203 - (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ) ابنُ فروخ بالفاء المفتوحة وضم الراء المشددة وفي آخره خاء معجمة، أبو الحسين (الْحَرَّانِيُّ) بفتح الحاء المهملة وتشديد الراء، وبعد الألف نون، نسبة إلى حران، مدينة بين دجلة والفرات، كانت تعدل ديار مصر واليوم خراب، وقيل هي مولد إبراهيم الخليل عليه السلام ويوسف وإخوته عليهم السلام.
وقال ابن الكلبي لمَّا خرج نوح عليه السلام من السفينة بناها، وقيل إنما بناها هاران خال يعقوب عليه السلام فأبدَلَت العرب الهاء حاء فقالوا حران، وقال الكِرماني موضع بالجزيرة بين العراق والشام، مات بمصر سنة تسع وعشرين ومائتين.
(قَالَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعد المصري الإمام (عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ) الأنصاري، وقد تقدما في كتاب الوحي [خ¦1] [خ¦3] (عَنْ سَعْدِ) بسكون العين (بْنِ إِبْرَاهِيمَ) بن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه (عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ) بن مُطعِم (عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ، عَنْ أَبِيهِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ) رضي الله عنه وقد تقدموا في باب «الرجل يوضئ صاحبه» ، ورجال هذا الإسناد ما بين حراني ومصري ومدني، وفيه أربعة من التابعين على الولاء وهم يحيى وسعد ونافع وعروة، وقد أخرج متنه المؤلِّف في مواضع في «الطهارة» [خ¦182] ، وفي «المغازي» [خ¦4421] ، وفي «اللباس» [خ¦5798] ، وأخرجه مسلم في «الطهارة» وفي «الصلاة» ، وأخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه في «الطهارة» .
(عَنْ رَسُولِ اللَّهِ
ج 2 ص 232
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ خَرَجَ لِحَاجَتِهِ) في غزوة تبوك عند صلاة الفجر كما في (( الموطأ ) )و (( مسند أحمد ) )و (( سنن أبي داود ) )من طريق عُبّاد بن زياد، عن عروة بن المغيرة، وفي الباب الذي بعد هذا أنه كان في غزوة تبوك على تردد في ذلك من بعض رواته (فَاتَّبَعَهُ الْمُغِيرَةُ) من الاتِّباع من باب الافتعال، ويروى بالتخفيف من باب الأفعال، وفي رواية للبخاري من طريق مسروق عن المغيرة في الجهاد وغيره [خ¦363] في الصلاة (( أن النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي أمره أن يتبعه بالإِداوة _ وزاد _ فانطلق حتى توارى عني فقضى حاجته ثمَّ أقبل فتوضأ ) ).
وعند أحمد من طريقٍ أخرى عن المغيرة أن الماء الذي توضأ به أخذه المغيرة من أعرابية صبَّته له من قِرْبة كانت جلد مَيْتة، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال (( سلها إن كانت دبغتها فهو طهورها ) )وأنها قالت إي والله لقد دبغتها.
(بِإِدَاوَةٍ) بكسر الهمزة؛ أي بمطهرة (فِيهَا مَاءٌ، فَصَبَّ) المغيرة (عَلَيْهِ حِينَ فَرَغَ مِنْ حَاجَتِهِ، فَتَوَضَّأَ) وزاد عليه البخاري في الجهاد (( وعليه جُبَّة شامية ) ) [خ¦2918] ، وفي رواية أبي داود (( من صوف من جباب الروم ) )، وللبخاري في روايته التي مضت في باب الرجل الذي يوضئ صاحبه (( فغسل وجهه ويديه ) ) [خ¦182] ، وفي رواية له في الجهاد (( أنه مضمض واستنشق وغسل وجهه ) ) [خ¦2918] .
وزاد أحمد في (( مسنده ) ) (( ثلاث مرات ) )فذهب يخرج يديه من كميه فكانا ضيقين فأخرجهما من تحت الجبة، ولمسلم من وجه آخر (( وألقى الجبة على منكبيه ) )، ولأحمد (( فغسل يده اليمنى ثلاث مرات، ويده اليسرى ثلاث مرات ) )، وللبخاري في رواية أخرى (( ومسح برأسه ) ) [خ¦5798] .
فعُلم من هذه الروايات أنه ليس المراد أنه غسل رِجليه ومَسَحَ على خفيه بناء على أن التوضؤ لا يُطلق إلا على غسل تمام الأعضاء، فإن الفاء في قوله (( فغسل وجهه ) )تفصيلية ومدخولها يبين أنه توضأ بالكيفية المذكورة فلا حاجة إلى ما قاله الكرماني من أن المراد من التوضؤ هاهنا غسل غير الرجلين بقرينة عطف مسح الخفين عليه، وللإجماع على عدم وجوب الجمع بين الغسل والمسح.
(وَمَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ) ففيه من الفوائد مشروعية المسح على الخفين، وفيه جواز الاستعانة كما مر، وفيه جواز الانتفاع بجلود الميتة إذا كانت مدبوغة، وفيه جواز الانتفاع بثياب الكفار حتى
ج 2 ص 233
تتحقق نجاستها؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لبس الجبة الرُّومية، واستدل به القرطبي على أن الصوف لا يَنْجس بالموت؛ لأن الجبة كانت شامية، وكانت الشام إذ ذاك دار كفر، ومأكول أهلها الميتة، كذا قال.
وفيه الردُّ على من زعم أن المسح على الخفين منسوخ بآية الوضوء التي في المائدة؛ لأنها نزلت في غزوة المُرَيْسيع، وكانت هذه القصة في غزوة تبوك، وهي بعدها بالاتفاق، وفيه التَّشمير في السفر، ولبس الثياب الضيقة فيه لكونها أعون على ذلك، وفيه قَبُول خبر الواحد في الأحكام. ولو كانت امرأة سواء كان ذلك فيما تعم به البلوى أو لا؛ لأنه صلى الله عليه وسلم قَبِلَ خبر الأعرابية، وفيه استحباب التواري عن أعين الناس عند قضاء الحاجة والإبعاد عنهم.
وفيه جواز خدمة السادات بغير إذنهم، وفيه استحباب الدوام على الطهارة؛ لأنه صلى الله عليه وسلم أمر المغيرة أن يتبعه بالماء لأجل الوضوء، وفيه أن الاقتصار على غَسْلِ معظم المفروض غسله لا يجزئ لإخراجه صلى الله عليه وسلم يديه من تحت الجبة.
وقد استدل به القرطبي على الاقتصار على فروض الوضوء دون سننه لا سيَّما في مَظِنَّة حال قلة الماء كالسفر، قال ويحتمل أن النبي صلى الله عليه وسلم فعلها ولم يذكرها المغيرة [1] ، قال والظاهر خلافه، وتعقَّبه الحافظ العسقلاني بأن الروايات تدل على أنه صلى الله عليه وسلم فعلها وذكرها المغيرة، ففي رواية أحمد من طريق عبّاد بن زياد (( أنه غسل كفيه ) )، وله من وجه آخر قوي (( فغسلهما فأحسن غسلهما ) )قال وأشك أقال دلكهما بتراب أم لا، وقد تقدَّم أن البخاري رحمه الله روى في الجهاد [خ¦2918] (( أنه مضمض واستنشق ) )إلى غير ذلك.
[1] من قوله (( قال ويحتمل ... إلى قوله المغيرة ) )ليس في (خ) .