فهرس الكتاب

الصفحة 4011 من 11127

2563 - (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) أبو محمد الهبَّاري القرشي الكوفي، وهو من أفراده، قال (حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) حمَّاد بن أسامة (عَنْ هِشَامٍ بْنِ عُرْوَةَ) كذا في رواية أبي ذرٍّ، وفي رواية غيره من غير نسبة (عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير بن العوَّام (عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا) أنَّها (قَالَتْ جَاءَتْ بَرِيرَةُ فَقَالَتْ إِنِّي كَاتَبْتُ أَهْلِي عَلَى تِسْعِ أَوَاقِي) وفي نسخة

ج 11 ص 616

(فِي كُلِّ عَامٍ أُوقِيَّةٌ) وفي رواية اللَّيث المعلَّقة (( وعليها خمسة أواقي ) ) [خ¦2560] ، وقد جزم الإسماعيلي بأنَّ الرِّواية المعلَّقة غلط، والصَّواب رواية هشام بأنَّها تسع.

وأجيب عنه بأنَّ الخمس هي التي كانت استحقَّت عليها بحلول نجومها من جملة التِّسع، نقله القرطبي. وأجيب أيضًا بأنَّ التنصيص على العدد لا ينفي الزِّيادة، فإن مفهوم العدد لا اعتبار له. وأجيب بأجوبة أخرى أيضًا تقدَّمت في حديث اللَّيث [خ¦2560] .

(فَأَعِينِينِي) كذا في رواية الأكثر بصيغة الأمر للمؤنث من الإعانة، وفي رواية الكُشميهني بصيغة الماضي من الإعياء، وهو العجزُ، والضَّمير للأواقي وهو متَّجه المعنى أيضًا؛ أي أعجزتني عن تحصيلها. وفي رواية ابن خُزيمة وغيره من رواية حمَّاد بن سلمة، عن هشام (( فأعتقيني ) )بصيغة الأمر من الإعتاق إلَّا أنَّ الثَّابت في طريق مالك وغيره عن هشام هو الأوَّل.

(فَقَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا إِنْ أَحَبَّ أَهْلُكِ أَنْ أَعُدَّهَا لَهُمْ عَدَّةً وَاحِدَةً وَأُعْتِقَكِ فَعَلْتُ، وَيَكُونَ وَلاَؤُكِ لِي فَذَهَبَتْ) أي بريرة (إِلَى أَهْلِهَا) فعرضتْ عليهم ذلك (فَأَبَوْا) أي امتنعوا (ذَلِكَ عَلَيْهَا) فجاءتْ إلى عائشة رضي الله عنها، ففيه حذفُ إيجازٍ (فَقَالَتْ إِنِّي قَدْ عَرَضْتُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ فَأَبَوْا إِلاَّ أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْوَلاَءُ) زاد مسلم من هذا الوجه (( فانتهرتها ) )وكأنَّ عائشة رضي الله عنها كانت عرفت الحكم في ذلك.

(فَسَمِعَ بِذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلَنِي فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ خُذِيهَا، فَأَعْتِقِيهَا، وَاشْتَرِطِي لَهُمُ الْوَلاَءَ، فَإِنَّمَا الْوَلاَءُ لِمَنْ أَعْتَقَ) قال ابن عبد البرِّ وغيره كذا رواه أصحاب هشام بن عروة وأصحاب مالك عنه عن هشام، واستُشكل صدور الإذن منه صلى الله عليه وسلم في البيع على شرط فاسد.

قال الكرماني فإن قلت هذا مشكلٌ من حيث إنَّ هذا الشَّرط يفسد العقد، ومن حيث إنَّها خدعت البائعين حيث شرطتْ لهم ما لا يحصل لهم، وكيف أذن صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها في ذلك؟!

قلتُ يؤول ذلك بأنَّ معناه اشترطِي عليهم، كقوله تعالى {وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا} [الإسراء 8] أو أظهري لهم حُكم الولاء، أو المراد التَّوبيخ لهم لأنه صلى الله عليه وسلم كان قد بيَّن لهم أن هذا الشَّرط لا يصح، فلمَّا لحُّوا في اشتراطه قال ذلك؛ أي لا تبالي به سواء شرطته أم لا، وإلَّا صحَّ أنه من خصائص عائشة رضي الله عنها

ج 11 ص 617

لا عموم له. والحكمة في إذنه ثمَّ إبطاله أن يكون أبلغ في قطع عادتهم وزجرهم عن مثله، انتهى.

أقول ووجه المبالغة أنَّ إذنه صلى الله عليه وسلم في صورة الظَّاهر إذا لم يُؤثِّر في حكم الله تعالى حقيقة فعدم إذنه أصلًا أولى، والله تعالى أعلم.

اعلم أنَّه قد اختلف العلماء في ذلك، فمنهم من أنكر الشَّرط في الحديث، فروى الخطَّابي في «المعالم» بسنده إلى يحيى بن أكثم أنَّه أنكر ذلك. وعن الشَّافعي في «الأم» الإشارة إلى تضعيف رواية هشام المصرَّحة بالاشتراط لكونه انفرد بها دون أصحاب أبيه، وروايات غيره قابلة للتَّأويل، وأشار غيره إلى أنَّه روى بالمعنى الذي وقع له، وليس كما ظنَّ، وأثبت الرِّواية آخرون وقالوا هشام ثقةٌ حافظٌ، والحديث متَّفق على صحَّته فلا وجه لردِّه.

ثمَّ اختلفوا في توجيهها فزعمَ الطَّحاوي أنَّ المزني حدَّثه به عن الشَّافعي بلفظ وأشرطِي _ بهمزة قطع بغير تاء مثناة _ ثم وجَّهه بأنَّ معناه أظهري لهم حُكم الولاء، والإشراط الإظهار. قال أوس بن حجر

~فَأشرَطَ فِيْها نَفْسَه وَهُو مُعْصَمٌ

أي أظهر نفسه، انتهى.

قال الحافظُ العسقلاني وأنكر غيره هذه الرِّواية، والذي في «مختصر المزني» و «الأم» وغيرهما عن الشَّافعي كرواية الجمهور (( واشترطي ) )بصيغة أمر المؤنَّث من الشَّرط، انتهى.

وتعقَّبه العيني بأنَّه لا مجال لإنكار هذه الرِّواية؛ لأنَّ كل واحدٍ من الطَّحاوي والمزني ثقةٌ ثبتٌ لا يشكُّ فيما روياهُ، ولا يلزم أن يكون هذا الذي نقله الطَّحاوي عن المزني أن يكون ذكره الشَّافعي في «الأم» والمزني أعرف بحاله، انتهى.

قال الحافظ العسقلاني ثمَّ حكى الطَّحاوي أيضًا تأويل الرِّواية التي بلفظ «اشترطي» بأن اللَّام في قوله «اشترطي لهم» بمعنى «على» كقوله تعالى {وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا} [الإسراء 7] وهذا هو المشهورُ عن المزني، وجزمَ به عنه الخطَّابي وهو صحيحٌ عن الشَّافعي أسنده البيهقي في «المعرفة» من طريق أبي حاتم الرَّازي، عن حرملة عنه.

وحكى الخطَّابي عن ابن خُزيمة أنَّ قولَ يحيى بن أكثم غلطٌ، والتَّأويل المنقول عن المزني لا يصحُّ.

وقال النَّووي تأويل اللام بمعنى «على» هنا ضعيف؛

ج 11 ص 618

لأنه صلى الله عليه وسلم أنكر الاشتراط، ولو كانت بمعنى «على» لم ينكره. فإن قيل ما أنكر إلَّا إرادة الاشتراط في أوَّل الأمر.

فالجواب أنَّ سياق الحديث يأبى ذلك، وضعَّفه أيضًا ابنُ دقيق العيد، وقال اللام لا تدلُّ بوضعها على الاختصاص المانع، بل على مُطلق الاختصاص، فلا بدَّ في حملها على ذلك من قرينة.

وقال آخرون الأمر في قوله «اشترطي» للإباحة، وهو على جهة التَّنبيه على أنَّ ذلك لا ينفعهم، فوجوده وعدمه سواء، فكأنَّه يقول اشترطي أو لا تشترطي فذلك لا يُفيدهم.

ويقوِّي هذا التَّأويل قوله في رواية أيمن الآتية آخر أبواب «المكاتب» [خ¦2565] (( اشتريها ودعيهم يشترطون ما شاؤوا ) )، وقيل كان النَّبي صلى الله عليه وسلم أَعْلَمَ النَّاسَ بأن اشتراط البائع الولاء باطلٌ، واشتهر ذلك بحيث لا يخفى على أهل بريرة، فلمَّا أرادوا أن يشترطوا ما تقدَّم لهم العلم ببطلانه أطلق الأمر مريدًا به التَّهديد على مآل الحال، كقوله تعالى {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ} [التوبة 105] ، وكقول موسى عليه السلام {أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ} [يونس 80] ؛ أي فليس ذلك بنافعكم، وكأنَّه يقول اشترطي لهم فسيعلمون أنَّ ذلك لا ينفعهم.

ويؤيِّده قوله حين خطبهم (( ما بال رجال يشترطون ... ) )إلى آخره، فوبَّخهم بهذا القول مشيرًا إلى أنَّه قد تقدَّم منه بيان حكم الله بإبطاله إذ لو لم يتقدَّم بيان ذلك لبدأ ببيان الحكم في الخطبة، لا بتوبيخ الفاعل لأنَّه كان يكون باقيًا على البراءة الأصليَّة.

وقيل الأمر فيه بمعنى الوعيد الذي ظاهره الأمر، وباطنه النَّهي؛ كقوله تعالى {اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ} [فصلت 40] .

وقال الشَّافعي في «الأم» لمَّا كان من اشترط خلاف ما قضى الله ورسوله عاصيًا، وكانت في المعاصي حدود وآداب، فأدَّبهم صلى الله عليه وسلم بأن يعطِّل عليهم شروطهم ليرتدعوا عن ذلك، ويرتدعَ به غيرهم، وكان ذلك من أيسر الآداب.

وقيل معنى «اشترطي» اتركي مخالفتهم فيما شرطوه، ولا تُظهِري نزاعهم فيما دعوا إليه مراعاة لِتَنْجيز العتق لتشويق الشَّارع إليه، وقد يعبَّر

ج 11 ص 619

عن الترك بالفعل، كما في قوله تعالى {وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ} [البقرة 102] ؛ أي بتركهم يفعلون ذلك، وليس المراد بالإذن إباحة الإضرار بالسِّحر.

قال ابنُ دقيق العيد وهذا وإن كان محتملًا، إلا أنَّه خارج عن الحقيقة من غير دَلالة على المجاز من حيث السِّياق.

وقال النَّووي أقوى الأجوبة أنَّ هذا الحكم خاصٌّ بعائشة رضي الله عنها في هذه القضيَّة، وفائدته المبالغة في الرُّجوع عن هذا الشَّرط لمخالفته حكم الشُّروط، وهو كفسخِ الحج إلى العمرة حيث كان خاصًّا بتلك الحَجَّة مبالغة في إزالة ما كانوا عليه من منع العمرة في أشهر الحجِّ.

ويُستفاد منه ارتكاب أخفِّ المفسدتين إذا استلزم إزالة أشدِّهما، وتُعقِّب بأنَّه استدلال بمخَتَلفٍ فيه على مخَتَلفٍ فيه.

وتعقَّبه ابن دقيق العيد بأنَّ التَّخصيص لا يثبت إلَّا بدليل، وبأن الشَّافعي نصَّ على خلاف هذه المقالة، وهذا الذي ذكرنا هو تفصيل ما أجمله الكرماني.

