا الحديث في الأمر بالقضاء، فلا يتعيَّن ترك القضاء؛ لأنَّ من لم يدرك اليوم بكماله يلزمه القضاء كمن بلغ، أو أسلم في أثناء النَّهار، فليتأمَّل.
قال الحافظ العسقلاني واحتجَّ من اشترط النيَّة في الصَّوم من اللَّيل بما أخرجه أصحاب «السنن» من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، عن أخته حفصة رضي الله عنها أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم قال (( من لم يبيِّت الصِّيام من اللَّيل فلا صيام له ) )هذا لفظ النَّسائي.
ولأبي داود والتِّرمذي (( من لم يجمع الصِّيام قبل الفجر فلا صيام له ) ). واختلف في رفعه ووقفه. ورجَّح التِّرمذي والنَّسائي الموقوف بعد أن أطنب في تخريج طرقه.
وحكى التِّرمذي في «العلل» عن البخاري ترجيح وقفه، وعمل بظاهر الإسناد جماعة من الأئمَّة، فصحَّحوا الحديث المذكور منهم ابن خزيمة وابن حبَّان والحاكم وابن حزم. وروى له الدَّارقطني طريقًا أخرى، وقال رجالها ثقات. وأبعد من خصَّه من الحنفيَّة بصيام القضاء والنَّذر.
وأبعد من ذلك تفريقُ الطَّحاوي بين صوم الفرض إذا كان في يوم بعينه كعاشوراء فيجزئ النيَّة في النَّهار، أو لا في يوم بعينه كرمضان، فلا يجزئ إلَّا بنيَّة من اللَّيل، وبين صوم التطوُّع فيجزئ في اللَّيل وفي النَّهار. وقد تعقَّبه إمام الحرمين بأنَّه كلام لا أصل له. انتهى.
وقال العيني قال التِّرمذي حديث حفصة رضي الله عنها حديث لا نعرفه مرفوعًا، إلَّا من هذا الوجه، يعني من الوجه الذي رواه عن إسحاق بن منصور، عن ابن أبي مريم، عن يحيى بن أيُّوب، عن عبد الله بن أبي سكر، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه، عن حفصة رضي الله عنهم، عن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال (( من لم يجمع الصِّيام قبل الفجر فلا صيام له ) ).
وفي بعض النُّسخ تفرَّد به يحيى بن أيُّوب، قال وقد روي عن نافع عن ابن عمر، قال وهو أصح. ورواه النَّسائي عن أحمد بن الأزهر، عن عبد الرَّزَّاق، عن ابن جريج، عن ابن شهاب.
قال النَّسائي والصَّواب عندنا أنَّه موقوف، ولم يصحَّ رفعه؛ لأنَّ يحيى بن أيُّوب ليس بالقوي، وحديث ابن جريج عن الزُّهري غير محفوظ.
وقال الشَّيخ زين الدِّين العراقي وأمَّا الموقوف الذي ذكر التِّرمذي أنَّه أصح؛ فقد رواه مالك في «الموطَّأ» كذلك
ج 9 ص 271
عن نافع، عن ابن عمر، قال ومن طريقه رواه النَّسائي.
ورواه النَّسائي أيضًا من رواية عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر قال وقد جاء من طرق موقوفًا على حفصة رضي الله عنها. وقال ابن أبي حاتم سألت أبي عن حديث رواه إسحاق بن حازم عن عبد الله بن أبي بكر، عن سالم، عن أبيه، عن حفصة مرفوعًا (( لا صيام لمن لم ينو من اللَّيل ) )، ورواه يحيى بن أيُّوب، عن عبد الله بن أبي بكر، عن الزُّهري، عن سالم، عن أبيه، عن حفصة مرفوعًا قلت له أيُّهما أصح؟ قال لا أدري؛ لأنَّ عبد الله بن أبي بكر أدرك سالمًا، وروى عنه، ولا أدري سمع هذا الحديث منه، أو سمعه من الزُّهري عن سالم. وقد روي هذا عن الزُّهري عن حمزة بن عبد الله بن عمر، عن حفصة. وهو عندي أشبه.
وقال أبو عمر في إسناد هذا الحديث اضطراب، ولذا لم يخرِّجه الشَّيخان، وفيه يحيى بن أيُّوب الغافقي. قال النَّسائي ليس بالقوي. وقال أبو حاتم الرَّازي لا يحتجُّ به، وذكره أبو الفرج في «الضُّعفاء والمتروكين» . وقال أحمد هو سيء الحفظ وهم يردُّون الحديث بأقل من هذا، والجرح مقدَّم على التَّعديل، فلا يلتفت إلى قول الدَّارقطني وهو من الثِّقات الرُّفعاء.
وأمَّا قول هذا القائل وأبعد من خصَّه من الحنفيَّة بصيام القضاء والنَّذر، فكلام ساقط لا طائل تحته؛ لأنَّ من لم يخصَّ هذا الحديث بصيام القضاء والنَّذر المطلق، وصوم الكفَّارات يلزمه النَّسخ لمطلق الكتاب بخبر الواحد، ولا يجوز ذلك، وذلك لأنَّ قوله تعالى {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ} إلى قوله {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} [البقرة 187] مبيح للأكل والشُّرب والجماع في ليالي رمضان إلى طلوع الفجر، ثمَّ الأمر بالصِّيام بعد طلوع الفجر متأخِّر عنه؛ لأنَّ كلمة ثمَّ للتَّعقيب مع التَّراخي، فكان هذا الأمر بالصَّوم متراخيًا عن أوَّل النَّهار، والأمر بالصَّوم أمر بالنيَّة؛ إذ لا صوم شرعًا بدون النيَّة، فكان أمرًا بالصَّوم بنيَّة متأخِّرة عن أوَّل النَّهار، وقد أتى به، فيخرج عن العهدة، وفيه دلالة على أنَّ الإمساك في أوَّل النَّهار يقع صومًا، وُجِدَتِ فيه النيَّة، أو لم توجد؛ لأنَّ إتمام الشَّيء يقتضي سابقة وجود بعض منه، فإذا شرطنا النيَّة من أوَّل النَّهار بخبر الواحد يكون نسخًا لمطلق الكتاب، فلا يجوز ذلك، فحينئذٍ يحمل ذلك على الصِّيام الخاص المعيَّن، وهو الذي ذكر؛ لأنَّ ما يشرع في ذلك الوقت متنوِّع، فيحتاج إلى التَّعيين بالنيَّة، بخلاف شهر رمضان؛
ج 9 ص 272
لأنَّ الصَّوم فيه غير متنوع، فلا يحتاج إلى التَّعيين، وكذلك النَّذر المعيَّن فهذا هو السرُّ الخفي في هذا التَّخصيص الذي استبعدَه من لا وقوف له على دقائق الكلام، ومدارك استخراج المعاني من النُّصوص.
ولم يكتف بذلك حتَّى ادَّعى الأبعدية في تفرقة الطَّحاوي بين صوم الفرض وصوم التطوُّع، فهذه دعوى بلا دليل، وحامل الطَّحاوي على هذه التَّفرقة ما رواه مسلم وأبو داود والتِّرمذي من حديث عائشة رضي الله عنها قالت قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم (( يا عائشة هل عندكم شيء؟ ) )قالت فقلت لا يا رسول الله ما عندنا شيء، قال (( فإنِّي صائم ) ).
ونحوه روي عن عليٍّ وابن مسعود وابن عبَّاس وأبي طلحة رضي الله عنهم، ثمَّ إنَّ هذا القائل نقل عن إمام الحرمين كلامًا لا يوجد أسمج منه؛ لأنَّ من يتعقَّب كلام أحد إذا لم يذكر وجهه ممَّا يقبله العلماء يكون كلامه هو غثاء لا أصل له.
وأجاب بعض أصحابنا الحنفيَّة عن الحديث المذكور؛ أعني حديث حفصة رضي الله عنها بعد التكلُّم بصحَّته وسلامته عن الاضطراب بأنَّه محمول على نفي الفضيلة والكمال كما في قوله صلى الله عليه وسلم (( لا صلاة لجار المسجد إلَّا في المسجد ) ).
هذا؛ وقال ابن قدامة تعتبر النيَّة في رمضان لكل يوم في نقل الجمهور، وعن أحمد يجزئه نيَّة واحدة لجميع الشَّهر، وهو قول مالك وإسحاق، وقال زفر يصحُّ صوم رمضان في حقِّ المقيم الصَّحيح بغير نيَّة، وبه قال عطاء ومجاهد، واحتجَّ زفر بأنَّه لا يصحُّ فيه غير رمضان؛ لتعينه، فلا يفتقر إلى النيَّة؛ لأنَّ الزَّمان معيار له، فلا يتصوَّر في يوم واحد إلَّا صوم واحد.
وقال أبو بكر الرَّازي يلزم قائل هذا أن يصحِّح صوم المغمى عليه في رمضان إذا لم يأكل ولم يشرب؛ لوجود الإمساك بغير نيَّة. قال فإن التزمه كان مستبشعًا.
وقال غيره يلزمه أنَّ من أخَّر الصلاة حتَّى لم يبق من وقتها إلَّا قدرها، فصلَّى حينئذٍ تطوُّعًا أنَّه يجزئه من الفرض.
واستدلَّ ابن حزم بحديث سلمة على أنَّ من ثبت له هلال رمضان بالنَّهار جاز له استدراك النيَّة حينئذٍ وأجزأه، وبناه على أنَّ عاشوراء كان فرضًا أوَّلًا، وقد أمروا أن يمسكوا في أثناء النَّهار قال وحكم الفرض لا يتغيَّر.
ولا يخفى ما يردُّ عليه ممَّا قد قدِّم، وألحق بذلك من نسي أن ينوي من اللَّيل لاستواء حكم الجاهل والنَّاسي.
وحديث الباب أخرجه المؤلِّف في خبر
ج 9 ص 273
الواحد [خ¦7265] ، وأخرجه مسلم، والنَّسائي في الصَّوم.