فهرس الكتاب

الصفحة 8577 من 11127

5765 - (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المسنَدي (قَالَ سَمِعْتُ ابْنَ عُيَيْنَةَ) سفيان (يَقُولُ أَوَّلُ مَنْ حَدَّثَنَا بِهِ ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز (يَقُولُ حَدَّثَنِي) بالإفراد (آلُ عُرْوَةَ، عَنْ عُرْوَةَ) أي ابن الزُّبير (فَسَأَلْتُ) وفي نسخة بدون الفاء (هِشَامًا عَنْهُ) أي عن الحديث (فَحَدَّثَنَا، عَنْ أَبِيهِ) عروة (عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا) أنَّها (قَالَتْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُحِرَ) على البناء للمفعول (حَتَّى كَانَ يرَى) بضم الياء في رواية أبي ذرٍّ؛ أي يظن، وفي رواية غيره بفتح الياء.

(أَنَّهُ يَأْتِي النِّسَاءَ وَلاَ يَأْتِيهِنَّ) أي يطأ زوجاته ولم يكن وطئهنَّ، وفي رواية الحميدي (( أنَّه كان يأتي أهله ولا يأتيهم ) )وفي رواية أبي ضمرة عند الإسماعيلي (( أنَّه صلى الله عليه وسلم أقام أربعين ليلة ) ). وفي رواية وهيب عن هشام عند أحمد (( ستَّة أشهر ) )، وجمع بأنَّ السِّتَّة أشهر من ابتداء تغير مزاجه والأربعين يومًا من استحكامهِ، لكن في «جامع مَعمر» عن الزُّهري أنَّه لبث سنة، وإسنادهُ صحيحٌ قال ابنُ حجر فهو المعتمد.

(قَالَ سُفْيَانُ) هو ابنُ عُيينة، موصولٌ بالسَّند السَّابق (وَهَذَا) النَّوع المذكور هنا (أَشَدُّ مَا يَكُونُ مِنَ السِّحْرِ، إِذَا كَانَ كَذَا) قال الحافظُ العسقلاني ولم أقف على كلام سُفيان هذا في «مسند الحميدي» ولا ابن أبي عمر ولا غيرهما (فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم (يَا عَائِشَةُ، أَعَلِمْتِ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَفْتَانِي فِيمَا اسْتَفْتَيْتُهُ فِيهِ) وفي رواية عَمرة عن عائشة رضي الله عنها عند البيهقي (( إنَّ الله أنبأني بمرضِي ) )أي أخبرني، (أَتَانِي رَجُلاَنِ) هما جبريلُ وميكائيل (فَقَعَدَ أَحَدُهُمَا عِنْدَ رَأْسِي) هو جبريل (وَالآخَرُ عِنْدَ رِجْلَيَّ) بتشديد التحتية،

ج 24 ص 541

وهو ميكائيل (فَقَالَ الَّذِي عِنْدَ رَأْسِي لِلآخَرِ) وفي رواية الحُميدي فقال (( الذي عند رجلي للَّذي عند رأسي ) ). قال الحافظُ العسقلاني وكأنَّها أصوب.

(مَا بَالُ الرَّجُلِ؟ قَالَ مَطْبُوبٌ) أي مسحورٌ (قَالَ وَمَنْ طَبَّهُ؟ قَالَ لَبِيدُ بْنُ أَعْصَمَ) بهمزة مفتوحة فعين ساكنة (رَجُلٌ مِنْ بَنِي زُرَيْقٍ حَلِيفٌ لِيَهُودَ كَانَ مُنَافِقًا) وفي مسلم، أنَّه كان كافرًا، وجمع بينهما بأنَّ من أطلق أنَّه يهوديٌّ نظر إلى ما في نفس الأمر، ومن أطلق عليه منافقًا نظر إلى ظاهر أمره، وحكى القاضي عِياض في الشِّفاء أنَّه كان أسلم، وقد مرَّ أيضًا [خ¦5763] .

(قَالَ وَفِيمَ) سحره (قَالَ فِي مُشْطٍ وَمُشَاقَةٍ) بالقاف (قَالَ وَأَيْنَ؟ قَالَ فِي جُفِّ طَلْعَةٍ) بإضافة «جف» إلى «طلعة» وتنوينه (ذَكَرٍ) بالتَّنوين صفة للجفِّ، وهو وعاء الطَّلع (تَحْتَ رَعُوفَةٍ) وفي رواية الكُشميهني بزيادة الألف بعد الرَّاء وهو كذلك في رواية الأكثر، وعكس ابن التِّين. وزعم أنَّ للأَصيلي فقط، وهو المشهور في اللُّغة، وفي لغة أخرى أرعوفة.

ووقع كذلك في مرسل عمر بن الحكم. ووقع في رواية مَعمر عن هشام بن عروة عند أحمد (( تحت رعوثة ) )بالمثلثة بدل الفاء، وهي لغة أخرى. والرَّاعوفة حجرٌ يوضعُ على رأس البئرِ لا يستطاعُ قلعه يقومُ عليه المستقى، وقد يكون في أسفل البئر إذا حُفِرت.

وقال أبو عبيد هي صخرةٌ تترك في أسفلِ البئر إذا حفرت يجلس عليها الَّذي يُنظِّفُ البئر. وقيل وهو حجرٌ يُؤخذ صلبًا لا يستطاع نزعُه، ولا يمكن حفرُه فيترك على حالهِ، واختلف في اشتقاقِهَا فقيل لتقدُّمها وبروزها، يقال جاء فلان يرعفُ الخيل؛ أي يتقدَّمها.

وذكر الأزهري في «تهذيبه» عن شِمْر قال راعوفة البئر النَّظافة، قال وهي مثل عين على قدر حجر العقرب في أعلى الرُّكية فيجاوزونها في الحفر خمس قيم وأكثر فربَّما وجدوا ماء كثيرًا.

قال شمرُ فمن ذهبَ بالرَّاعوفة إلى النَّظافة، فكأنَّه أخذه من رُعاف الأنف، وهو

ج 24 ص 542

سيلانُ دمهِ وقطراتهِ، ومن ذهب بالرَّاعوفة إلى الحجر الذي يتقدَّم طيَّ البئر فهو من رعف الرَّجل أو الفرس إذا سبق وتقدَّم وكذلك استرعفَ. قال الحافظُ العسقلاني وتنزيل الرَّاعوفة على الأخير واضحٌ بخلاف الأوَّل.

(فِي بِئْرِ ذَرْوَانَ، قَالَتْ) عائشة رضي الله عنها (فَأَتَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْبِئْرَ حَتَّى اسْتَخْرَجَهُ) وسقط في رواية أبي ذرٍّ قوله (( النَّبي صلى الله عليه وسلم ) )، وفي رواية ابن نُمير (( أفلا أخرجتْه؟ قال لا ) )وكذا في رواية أبي أُسامة التي بعد هذا الباب [خ¦5766] ، وفي باب «السِّحر» من طريق عيسى بن يونس (( قلت يا رسول الله، أفلا استخرجتَه ) ) [خ¦5763] . وفي رواية وهيب (( فقلتُ يا رسول الله، فأخرجه للنَّاس ) ).

قال ابن بطَّال ذكر المهلَّب أنَّ الرواة اختلفوا على هشام في إخراج السِّحر المذكور فأثبتَه سفيان وجعل [سؤال] عائشة رضي الله عنها عن النُّشرة، ونفاهُ عيسى بن يونس وجعلَ سؤالها عن الاستخراج، ولم يذكر الجواب. وصرَّح به أبو أُسامة.

قال والنَّظر يقتضِي ترجيحَ رواية سفيان لتقدُّمه في الضَّبط والإتقان، ويؤيِّده أنَّ النُّشرة لم تقعْ في رواية أبي أُسامة، والزِّيادة من سفيان مقبولةٌ؛ لأنَّه أثبتهم ولا سيَّما أنَّه كرَّر استخراج السِّحر في روايته مرَّتين فبَعُد عن الوهم وزاد ذكر النُّشرة، وجعلَ جوابه صلى الله عليه وسلم عنها «بلا» بدلًا عن الاستخراج، قال ويحتملُ وجهًا آخر فذكر ما محصِّله أنَّ الاستخراج المنفي في رواية أبي أُسامة غير الاستخراج المثبت في رواية سفيان، فالمثبتُ هو استخراج الجفِّ والمنفي استخراجُ ما حواه. قال وكان السِّرُّ في ذلك أن لا يراه النَّاس فيتعلَّمه من أراد استعمال السِّحر، ووقع في رواية عَمرة (( فاستخرج جفَّ طلعةٍ من تحتِ راعوفة ) ). وفي حديث زيد بن أرقم (( فأخرجوه فرموا به ) )، وفي مرسل عمر بن الحكم أنَّ الذي استخرجَ السِّحر قيسُ بن محصن. وكلُّ هذا لا يخالفُ الحمل المذكور.