وقال ابنُ الجوزي ليس في الحديث أنَّ اشتراط الولاء والعتق كان مقارنًا للعقد، فيحمل على أنَّه كان سابقًا للعقد، فيكون الأمر بقوله «اشترطي» ، مجرَّد وعد ولا يجب الوفاء به، وتعقِّب باستبعاد أنَّه صلى الله عليه وسلم يأمر شخصًا أن يَعِدَ مع علمه بأنَّه لا يفي بذلك الوعد.

وأغرب ابنُ حزم فقال كان الحكم ثابتًا بجواز اشتراط الولاء لغير المعتق، فوقع الأمر باشتراطه في الوقت الذي كان جائزًا فيه، ثمَّ نُسِخ ذلك الحكم بخطبته صلى الله عليه وسلم وقوله (( إنَّما الولاء لمن أعتق ) )، ولا يخفى بُعْد ما قال، وسياق طرق هذا الحديث تدفع هذا الوجه.

وقال الخطَّابي وجه هذا الحديث أنَّ الولاء لمَّا كان لحمةً كلحمة النَّسب، والإنسان إذا ولد له ولد ثبت له نسبه، ولا ينتقل نسبه عنه ولو نُسِب إلى غيره، فكذلك إذا أعتق عبدًا ثبت له ولاؤه، ولو أراد نقل ولائه عنه وأذن في نقله لم ينتقل فلم يعبأْ باشتراطهم الولاء.

وقيل اشترطي ودعيهم يشترطون ما شاؤوا ونحو ذلك؛ لأنَّ ذلك غيرُ قادح في العقد، بل هو بمنزلة اللَّغو من الكلام، وأخَّر إعلامهم بذلك ليكون ردُّه

ج 11 ص 620

وإبطاله قولًا شهيرًا يَخْطُب به على المنبر ظاهرًا، إذ هو أبلغ في النَّكير، وأوكد في التَّغيير انتهى، وهو يؤل إلى أنَّ الأمر فيه للإباحة كما تقدَّم، والله أعلم.

(قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي النَّاسِ فَحَمِدَ اللَّهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ أَمَّا بَعْدُ، فَمَا بَالُ رِجَالٍ مِنْكُمْ) أي ما حالهم (يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ، فَأَيُّمَا شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهْوَ بَاطِلٌ، وَإِنْ كَانَ مِائَةَ شَرْطٍ، فَقَضَاءُ اللَّهِ أَحَقُّ) أي بالاتباع من الشُّروط المخالفة له (وَشَرْطُ اللَّهِ أَوْثَقُ) أي باتباع حدوده التي حدَّها، وليس أفعل هنا على بابه إذ لا مشاركة بين الحقِّ والباطل، وقد وردتْ صيغة أفعل لغير التَّفضيل كثيرًا، ويحتمل أن يُقال وَرَدَ ذلك على ما اعتقدوه من الجواز.

(مَا بَالُ رِجَالٍ مِنْكُمْ يَقُولُ أَحَدُهُمْ أَعْتِقْ يَا فُلاَنُ وَلِيَ الْوَلاَءُ إِنَّمَا الْوَلاَءُ لِمَنْ أَعْتَقَ) يُستفاد منه أنَّ كلمة «إنَّما» للحصر، وهو إثباتُ الحكم للمذكور، ونفيه عمَّا عداه، ولولا ذلك لما لزم من إثبات الولاء للمُعتق نفيه عن غيره، واستدلَّ بمفهومه على أنَّه لا ولاء لمن أسلم على يديه رجلٌ أو وقع بينه وبينه محالفة خلافًا للحنفيَّة، ولا للملتقط خلافًا لإسحاق، وسيأتي مزيد بسط لذلك في «كتاب الفرائض» إن شاء الله تعالى [خ¦6757] ، ويستفاد من منطوقه إثبات الولاء لمن أعتق سائبة خلافًا لمن قال يصير ولاؤه للمسلمين، ويدخل فيمن أعتق عتق المسلم للمسلم وللكافر، وبالعكس في ثبوت الولاء للمعتق، كذا ذكره الحافظ العسقلاني، وفيه كلام.

