فهرس الكتاب

الصفحة 9336 من 11127

6270 - (حَدَّثَنَا خَلاَّدُ بْنُ يَحْيَى) أي ابن صفوان السُّلمي الكوفي، نزيل مكَّة ومات بها قريبًا من سنة ثلاث عشرة ومائتين، وهو من أفراده، قال (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) هو الثَّوري (عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ) بضم العين، هو العمري (عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ) رضي الله عنهما (عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ نَهَى) نهي تحريمٍ، أو نهي تنزيهٍ (أَنْ يُقَامَ الرَّجُلُ مِنْ مَجْلِسِهِ) إذا كان في موضعٍ مباحٍ (وَيَجْلِسَ فِيهِ آخَرُ) أي وأن يجلس فيه شخصٌ آخر (وَلَكِنْ تَفَسَّحُوا وَتَوَسَّعُوا) هو عطفٌ تفسيريٌّ. وقيل معنى الأوَّل أن يتوسَّعوا فيما بينهم، ومعنى الثَّاني أن ينضمَّ بعضهم إلى بعضٍ حتَّى يَفْضُل بين الجميع مجلس للداخل، ووقع في رواية قَبيصة عن سفيان عند مردويه، ولكن ليقل افسحوا وتوسَّعوا.

وقد أخرجه الإسماعيلي من رواية قبيصة، وليس عنده (( ليقل ) )، وهذه الزِّيادة إشارةٌ إلى أنَّ عُبيد الله تفرَّد بها عن نافعٍ، وأنَّ مالكًا واللَّيث وأيوب وابن جُريج رووه عن نافع بدونها، وبهذه الزِّيادة يستقيم الاستدراك من الخبر، كما نبَّه عليه الكرماني [1] .

واختلف في تأويل نهيه عن أن يقام الرَّجل من مجلسه ويجلس فيه آخر؛ فتأوَّله قومٌ على النَّدب، وقالوا هو من باب الأدب؛ لأنَّ المكان غير متملَّكٍ له وتأوَّله قومٌ على الوجوب، واحتجُّوا بحديث معمر عن سُهيل بن أبي صالح عن أبي هريرة عن النَّبي صلى الله عليه وسلم، أنَّه قال (( إذا قامَ أحدكُم من مجلسه، ثمَّ رجع إليه فهو أحقُّ به ) ).

وقال محمَّد بن مسلم معنى قوله (( فهو أحقُّ به ) )إذا جلس في مجلس العلم فهو أولى به إذا قام لحاجةٍ، فأمَّا إذا قام تاركًا فهو ليس أولى به من غيره، وقيل إذا قام ليرجع كان أحقَّ، وقيل إن رجع عن قربٍ كان أحقَّ.

وقال النَّووي استثنى أصحابنا من عموم قوله (( لا يقيمنَّ ... ) )إلى آخره مَن ألِف من المسجد موضعًا يفتي فيه، أو يقرئ فيه قرآنًا أو علمًا، فله أن يقيم من سبقه إلى القعود فيه.

ج 26 ص 347

وفي معناه من سبق إلى موضعٍ من الشَّوارع ومقاعد الأسواق لمعاملةٍ حتَّى يتمَّ غرضه، وحكاه الماورديُّ عن مالكٍ قطعًا للتَّنازع. وقال القرطبي الَّذي عليه الجمهور أنَّه ليس بواجبٍ.

وقال أيضًا قال أصحابنا هذا في حقِّ من جلس في موضعٍ من المسجد أو غيره لصلاة مثلًا، ثمَّ فارقه ليعود إليه كإرادة الوضوء مثلًا، أو لشغلٍ يسيرٍ، ثمَّ يعود لا يبطل اختصاصه به، وله أن يقيمَ من خالفه وقعد فيه، وعلى القاعد أن يطيعَه، واختلف هل يجبُ عليه؟ على وجهين أصحُّهما الوجوب، وقيل يستحبُّ، وهو مذهب مالكٍ. قال أصحابنا وإنَّما يكون أحقَّ به في تلك الصَّلاة دون غيرها.

قال ولا فرق بين أن يقومَ منه ويترك فيه سجادة ونحوها أم لا. وقال القاضي عياض اختلف العلماء فيمن اعتاد بموضعٍ من المسجد للتَّدريس والفتوى، وحكي عن مالك أنَّه أحقُّ به إذا عُرِف به.

قال والَّذي عليه الجمهور أنَّ هذا استحسانٌ وليس بحقٍّ واجبٍ، ولعلَّه مراد مالك.

ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله (( تفسَّحوا ) )وهو من أفراده.

(وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ) رضي الله عنهما، بالسَّند السَّابق (يَكْرَهُ أَنْ يَقُومَ الرَّجُلُ مِنْ مَجْلِسِهِ، ثُمَّ يُجْلِسَ مَكَانَهُ) بضم التَّحتية مصحَّحًا عليها في الفرع كأصله، وكسر اللام مِنْ (( يُجلِس ) ).

وقال الحافظُ العسقلاني في روايتنا بالفتح، وضبطه أبو جعفر الغرناطي بالضم على وزن يُقام.

وأخرجه البُخاري في «الأدب المفرد» عن قبيصة عن سفيان وهو الثَّوري بلفظ وكان ابن عمر رضي الله عنهما إذا قام له رجلٌ من مجلسه لم يجلس فيه. وكذا أخرجه مسلمٌ من رواية سالم بن عبد الله عن أبيه.

وقد ورد ذلك عن ابن عمر رضي الله عنهما مرفوعًا أخرجه أبو داود من طريق أبي الخَصِيب بفتح المعجمة وكسر المهملة آخره موحدة، بوزن عظيم، واسمه زياد بن عبد الرَّحمن عن ابن عمر رضي الله عنهما، جاء رجلٌ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام له رجلٌ عن مجلسه، فذهب ليجلس فنهاه صلى الله عليه وسلم.

وله أيضًا من طريق سعيد بن أبي الحسن جاءنا أبو بكرة فقام له رجلٌ من مجلسه وأبى أن يجلسَ فيه، وقال إنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ذا. وأخرجه الحاكم وصحَّحه من هذا الوجه، لكن لفظه مثل لفظ ابن عمر الَّذي في «الصَّحيح» [خ¦911]

ج 26 ص 348

فكأنَّ أبا بكرة حمل النَّهي على المعنى الأعم.

وقد قال البزَّار إنَّه لا يعرف له طريقٌ إلَّا هذه، وفي سندهِ أبو عبد الله مولى أبي بردة بن أبي موسى، وقيل مولى قريشٍ وهو مصريٌّ لا يعرف.

قال النَّووي وما نسب إلى ابن عمر رضي الله عنهما فهو ورعٌ منه ليس قعوده فيه حرامًا إذا كان ذلك برضى الذي قام، ولكنَّه تورَّع منه لاحتمال أن يكون الَّذي قام لأجله استحيى منه فقام من غير طيب قلبه، فسدَّ الباب ليسلم من هذا، أو رأى أنَّ الإيثار بالقُرَبِ مكروهٌ، أو خلاف الأولى، أو كان يمتنع؛ لئلَّا يرتكب ذلك أحدٌ بسببه.

قال علماءُ أصحابنا وإنَّما يحمل الإيثار بحظوظ النَّفس وأمور الدُّنيا.

[1] في هامش الأصل ووجه كونه استدراكًا من الخبر بتقدير لفظ (( قال ) )بعد (( ولكن ) )، أو يقال نهى أن يقام في معنى لا يقيمن، ويحتمل أن يكون من كلام ابن عمر، ولا يكون من تتمة الحديث. كرماني.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت