1040 - (حَدَّثَنا عَمْرو بنُ عَوْنٍ) بفتح العين فيهما الواسطي، وقد مرَّ في باب «ما جاء في القبلة» [خ¦402] (قَالَ حَدَّثَنَا خَالِدٌ) هو ابن عبد الله الواسطي الطحَّان (عَن يُونُسَ) هو ابن عبيد (عَن الحَسَنِ) البصري (عَن أَبِي بَكْرَةَ) نُفيع بن الحارث رضي الله عنه.
ورجال هذا الإسناد كلُّهم بصريُّون غير خالد، ورواية الحسن عن أبي بكرة متَّصلة عند البخاري. وقال الدَّارقطني هو مرسل، وإنَّما يروي الحسن عن الأحنف عن أبي بكرة رضي الله عنه.
وقال أبو الوليد في كتاب «الجرح والتَّعديل» أخرج البخاري حديثًا فيه الحسن سمعت أبا بكرة، فتأوَّله الدَّارقطني وغيره من الحفَّاظ على أنَّه الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما؛ لأنَّ البصري لم يسمع عندهم من أبي بكرة. قال العيني وهو الصَّحيح.
وقد أخرج متنه المؤلِّف في «اللِّباس» أيضًا [خ¦5785] ، وأخرجه النَّسائي في «الصَّلاة» و «التَّفسير» .
(قَالَ كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وفي رواية (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَانْكَسَفَتِ الشَّمْسُ) يقال كَسفت الشَّمس _ بفتح الكاف _ وانكسفت بمعنى، وأنكر القزَّاز انكسفت، والحديث يردُّ عليه.
(فَقَامَ النَّبِيُّ) وفي رواية (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) حال كونه (يَجُرُّ رِدَاءَهُ) من غير عُجْبٍ ولا خيلاء، حاشاه الله من ذلك، زاد في «اللِّباس» من وجه آخر عن يونس [خ¦5785] (( مستعجلًا ) )، وللنَّسائي في رواية يزيد بن زُريع عن يونس (( من العجلة ) ).
(حَتَّى دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَدَخَلْنَا) معه (فَصَلَّى بِنَا رَكْعَتَيْنِ) زاد النَّسائي (( كما تُصلُّون ) ) (حَتَّى انْجَلَتِ الشَّمْسُ) من الانجلاء؛ أي صفت وعاد نورها، وزاد ابن خزيمة (( فلمَّا كُشِف عنَّا خطبنا ) ).
(فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لاَ يَنكْسِفَانِ) بالكاف (لِمَوْتِ أَحَدٍ) قاله صلى الله عليه وسلم لمَّا مات ابنه إبراهيم. وقال النَّاس إنَّما كسفت لموته، فأبطل صلى الله عليه وسلم ما كان أهل الجاهليَّة يعتقدونه من تأثير الكواكب في الأرض.
(فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُا) بتوحيد الضمير؛ أي الكسفة التي يدل عليها قوله لا يكسفان؛ أي كسفة أحدهما، أو الآية؛ لأنَّ الكسفة آية من الآيات، وفي رواية بضمير التثنية؛ أي الشَّمس والقمر؛ أي كسوفهما.
(فَصَلُّوا وَادْعُوا، حَتَّى يُكْشَفَ مَا بِكُمْ) غاية للمجموع من الصَّلاة والدُّعاء، استدلَّ أصحابنا الحنفيَّة بهذا الحديث
ج 5 ص 327
على أنَّ صلاة الكسوف ركعتان؛ لأنَّه صرح فيه بقوله «فصلَّى ركعتين» . وكذلك روى جماعة من الصَّحابة عن النَّبي صلى الله عليه وسلم أنَّ صلاة الكسوف ركعتان.
منهم ابن مسعود رضي الله عنه أخرج حديثه ابن خزيمة في «صحيحه» عنه (( انكسفت الشَّمس فقال النَّاس إنَّما انكسفت لموت إبراهيم عليه السَّلام، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلَّى ركعتين ) ).
ومنهم عبد الرَّحمن بن سَمُرة رضي الله عنه أخرج حديثه مسلم (( انخسفت الشَّمس فانطلقتُ فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يسبِّح ويكبِّر ويدعو حتَّى تجلَّت الشَّمس، وقرأ سورتين، وركع ركعتين ) ). وأخرجه الحاكم، ولفظه (( وقرأ سورتين في ركعتين ) )، وقال صحيح الإسناد، ولم يخرِّجاه.
وأخرجه النَّسائي، ولفظه (( فصلَّى ركعتين، وأربع سجدات ) ).
ومنهم سَمُرة بن جندب رضي الله عنه أخرج حديثه الأربعة أصحاب السنن، وفيه (( فصلَّى فقام بنا كأطول ما قام بنا في صلاة قطُّ لا نسمع له صوتًا، قال ثمَّ ركع بنا كأطول ما ركع بنا في صلاة قطُّ لا نسمع له صوتًا، قال ثمَّ سجد بنا كأطول ما سجد بنا في صلاة قطُّ لا نسمع له صوتًا، قال ثمَّ فعل في الرَّكعة الأخرى مثل ذلك ) ). وقال التِّرمذي حديث حسن صحيح.
ومنهم النُّعمان بن بشير رضي الله عنه أخرج حديثه الطَّحاوي حَدَّثنا إبراهيم بن محمَّد الصَّيرفي البصري، قال حَدَّثنا أبو الوليد، قال حَدَّثنا شريك، عن عاصم الأحول، عن أبي قلابة، عن النُّعمان بن بشير رضي الله عنه (( أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم كان يصلِّي في كسوف القمر كما تصلُّون ركعة وسجدتين ) ).
وقال البيهقيُّ أبو قلابة لم يسمع من النُّعمان، فالحديث مرسل. وقال العيني صرَّح في «الكمال» بسماعه من النُّعمان. وقال ابن حزم أبو قلابة أدرك النُّعمان، وروى هذا الخبر عنه. وصرَّح ابن عبد البرِّ بصحَّة هذا الحديث، وقال من أحسن حديث ذهب إليه الكوفيُّون حديث أبي قلابة عن النُّعمان رضي الله عنه. وأبو قلابة أحد الأعلام، واسمه عبد الله بن زيد الجرمي، والحديث أخرجه أبو داود، والنَّسائي أيضًا.
ومنهم عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أخرج حديثه الطَّحاوي حَدَّثنا ربيع المؤذِّن، قال نا أسد، قال نا حمَّاد بن سلمة، عن عطاء بن السَّائب، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال كَسفت الشَّمس على عهد النَّبي صلى الله عليه وسلم، فقام بالنَّاس فلم يكد يركع، ثمَّ ركع فلم يكد يرفع، ثمَّ رفع فلم يكد يسجد، ثمَّ سجد فلم يكد يرفع، ثمَّ رفع، وفعل في الثَّانية مثل ذلك، فرفع رأسه، وقد أَمْحَصَتْ
ج 5 ص 328
الشَّمس.
وأخرجه الحاكم، وقال صحيح ولم يخرجاه من أجل عطاء بن السَّائب.
وقال العيني قد أخرج البخاري لعطاء هذا حديثًا مقرونًا بأبي معمر، وقال أيُّوب هو ثقة. وأخرجه أبو داود، وأحمد في «مسنده» ، والبيهقي في «سننه» .
ومنهم قَبيصة الهلالي رضي الله عنه أخرج حديثه أبو داود قال (( كسفت الشَّمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج فزعًا يجرُّ ثوبه، وأنا معه يومئذٍ بالمدينة، فصلَّى ركعتين ) )، الحديث. وفيه (( فإذا رأيتموها فصلُّوا كأحدث صلاة صلَّيتموها من المكتوبة ) ). وأخرجه النَّسائي أيضًا، وأخرجه الطَّحاوي من طريقين
ففي طريقه الأولى عن قَبيصةَ البَجَلي، وفي الثَّانية عن قَبيصة الهلالي أو غيره، وكلٌّ منهما صحابي على ما ذكره البعض.
وذكر أبو القاسم البغوي في «معجم الصَّحابة» أولًا قَبيصة الهلالي فقال سكن البصرة، وروى عن النَّبي صلى الله عليه وسلم أحاديث، ثمَّ ذكر قَبيصة آخر فقال يقال إنَّه البجلي، ويقال إنَّه الهلالي، سكن البصرة، وروى عن النَّبي صلى الله عليه وسلم حديثًا حَدَّثنا أبو الرَّبيع الزَّهراني نا عبد الوارث نا أيُّوب عن أبي قِلابة عن قَبيصة قال انكسفت الشَّمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فنادى في النَّاس، فصلَّى بهم ركعتين، فأطال فيهما حتَّى انجلت الشَّمس فقال (( إنَّ هذه الآية تخويف يخوِّف الله بها عباده، فإذا رأيتم ذلك فصلُّوا كأخفِّ صلاة صلَّيتموها من المكتوبة ) ). وقال أبو نُعيم ذكر بعض المتأخِّرين قَبيصة البجلي، وهو عندي قَبيصة بن مخارق الهلالي، والبَجلي وهمٌ.
وقال العينيُّ رواية الطَّحاوي وكلام البغوي يدلَّان على أنَّهما اثنان، وقوله «كأحدث صلاة» ؛ يعني أقرب صلاة. قال بعضهم معناه أنَّ آيةً من هذه الآيات إذا وقعت مثلًا بعد الصُّبح يصلِّي ويكون في كلِّ ركعة ركوعان، وإن كانت بعد المغرب يكون في كلِّ ركعة ثلاث ركوعات، وإن كانت بعد الرباعيَّة يكون في كلِّ ركعة أربع ركوعات.
وقال آخر معناه أنَّ آية من هذه الآيات إذا وقعت عقب صلاةٍ جهريَّة يصلِّي ويجهر فيها بالقراءة، وإذا وقعت عقب صلاة سريَّة يصلِّي ويخافت فيها بالقراءة، ورواية البغوي (( كأخفِّ صلاة ) )يريد به صلاة الصُّبح؛ يعني يصلِّي ركعتين كصلاة الصُّبح بركوعين وأربع سجدات.
ومنهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه أخرج حديثه أحمد من رواية حفص عنه قال كسفت الشَّمس فصلَّى علي رضي الله عنه
ج 5 ص 329
للنَّاس فقرأ يس أو نحوها، ثمَّ ركع نحوًا من قدر سورة، ثمَّ رفع رأسه فقال سمع الله لمن حمده، ثمَّ سجد، ثمَّ قام إلى الرَّكعة الثَّانية، فصلَّى كفعله في الرَّكعة الأولى، ثمَّ جلس يدعو حتَّى انجلت الشَّمس، ثمَّ حدَّثهم أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كذلك فعل.
وروى ابن أبي شيبة بسند صحيح عن السَّائب بن مالك والد عطاء أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم صلَّى في كسوف القمر ركعتين.
وفي «علل ابن أبي حاتم» السَّائب ليست له صحبة، والصَّحيح إرساله. ورواه بعضهم عن أبي إسحاق، عن السَّائب بن مالك، عن ابن عمر، عن النَّبي صلى الله عليه وسلم.
وروى ابن أبي شيبة أيضًا بسند صحيح عن إبراهيم كانوا يقولون إذا كان ذلك فصلُّوا كصلاتكم حتَّى تنجلي. وقال ابن أبي شيبة وحَدَّثنا وكيع نا إسحاق بن عثمان الكلابي، عن أبي أيُّوب الهجري قال انكسفت الشَّمس بالبصرة، وابن عبَّاس رضي الله عنهما أمير عليها، فقام فصلَّى بالنَّاس فقرأ فأطال القراءة، ثمَّ ركع فأطال الرُّكوع، ثمَّ رفع رأسه، ثمَّ سجد، ثمَّ فعل مثل ذلك في الثَّانية، فلمَّا فرغ قال هكذا صلاة الآيات، قال فقلت بأي شيء أقرأ فيهما؟ قال بالبقرة وآل عمران.
وحَدَّثنا وكيع، عن يزيد بن إبراهيم، عن الحسن أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم صلَّى في كسوف ركعتين، فقرأ في إحداهما بالنَّجم.
وفي «المحلَّى» أخذ بهذا طائفة من السَّلف منهم عبد الله بن الزُّبير صلَّى في الكسوف ركعتين كسائر الصَّلوات. فإن قيل قد خطَّأه في ذلك أخوه عروة.
قلنا عروة أحقُّ بالخطأ من عبد الله الصَّاحب الذي عمل بعلمه، وعروة أنكر ما لم يعلم. وذهب ابن حزم إلى العمل بما صحَّ من الأحاديث فيها. ونحا نحوه ابن عبد البر فقال وإنَّما يصير كل عالم إلى ما روى عن شيوخه، ورأى عليه أهل بلده، وقد يجوز أن يكون ذلك اختلاف إباحة وتوسعة.
قال البيهقيُّ وبه قال ابن راهويه، وابن خزيمة، وأبو بكر بن إسحاق، والخطَّابي، واستحسنه ابن المنذر. وقال ابن قدامة مقتضى مذهب أحمد أنَّه يجوز أن يصلِّي صلاة الكسوف على كل صفة.
وقال ابن عبد البر إنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم صلَّى صلاة الكسوف مرارًا، فحكى كلٌّ ما رأى، وكلهم صادق كالنُّجوم من اقتدى بهم اهتدى. وذهب البيهقي إلى أنَّ الأحاديث المرويَّة في هذا الباب كلَّها ترجع إلى صلاة النَّبي صلى الله عليه وسلم في كسوف الشَّمس يوم مات إبراهيم.
ج 5 ص 330
وقد روى في حديث كل واحد منهم ما يدلُّ على ذلك، والذي ذهب إليه أولئك الأئمَّة توفيق بين الأحاديث، وإذا عمل بما قاله البيهقي حصل بينها خلاف يلزم منه سقوط بعضها وإطراحه. وممَّا يدلُّ على وهن قوله ما روته عائشة رضي الله عنها عند النَّسائي بسند صحيح أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم صلَّى في كسوف في صُفَّة زمزم؛ يعني في مكَّة. وأكثر الأحاديث أنَّها كانت في المدينة، فدلَّ ذلك على التعدُّد، وكانت وفاة إبراهيم يوم الثلاثاء لعشر خلون من شهر ربيع الأوَّل سنة عشر، ودفن بالبقيع.
والحاصل أنَّ أصحابنا تعلَّقوا بأحاديث من ذكرناهم من الصَّحابة رضي الله عنهم، ورأوها أولى من رواية غيرهم نحو عائشة، وابن عبَّاس، وغيرهما رضي الله عنهما لموافقتها القياس في أبواب الصَّلاة، وقد نصَّ في حديث أبي بكرة رضي الله عنه على ركعتين صريحًا بقوله «يصلِّي ركعتين» . وفي رواية النَّسائي (( كما تصلُّون ) ).
وحمْلُ ابن حبَّان والبيهقي من الشَّافعية على أنَّ المعنى كما تصلُّون في الكسوف بعيدٌ، وظاهر الكلام يردُّه. فإن قيل خاطب أبو بكرة بذلك أهل البصرة، وقد كان ابن عبَّاس رضي الله عنهما علَّمهم أنَّ صلاة الكسوف ركعتان في كلِّ ركعة ركوعان كما روى ذلك الشَّافعي، وابن أبي شيبة، وغيرهما.
فالجواب أنَّ حديث أبي بكرة رضي الله عنه إخبار عن الذي شاهده من صلاة النَّبي صلى الله عليه وسلم، وليس فيه خطاب أصلًا. ولئن سلَّمنا أنَّه خاطب بذلك؛ فليس معناه كما حمله ابن حبَّان والبيهقي؛ لأنَّ المعنى كما كانت عادتكم فيما إذا صلَّيتم ركعتين بركوعين، وأربع سجدات على ما تقرَّر شأن الصَّلاة على هذا.
وما قيل [1] من أنَّ في رواية عبد الوارث عن يونس كما سيأتي في أواخر «الكسوف» [خ¦1063] أنَّ ذلك وقع يوم مات إبراهيم ابن النَّبي صلى الله عليه وسلم، وقد ثبت حديث جابر عند مسلم قال فيه (( إنَّ في كل ركعة ركوعين ) ). فدلَّ ذلك على اتحاد القصَّة، وظهر أنَّ رواية أبي بكرة مجملة، ورواية جابر رضي الله عنه مبيِّنة، والأخذ بالمبيَّن أولى.
فتعقَّبه العيني وقال ليت شعري إنَّ الإجمال في حديث أبي بكرة رضي الله عنه هل فيه إجمال لغوي، أو إجمال اصطلاحي، ليس هنا أثر من ذلك.
ولو قال هذا القائل الأخذ بحديث جابر أولى؛ لأنَّ فيه زيادة، والأخذ بالزيادة في روايات الثِّقات أولى وأجدر،
ج 5 ص 331
فنحن نقول سلمنا أنَّ الأمر هكذا، ولكن الأخذ بما يوافق الأصول أولى. وأعجب من هذا أنَّ القائل ادَّعى اتِّحاد القصَّة، وقد مرَّ ما يدلُّ على التعدُّد فتذكر.
ثمَّ إنَّه استدلَّ بعضهم بقوله «حتَّى انجلت» على إطالة الصَّلاة حتَّى يقع الانجلاء، ولا تكون الإطالة إلَّا بتكرار الرَّكعات والرُّكوعات، وعدم قطعها إلى الانجلاء.
وأجاب الطَّحاوي عن ذلك بأنَّه قد قال بعض هذه الأحاديث «فصلُّوا وادعوا حتَّى ينكشف» ، ثمَّ روى بإسناده حديثًا عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( إنَّ الشَّمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينكسفان لموت أحد _ أراه قال ولا لحياته _ فإذا رأيتم ذلك فعليكم بذكر الله والصَّلاة ) ).
فدلَّ ذلك أنَّه صلى الله عليه وسلم لم يُرِد منهم مجرَّد الصَّلاة، بل أراد منهم ما يتقرَّبون به إلى الله تعالى من الصَّلاة والدُّعاء والاستغفار، وغير ذلك من نحو الصَّدقة والعتاقة.
وقال بعضهم بعد أن نقل بعض كلام الطَّحاوي في هذا وقرَّره ابن دقيق العيد بأنَّه جعل الغاية لمجموع الأمرين، ولا يلزم من ذلك أن يكون غاية لكلٍّ منهما على انفراده، فجاز أن يكون الدُّعاء ممتدًا إلى غاية الانجلاء بعد الصَّلاة، فتصير غاية للمجموع، ولا يلزم منه تطويل الصَّلاة ولا تكريرها.
وتعقَّبه العيني بأنَّ في الحديث _ يعني حديث أبي بكرة رضي الله عنه _ (( فصلُّوا وادعوا حتَّى يكشف ما بكم ) )فقد ذكر الصَّلاة والدُّعاء بواو الجمع، فاقتضى أن يجمع بينهما إلى وقت الانجلاء قبل الخروج من الصَّلاة، وذلك لا يكون إلا بإطالة الرُّكوع والسُّجود بالذكر فيهما، وبإطالة القراءة.
أمَّا إطالة الرُّكوع والسُّجود فقد وردت في حديث عائشة رضي الله عنها في رواية مسلم (( ما ركعت ركوعًا قط، ولا سجدت سجودًا قط كان أطول منه ) ). وفي رواية البخاري أيضًا (( ثمَّ سجد سجودًا طويلًا ) ) [خ¦1047] ، وقالت أيضًا (( فصلَّى بأطول قيامٍ وركوعٍ وسجودٍ ) ) [خ¦1059] .
وأمَّا إطالة القراءة ففي حديث عائشة رضي الله عنها (( فأطال القراءة ) ) [خ¦1058] . وفي حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما (( فقام قيامًا طويلًا قدر سورة البقرة ) ) [خ¦1052] .
ولا شكَّ أنَّه صلى الله عليه وسلم لم يكن في طول قيامه ساكتًا، بل كان مشتغلًا بالقراءة وبالدُّعاء، وإدامة الدُّعاء بعد خروجه من الصَّلاة لا يكون جامعًا بين الصَّلاة والدُّعاء في وقت واحد؛ لأنَّ خروجه من الصَّلاة يكون قاطعًا للجمع، ولا شكَّ أنَّ الواو تدلُّ على الجمع.
وقد وقع في رواية النَّسائي من حديث النُّعمان بن بشير
ج 5 ص 332
رضي الله عنه قال (( كسفت الشَّمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل يصلِّي ركعتين ركعتين، ويسأل عنها حتَّى انجلت ) )، فهذا يدلُّ على أنَّ إطالته صلى الله عليه وسلم كانت بتعداد الرَّكعات.
فإن قيل يحتمل أن يكون معنى قوله «ركعتين» ؛ أي ركوعين، وأن يكون السُّؤال وقع بالإشارة.
فالجواب أنَّ هذا التَّأويل خلاف الظَّاهر لا يكاد ينساق إليه الذهن.
فإن قيل فعلى ما ذكرت قد دلَّ الحديث على أنَّه يصلي للكسوف ركعتين بعد ركعتين إلى وقت الانجلاء، وأنتم معشر الحنفيَّة لا تقولون بذلك.
فالجواب أنَّا لا نسلم ذلك. وقد روى الحسن عن أبي حنيفة إن شاؤوا صلُّوا ركعتين، وإن شاؤوا أربعًا، وإن شاؤوا أكثر من ذلك، ذكره في «المحيط» وغيره.
فدلَّ ذلك على أنَّ الصَّلاة إن كانت ركعتين يطوِّل ذلك بالقراءة والدُّعاء في الرُّكوع والسُّجود إلى وقت الانجلاء، وإن كانت أكثر من ركعتين، فالتَّطويل يكون بتكرار الرَّكعات دون الرُّكوعات.
وأمَّا كون السُّؤال وقع بالإشارة يردُّه ما أخرجه عبد الرَّزَّاق بإسناد صحيح عن أبي قِلابة أنَّه صلى الله عليه وسلم كلَّما ركع ركعة أرسل رجلًا ينظر هل انجلت، فهذا يدلُّ على أنَّ السُّؤال في حديث النُّعمان رضي الله عنه كان بالإرسال لا بالإشارة، وأنَّه كلَّما كان يصلِّي ركعتين على العادة يرسل رجلًا يستكشف عن الانجلاء.
ثمَّ في هذا الحديث إبطال ما كانت الجاهلية يعتقدونه من تأثير الكواكب في الأرض. وقال الخطَّابي كانوا في الجاهلية يعتقدون أنَّ الكسوف يوجب حدوث تغيُّر في الأرض من موت أو ضرر، فأعلم النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم أنَّه اعتقاد باطل، وأنَّ الشَّمس والقمر خلقان مسخَّران لله تعالى ليس لها سلطان في غيرهما، ولا قدرة على الدَّفع عن أنفسهما.
وفي الحديث أيضًا ما يدلُّ على أنَّ جر الثَّوب لا يُذمُّ إلَّا ممَّن قصد به الخيلاء كما صُرِّح بذلك في غير هذا الحديث. وفيه أيضًا المبادرة إلى طاعة الله تعالى، ألا ترى أنَّه صلى الله عليه وسلم كيف قام وهو يجرُّ رداءه مستعجلًا.
وفيه أيضًا على ما قالوا دلالة على أنَّه يُجمع في خسوف القمر كما يُجمع في كسوف الشَّمس، وبه قال الشَّافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وأهل الحديث. وذهب أبو حنيفة، ومالك رحمهما الله
ج 5 ص 333
إلى أن ليس في خسوف القمر جماعة هكذا قيل. وقال العيني أبو حنيفة رحمه الله لم ينفِ الجماعة فيه، وإنَّما قال الجماعة فيه غير سنة، بل هي جائزة، وذلك لتعذُّر اجتماع النَّاس في أطراف البلد باللَّيل، وكيف وقد ورد قوله صلى الله عليه وسلم (( أفضل صلاة المرء في بيته إلَّا المكتوبة ) ) [خ¦7290] .
وقال مالك لم يبلغنا ولا أهل بلدنا أنَّه صلى الله عليه وسلم جمع لكسوف القمر، ولا نُقِل عن أحد من الأئمَّة بعده أنَّه جمع فيه. ونقل ابن قدامة في «المغني» عن مالك ليس في كسوف القمر سنَّة ولا صلاة.
وقال المهلب يمكن أن يكون تركه صلى الله عليه وسلم _ والله أعلم _ رحمة للمؤمنين؛ لئلا تخلو بيوتهم باللَّيل، فتخطفهم النَّاس ويُسرقون، يدلُّ على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم لأمِّ سلمة ليلة نزول التوبة على كعب بن مالك وصاحبيه، قالت له ألا أبشِّر النَّاس؟ فقال صلى الله عليه وسلم (( أخشى أن يخطفهم النَّاس ) ). وفي حديث آخر (( أخشى أن يمنع النَّاس نومهم ) )، وقال تعالى {وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ} [القصص 73] فجعل السُّكون في اللَّيل من النِّعم التي عددها الله تعالى على عباده، وقد سَمَّى ذلك رحمة.
وقال ابن القصَّار خسوف القمر يتَّفق ليلًا، فيشقُّ الاجتماع له، وربَّما أدرك النَّاس نيامًا، فيثقل عليهم الخروج لها، ولا ينبغي أن يُقاس على كسوف الشَّمس؛ لأنَّه يدرك النَّاس مستيقظين، ولا يشقُّ اجتماعهم كالعيدين، والجمعة، والاستسقاء.
فإن قيل روى الحسن البصري قال خسف القمر وابن عبَّاس بالبصرة، فصلَّى بنا ركعتين في كلِّ ركعة ركعتان، فلمَّا فرغ خطبنا، وقال صلَّيت بكم كما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلِّي بنا، رواه الشَّافعي في «مسنده» .
وذكر ابن التِّين بلفظ أنَّه صلَّى في خسوف القمر، ثمَّ خطب، وقال يا أيُّها النَّاس إنِّي لم أبتدع هذه الصَّلاة بدعة، وإنَّما فعلت كما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل، وقد عَلِمنا أنَّه صلاها في جماعة لقوله «خطب» ؛ لأنَّ المنفرد لا يخطب.
وروى الدَّارقطني عن عروة عن عائشة رضي الله عنها أنَّه صلى الله عليه وسلم كان يصلِّي في خسوف الشَّمس والقمر أربع ركعات، وأربع سجدات، ويقرأ في الأولى بالعنكبوت أو الروم، وفي الثَّانية بـ {يس} .
فالجواب أنَّ رواية الحسن رواها الشَّافعي عن إبراهيم بن محمَّد وهو ضعيف، وقول الحسن «خطبنا»
ج 5 ص 334
لا يصحُّ، فإنَّ الحسن لم يكن بالبصرة حين كان ابن عبَّاس رضي الله عنه بها. وقيل إنَّ هذا من تدليساته. وأمَّا حديث عائشة رضي الله عنها فمستغرب.
فإن قيل روى الدَّارقطني أيضًا من حديث حبيب عن طاوس عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم صلَّى في كسوف الشَّمس والقمر ثمان ركعات في أربع سجدات.
فالجواب أنَّ في إسناده نظرًا، والحديث في مسلم، وليس في ذكر القمر.
والعجب من الشَّيخ زين الدِّين العراقي حيث يقول لم تثبت صلاته صلى الله عليه وسلم لخسوف القمر بإسناد متَّصل، ثمَّ ذكر حديث عائشة، وحديث ابن عبَّاس رضي الله عنهم اللَّذين رواهما الدَّارقطني، وقال ورجال إسنادهما ثقات، ولكن كون رجالهما ثقات لا يستلزم اتِّصال الإسناد، ولا نفي الدَّرج [2] ، والله أعلم.
تتميم ثمَّ إنَّ رؤية الأهلة، وحدوث الحرِّ والبرد، وكل ما جرت العادة بحدوثه على وتيرة واحدة من آيات الله تعالى الدَّالة على وجوده وقدرته، وإنَّما خصَّ الكسوفين فقال إنَّهما آيتان لإخباره صلى الله عليه وسلم عن ربِّه عزَّ وجلَّ بأنَّ القيامة تقوم وهما منكسفان، وذاهبا النُّور، فلمَّا أعلمهم بذلك أمرهم عند رؤية الكسوف بالصَّلاة والتَّوبة خوفًا أن يكون الكسوف لقيام السَّاعة ليُعتِدوا لها. وقال المهلَّب يحتمل أن يكون هذا قبل أن يُعلمه الله تعالى بأشراط السَّاعة.
[1] في هامش الأصل القائل الحافظ العسقلاني.
[2] في العمدة المدرج ولعلها الإدراج