لكن في آخر رواية عَمرة. وفي حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما، أنَّهم وجدوا وترًا فيه

ج 24 ص 543

عقدٍ، وأنَّها انحلَّت عند قراءة المعوَّذتين، فقد رُوي أنَّه وجد في الطَّلعة تمثالًا من شمعٍ تمثالَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، وإذا فيه إبرٌ مغروزةٌ، وإذا وترٌ فيه أحد عشر عقدة، فنزل جبريلُ عليه السَّلام بالمعوَّذتين، وكلَّما قرأه انحلَّت عقدةٌ، وكلَّما نزع إبرةً وجدَ لها ألمًا، ثمَّ وجدَ بعدها راحةً، ففيه إشعارٌ باستكشاف ما كان داخلَ الجفِّ، فلو كان ثابتًا لقدحِ في الجمع المذكور، لكن لا يخلو إسناد كلٍّ من ضعفٍ.

(فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها (هَذِهِ الْبِئْرُ الَّتِي أُرِيتُهَا) بضم الهمزة على البناء للمفعول، وفي رواية الكُشميهني براء فهمزة مفتوحتين (وَكَأَنَّ مَاءَهَا نُقَاعَةُ الْحِنَّاءِ) في حمرة لونه، وعند ابنِ سعد وصحَّحه الحاكم من حديث زيد بن أرقم (( فوجدوا الماء أخضر ) ) (وَكَأَنَّ نَخْلَهَا) أي نخل البستان الَّذي هي فيه (رُؤُوسُ الشَّيَاطِينِ) وفي رواية عَمرة عن عائشة رضي الله عنها (( فإذا نخلها الَّذي يشربُ من مائها كأنَّه رؤوس الشَّياطين ) )؛ أي في قبح منظرها أو الحيَّات إذ العرب تسمِّي بعض الحيَّات شيطانًا، وهو ثعبانٌ قبيحُ المنظر.

(قَالَ) صلى الله عليه وسلم (فَاسْتُخْرِجَ) بضم التاء على البناء للمفعول؛ أي من البئر (قَالَتْ) عائشة رضي الله عنها (فَقُلْتُ) له صلى الله عليه وسلم (أَفَلاَ؛ أَيْ تَنَشَّرْتَ) وفي رواية الحميدي (( فقلتُ يا رسول الله، فهلَّا؟، قال سفيان أي تنشرت ) )فقوله أي تنشرت تفسير لقوله (( أفلا ) )فكان سفيان عيَّن الذي أرادت بقولها أفلا، فلم يستحضر اللَّفظ فذكره بالمعنى.

وظاهر هذا اللَّفظ أنَّه من النُّشرة، وكذا وقع في رواية مَعمر عن هشام عند أحمد فقالت عائشة رضي الله عنها لو أنَّك؛ تعني تَنَشَّر، وهو مقتضى صنيع المصنِّف حيثُ ذكر النُّشرة في التَّرجمة، ويحتمل أن يكون من النَّشر بمعنى الإخراج، فيوافقُ رواية من رواه بلفظ (( فهلَّا أخرجته ) )ويكون لفظ هذه الرِّواية هلا استخرجتَه، وحذف المفعول للعلم به، ويكون المراد بالمخرَج ما حواهُ الجف لا الجف نفسه، فتأمَّل.

وقال الكرمانيُّ قوله (( أفلا تنشَّرت ) )ويروى بزيادة كلمة التَّفسير، ويروى (( أفلا آتي بنشرة ) )بلفظ مجهول ماضي الإتيان، ثمَّ قال ولفظ «النُّشْرة» _ بضم النون وسكون الشين المعجمة _، وهي الرُّقية التي بها يحلُّ عقدة الرَّجل عن مباشرة الأهل، وهذا يدلُّ على جواز النُّشرة وأنَّها كانت مشهورة عندهم، ومعناها اللُّغوي ظاهر فيها، وهو نشرُ ما طوى السَّاحر وتفريقُ ما جمعه.

فإن قلت روى

ج 24 ص 544

عبد الرَّزاق عن عقيل بن مَعْقل عن همَّام بن منبِّه قال سُئل جابر بن عبد الله رضي الله عنهما عن النُّشرة، فقال من عمل الشَّيطان.

قال العيني تَرْكُ النَّبي صلى الله عليه وسلم الإنكار على عائشة لما ذكرتِ له النُّشرة دليلُ الجواز، وما رواه عن جابر فمحمولٌ على نشرةٍ بألفاظ لا يَعْلَمُ معانيها.

تنبيه وقع في رواية أبي أسامة مخالفةٌ في لفظة أخرى، فرواية البُخاري عن عبيد بن إسماعيل عنه «أفلا أخرجته» ، [خ¦5766] وهكذا أخرجَه أحمدُ عن أبي أُسامة، ووقع عند مسلم عن أبي كُريب عن أبي أُسامة (( أفلا أحرقته ) )بحاء مهملة وقاف.

وقال النَّووي كلا الرِّوايتين صحيحة كأنَّها طلبت أن يخرجَه ثمَّ يحرقه إلَّا أنَّه لم يقعا معًا في رواية واحدة، وإنَّما وقعت اللَّفظة مكان اللَّفظة، وانفرد أبو كُريب بالرِّواية التي بالمهملة والقاف فالجاري على القواعد أنَّ روايته شاذَّةٌ.

وأغرب القرطبيُّ فجعل الضَّمير في «أحرقته» للبيد بن أعصم، قال واستفهمته عائشة عن ذلك عقوبة له على ما صنعَ من السِّحر فأجابها بالامتناعِ، ونبَّه على سببه، وهو خوفُ وقوع شرٍّ بينهم وبين اليهود لأجل العهدِ فلو قتله لثارت فتنة، كذا قال.

وقال الحافظُ العسقلاني ولا أدري ما وجه تعين قتله بالإحراق أن لو سُلِّم أنَّ الرِّواية ثابتة وأن الضَّمير له.

قال ابن القيِّم من أنفع الأدوية وأقوى ما يوجد من النُّشرة مقاومة السِّحر الَّذي هو من تأثير الأرواح الخبيثة بالأدوية الإلهيَّة من الذِّكر والدُّعاء والقراءة، فالقلب إذا كان ممتلئًا من الله مغمورًا بذكره وله ورد من الذِّكر والتَّوجُّه لا يخلُّ به كان ذلك من أعظم الأسباب المانعة من إصابة السِّحر له. قال وسلطان تأثير السِّحر هو في القلوب الضَّعيفة، ولهذا غالب ما يؤثِّر في النِّساء والصِّبيان والجهال؛ لأنَّ الأرواح الخبيثة إنَّما تتسلَّط على أرواح تلقاها مستعدَّة لما يناسبها، انتهى ملخصًا.

ويعكِّر عليه حديث الباب،

ج 24 ص 545

وجواز السِّحر على النَّبي صلى الله عليه وسلم مع عظم مقامه وصدقِ توجُّهه وملازمة وِرْدِه، ولكن يمكن الانفصال عن ذلك بأنَّ الَّذي ذكره محمولٌ على الغالب، وإنَّما وقع به صلى الله عليه وسلم لبيان تجويز ذلك، والله تعالى أعلم.

(فَقَالَ أَمَّا اللَّهُ) كذا في رواية أبي الوقت وأبي ذرٍّ وابن عساكر بتشديد الميم وحذف الواو ورفع الجلالة، ويروى بتخفيف الميم وبواو القسم (فَقَدْ شَفَانِي، وَأَكْرَهُ أَنْ أُثِيرَ عَلَى أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ شَرًّا) .

ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله (( حتَّى استخرجه ) )، وفي قوله (( فاستخرج ) )وقد مضى في باب «السِّحر» عن قريب [خ¦5763] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت