1039 - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) الفريابي (قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) هو الثَّوري (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ) بن الخطَّاب رضي الله عنه (قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِفْتَاحُ الْغَيْبِ) وفي رواية الكُشميهني .
ذكر الطَّبراني أنَّ المفاتح، جمع مِفتح _ بكسر الميم _، والمفاتيح جمع مفتاح، وهما في الأصل كل ما يتوصَّل به إلى استخراج المغلقات التي يُتعذَّر الوصول إليها، وهو إمَّا استعارة مكنية بأن يُجعل الغيب كالمخزن المستوثق بالإغلاق، فيضاف إليه ما هو من خواصِّ المخزن المذكور وهو المفتاح. ويجوز أن تكون الاستعارة مصرَّحة بأن يُجعل ما يُتوصل به إلى معرفة الغيب كالمخزن، ويكون لفظ «الغيب» قرينة له.
والحاصل أنَّ المفتاح يطلق على ما كان محسوسًا ممَّا يحل غلقًا كالقفل، وعلى ما كان معنويًا، والغيب ما غاب عن الخلق سواء كان محصلًا في القلوب، أو غير محصل، ولا غيب عند الله عزَّ وجلَّ.
(خَمْسٌ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ اللَّهُ) وهو المحيطُ علمه بها، فيعلم أوقاتها، وما في تعجيلها أو تأخيرها من الحِكَم والمصالح، فيظهرها على ما اقتضته حكمته، وتعلَّقت به مشيئته، فمن ادَّعى علم شيء منها فقد كفر بالقرآن العظيم، وذكر خمسًا، وإن كان الغيب لا يتناهى، ولا يعلم مبلغها إلا هو كما قال تعالى {وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ} [المدثر 31] ؛ لأنَّ التَّخصيص بالعدد لا يدل على نفي الزَّائد. أو لأنَّ العدد في مقابلة ما كان القوم يعتقدون ويدعون علم هذه الخمس. أو لأنَّهم كانوا يسألونه عن هذه الخمس. أو لأنَّ أمَّهات الأمور هذه؛ لأنَّها إمَّا أن تتعلَّق بالآخرة، وهو علم السَّاعة، وإمَّا بالدُّنيا، وذلك إمَّا متعلق بالجماد أو بالحيوان، والثَّاني إما بحسب مبدأ وجوده، أو بحسب معاشه.
(لاَ يَعْلَمُ أَحَدٌ) غيره تعالى (مَا يَكُونُ فِي غَدٍ) وهو شامل لعلم وقت السَّاعة، فلا يَرِدُ أنَّه ليس في هذه الخمس المذكورة في الحديث علم السَّاعة، وقد ذكره الله تعالى فيها حيث قال {إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ} [لقمان 34] .
(وَلاَ يَعْلَمُ أَحَدٌ مَا يَكُونُ فِي الأَرْحَامِ)
ج 5 ص 323
أذكر أم أنثى؟ أشقيٌّ أم سعيدٌ؟ إلَّا حين أمر الملَك بذلك (وَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ) من النُّفوس غيره تعالى (مَاذَا تَكْسِبُ غَدًَا) من خيرٍ أو شرٍّ، وربما تعزم على شيء وتفعل خلافه (ومَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ) كما لا تدري في أيِّ وقت تموت.
رُوِي أنَّ ملك الموت مرَّ على سليمان بن داود عليهما السَّلام، فجعل ينظرُ إلى رجل من جلسائه فقال الرَّجل من هذا؟ فقال عليه السَّلام ملك الموت، فقال كأنَّه يريدني، فمُر الرِّيح أن تحملني وتلقيني بالهند ففعل، ثمَّ أتى ملك الموت سليمان عليه السَّلام، فسأله عن نظره ذلك قال كنت متعجِّبًا منه إذ أُمرت أن أقبضَ روحه بالهند في آخر النَّهار، وهو عندك.
(ومَا يَدْرِي أَحَدٌ مَتَى يَجِيُء المَطَرُ) زاد الإسماعيلي (( إلَّا الله ) )وهو يردُّ على القائل بأنَّ لنزول المطر وقتًا معيَّنًا لا يتخلَّف عنه، وإنَّما قال في الموضعين «نفس» ، وفي ثلاث مواضع «أحد» ؛ لأنَّ النَّفس هي الكاسبة، وهي التي تموت، قال الله تعالى {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ} [المدثر 38] ، وقال تعالى {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ} [آل عمران 185] ، وقال تعالى {اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا} [الزمر 42] .
فلو قيل بدلها لفظ «أحد» لاحتمل أن يُفهم منه لا يعلم أحد ماذا تكسب نفسه، أو بأيِّ أرض تموت نفسه، فيفوت المبالغة المقصودة، وهي أنَّ النَّفس لا تعرف أحوالها حالًا ومآلًا، فكيف بغيرها؟
ثمَّ إنَّه عدل عن لفظ القرآن، وهو {تدري} إلى لفظ «يعلم» في «ماذا تكسب غدًا» ، و «بأيِّ أرض تموت» ؛ لإرادة زيادة المبالغة، إذ الدِّراية؛ لكونها علمًا باحتيال أخصُّ من العلم، ونفي العام مستلزمٌ لنفي الخاص بدون العكس، فكأنَّه قال لا تعلم نفس ماذا تكسب غدًا، وبأيِّ أرض تموت أصلًا، سواء احتالت؛ أي أعملت حيلها أو لا؟ والله أعلم.
وقال ابن بطَّال وهذا يُبطل حرص المنجِّمين في تعاطيهم علم الغيب، فمن ادَّعى علم ما أخبر الله ورسوله أنَّ الله متفرِّد بعلمه؛ فقد كذَّبَ الله ورسوله، وذلك كفر.
وقال الزجَّاج من ادَّعى أنَّه يعلم شيئًا من هذه الخمس؛ فقد كفرَ بالقرآن العظيم، نسأل الله التوفيق والهداية إلى طريق مستقيم.