تذييل زاد النَّسائي من طريق جرير بن عبد الحميد، عن هشام بن عروة في آخر هذا الحديث (( فخيَّرها رسول الله صلى الله عليه وسلم بين زوجها وكان عبدًا ) )، وهذه الزِّيادة ستأتي في «النكاح» من حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما [خ¦5280] ، ويأتي الكلام عليها هناك إن شاء الله تعالى مع ذكر الخلاف في زوجها هل كان حرًّا أو عبدًا، وتسميته وما اتفق له بعد فراقها.

وفي حديث بريرة هذا من الفوائد سوى ما سبق،

ج 11 ص 621

وسوى ما يأتي في «النِّكاح» إن شاء الله تعالى جواز كتابة الأمة كالعبد. وجواز كتابة المزوَّجة ولو لم يأذن الزَّوج. وأنَّه ليس له منعها من كتابتها، ولو كانت تؤدِّي إلى فراقها منه كما أنَّه ليس للعبد المتزوِّج منع السيِّد من عتق أمته التي تحته، وإن أدَّى ذلك إلى بطلان نكاحها. ويستنبط من تمكينها من السَّعي في مال الكتابة أنَّه ليس عليها خدمته.

وفيه جواز سعي المكاتبة وسؤالها واكتسابها، وتمكين السيِّد لها من ذلك. ولا يخفى أن محلَّ الجواز إذا عُرِفت جهة حِلِّ كسبها. وفيه البيان بأنَّ النَّهي الوارد عن كسب الأمة محمول على من لا يعرف وجه كسبها، أو محمول على غير المكاتبة. وفيه أنَّ للمكاتَب أن يسألَ من حين الكتابة، ولا يشترط في ذلك عجزه خلافًا لمن شرطه. وفيه جواز السُّؤال لمن احتاجَ إليه من دين أو غرم أو نحو ذلك.

وفيه أنَّه لا بأس بتعجيل مال الكتابة. وفيه جواز المساومة في البيع، وتشديد صاحب السِّلعة فيها. وأنَّ المرأة الرَّشيدة تتصرَّف لنفسها في البيع وغيره، ولو كانت مزوَّجة خلافًا لمن أبى ذلك. وسيأتي له مزيد في «كتاب الهبة» إن شاء الله تعالى [خ¦2578] .

وأنَّ من لا يتصرف بنفسه فله أن يُقيم غيره مقامه في ذلك. وأنَّ العبد إذا أذن له في التِّجارة جاز تصرُّفه. وفيه جواز رفع الصَّوت عند إنكار المنكر. وأنَّه لا بأس لمن أراد أن يشتري للعتق أن يظهر ذلك لأصحاب الرقبة ليتساهلوا له في الثَّمن، ولا يُعدُّ ذلك من الرِّياء. وفيه إنكار القول الذي لا يوافق الشَّرع وانتهار الرَّسول فيه.

وفيه أن الشَّيء إذا بيع بالنقد كانت الرَّغبة فيه أكثر ممَّا لو بيع بالنسيئة. وأن للمرء أن يقضي عنه دينه برضاه.

وفيه جواز الشِّراء بالنَّسيئة، وأن المكاتَب لو عجَّل بعض كتابته قبل المحلِّ على أن يضعَ عنه سيِّده الباقي لم يُجبَر السيِّد على ذلك، وجواز الكتابة على قدر قيمة العبد وأقلُّ منها وأكثر؛ لأن بين الثَّمن المنجَّز والمؤجَّل فرقًا،

ج 11 ص 622

ومع ذلك فقد بذلت عائشة رضي الله عنها المؤجَّل ناجزًا، فدلَّ على أنَّ قيمتها كانت بالتَّأجيل أكثر ممَّا كُوتبت به، وكان أهلها باعوها بذلك.

وفيه أنَّ المراد بالخير في قوله تعالى {إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا} [النور 33] القوة على الكسب، والوفاء بما وقعت الكتابة عليه، وليس المراد به المال. ويؤيِّد ذلك أنَّ المال الذي في يد المكاتب لسيِّده فكيف يكاتبه بماله، لكن من يقول إنَّ العبد يملك لا يَرِدُ عليه.

هذا وقد نُقل عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما أنَّ المراد بالخير المال مع أنَّه يقول إنَّ العبد لا يملك فنسب إلى التناقض. والذي يظهر أنَّه لا يصح عنه أحد الأمرين، واحتجَّ غيره بأنَّ العبد مال سيِّده، والمال الذي معه لسيِّده فكيف يكاتبه بماله.

وقال آخرون لا يصحُّ تفسير الخير بالمال في الآية؛ لأنَّه يقال فلان لا مال له، أو لا مال عنده، ولا يُقال فيه مال، وإنَّما يقال فيه وفاء، وفيه أمانة، وحسنُ معاملة ونحو ذلك.

وفي الحديث أيضًا جواز كتابة مَنْ لا حرفة له وفاقًا للجمهور. واختلف عن مالك وأحمد وذلك أنَّ بريرة جاءت تستعين على كتابتها، ولم تكن قضت منها شيئًا، فلو كان لها مالٌ أو حرفة لما احتاجت إلى الاستعانة؛ لأنَّ كتابتها لم تكن حالَّة.

وقد وقع عند الطَّبري من طريق أبي الزُّبير عن عروة أنَّ عائشة رضي الله عنه ابتاعت بريرة مكاتبة، وهي لم تقضِ من كتابتها شيئًا. وفيه جواز أخذ الكتابة من مسألة النَّاس والردِّ على من كره ذلك. وزعم أنَّه أوساخ النَّاس. وفيه مشروعيَّة معونة المكاتب بالصَّدقة، وعند المالكيَّة رواية أنَّه لا يجزئ عن الفرض، وفيه جواز الكتابة بقليل المال وكثيره. وجواز التَّأقيت في الديون في كلِّ شهر مثلًا كذا من غير بيان أوَّله أو وسطه، ولا يكون ذلك مجهولًا؛ لأنه يتبيَّن بانقضاء الشَّهر الحلول، كذا قال ابن عبد البرِّ. وفيه نظر لاحتمال أن يكون قول بريرة في كلِّ عام أوقية؛ أي في غُرَّته مثلًا، وعلى تقدير التَّسليم فيمكن التَّفرقة بين الكتابة والدُّيون، فإن المكاتب لو عجز حلَّ لسيِّده ما أخذ منه بخلاف الأجنبي. وقال

ج 11 ص 623

ابن بطَّال لا فرق بين الديون وغيرها، وقصَّة بريرة محمولة على أنَّ الرَّاوي قصَّر في بيان تعيين الوقت، وإلَّا يصير الأجل مجهولًا، وقد نهى النَّبي صلى الله عليه وسلم عن السلف إلَّا إلى أجل معلوم.

وفيه أنَّ العدَّ في الدَّراهم الصِّحاح المعلومة الوزن يكفي عن الوزن، وأنَّ المعاملة في ذلك الوقت كانت بالأواقي، والأوقية أربعون درهمًا، كما تقدَّم في «الزَّكاة» [خ¦1447] .

وزعم المحبُّ الطَّبري أنَّ أهل المدينة كانوا يتعاملون بالعدِّ إلى مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، ثمَّ أمروا بالوزن وفيه نظر؛ لأنَّ قصَّة بريرة متأخِّرة عن مقدمه صلى الله عليه وسلم بنحوٍ من ثمان سنين، لكن يحتملُ قول عائشة رضي الله عنها أعدَّها لهم عدَّة واحدة دفعها لهم، وليس مرادها حقيقة العدِّ.

ويؤيِّد قولها في طريق عَمْرة في الباب الذي يليه «أن أصبَّ لهم ثمنك صبَّة واحدة» [خ¦2564] . وفيه جواز البيع على شرط العتق بخلاف البيع على شرط أن لا يبيعه لغيره ولا يهبه مثلًا. وعن الحنفيَّة أنه يبطل في الأوَّل أيضًا، وأنَّ من الشُّروط في البيع ما يبطل ولا يضرُّ البيع.

وفيه جواز بيع المكاتب إذا رضي وإن لم يكن عاجزًا عن أداء نجم قد حلَّ عليه؛ لأنَّ بريرة لم تقل إنَّها عجزت، ولا استفصلها النَّبي صلى الله عليه وسلم. وسيأتي الكلام في ذلك في الباب الذي يليه إن شاء تعالى [خ¦2564] .

وفيه جواز مناجاة المرأة دون زوجها سرًّا إذا كان المناجي ممَّن يؤتمن. وأنَّ الرَّجل إذا رأى شاهد الحال يقتضي السُّؤال عن ذلك سأل وأعان، وأنَّه لا بأس للحاكم أن يحكم لزوجته ويشهد، وفي الشَّهادة خلاف.

وفيه قبول خبر المرأة ولو كانت أَمَةً، ويُؤخذ منه خبر العبد بطريق الأولى. وفيه أنَّ عقد الكتابة قبل الأداء لا يستلزم العتق، وأنَّ بيع الأَمة ذات الزَّوج ليس بطلاق. وفيه بداءة الخطبة بالحمد والثَّناء وقول «أمَّا بعد» فيها والقيام فيها. وجواز تعدُّد الشُّروط؛ لقوله «مائة شرط» ، وأن الإيتاء الذي أمر به السيِّد ساقط عنه إذا باع مكاتِبَه للعتق.

وفيه أن لا كراهة في السَّمع في الكلام إذا لم يكن عن قصد ولا متكلِّفًا. وفيه أنَّ للمكاتب

ج 11 ص 624

حالةٌ فارقَ فيها الأحرار والعبيد، وفيه أنَّه صلى الله عليه وسلم كان يظهر الأمور المهمَّة من الدِّين، ويُعلنها ويخطب بها على المنبر لإشاعتها، ويراعي مع ذلك قلوب أصحابه؛ لأنَّه لم يُعيِّن أصحاب بريرة، بل قال ما بال رجال، ويُؤخذ من ذلك تقرير شرع عام لهم ولغيرهم في الصُّورة المذكورة وغيرها. وهذا بخلاف قصَّة عليٍّ رضي الله عنه في خطبة بنت أبي جهل، فإنَّها كانت خاصَّة بفاطمة رضي الله عنها فلذلك عيَّنها. وفيه حكاية الوقائع لتعريف الأحكام، وأنَّ اكتساب المكاتَب له لا لسيِّده، وجواز تصرُّف المرأة الرَّشيدة في مالها بغير إذن زوجها، ومراسلتها الأجانب في أمر البيع والشِّراء كذلك.

وجواز شراء السِّلعة للرَّاغب في شرائها بأكثر من ثمن مثلها؛ لأنَّ عائشة رضي الله عنها بذلت ما قرر نسيئة على جهة النَّقد مع اختلاف القيمة بين النقد والنَّسيئة.

وفيه جواز استدانة من لا مالَ له عند حاجته إليه.

قال ابن بطَّال أكثر النَّاس في تخريجِ الوجوه في حديث بريرة رضي الله عنها حتَّى بلَّغوها نحو مائة وجه، وسيأتي الكثير منها في «كتاب النِّكاح» [خ¦5280] إن شاء الله تعالى.

وقال النَّووي صنَّف فيه ابن خُزيمة وابن جرير تصنيفين كبيرين أكثرا فيهما من استنباط الفوائد.

وقال الحافظ العسقلاني ولم أقف على تصنيف ابن خُزيمة، ووقفتُ على كلام ابن جرير من كتابه «تهذيب الآثار» . وقد بلَّغ بعض المتأخِّرين الفوائد من حديث بريرة رضي الله عنها إلى أربعمائة، أكثرها مستبعد متكلَّف كما وقع نظير ذلك للذي صنَّف في الكلام على حديث المُجامِع في رمضان، فبلغ ألف فائدة، هذا ومطابقته للتَّرجمة تُؤخذ من قولها «فأعينيني» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت