2893 - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) قال (حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ) هو ابنُ عبد الرَّحمن بن محمد القاري، بالتشديد، من القارة الإسكندراني، حليف بني زهرة، أصله مدني سكن الإسكندرية (عَنْ عَمْرٍو) هو ابن أبي عمرو مولى المطلب.
(عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لأَبِي طَلْحَةَ) زوج أمِّ أنس، واسمه زيد بن سهلٍ الأنصاري، وقد مرَّ غير مرةٍ (الْتَمِسْ غُلاَمًا مِنْ غِلْمَانِكُمْ يَخْدُمُنِي) بالجزم على أنَّه جواب الأمر، ويجوز الرفع على تقدير هو يخدمني(حَتَّى أَخْرُجَ
ج 13 ص 407
إِلَى خَيْبَرَ، فَخَرَجَ بِي أَبُو طَلْحَةَ مُرْدِفِي)من الإرداف (وَأَنَا غُلاَمٌ) جملة حالية (رَاهَقْتُ الْحُلُمَ) أي قاربت البلوغ (فَكُنْتُ أَخْدُمُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا نَزَلَ، فَكُنْتُ أَسْمَعُهُ كَثِيرًا يَقُولُونَ اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ) .
قال الخطَّابي أكثرُ النَّاس لا يفرِّقون بين الهمِّ والحزن، وهما على اختلافهما في الاسم يتقاربان في المعنى؛ لأنَّ الحزن إنَّما يكون على أمرٍ قد وقع، والهمُّ إنَّما هو فيما يتوقع ولم يكن بعدُ.
وقال القزَّاز الهمُّ هو الغمُّ والحزن، تقول أهمَّني هذا الأمر؛ أي أحزنني، ويحتمل أن يكون من هَمَّهُ المرضُ إذا أذابه وأنحله مأخوذٌ من هَمَّ الشَّحْمِ إذا أذابه، والشَّيءُ مهمومٌ؛ أي مُذاب.
(وَالْعَجْزِ وَالْكَسَلِ، وَالْبُخْلِ وَالْجُبْنِ، وَضَلَعِ الدَّيْنِ) بفتح الضاد المعجمة واللام؛ أي ثقل الدَّين، وأمر مضلع؛ أي مثقل (وَغَلَبَةِ الرِّجَالِ) قال الكِرماني هي عبارةٌ عن الهرَجْ والمَرْج، وقيل غلبة الرِّجال عبارةٌ عن توحُّد الرَّجل في أمره تغلب الرِّجال عليه.
(ثُمَّ قَدِمْنَا خَيْبَرَ، فَلَمَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْحِصْنَ ذُكِرَ لَهُ) على البناء للمفعول (جَمَالُ صَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيِّ) بضم الحاء وفتح المثناة التحتية المخففة وتشديد الياء الأخيرة (ابْنِ أَخْطَبَ) بسكون الخاء المعجمة وفتح الطاء المهملة، وشَذَّ بالمهملتين.
(وَقَدْ قُتِلَ) على البناء للمفعول (زَوْجُهَا، وَكَانَتْ عَرُوسًا) نعت يستوي فيه المذكر والمؤنث ما داما في تعريسهما أيَّامًا، والأحسن أن يقال للرَّجل مَعْرس؛ لأنَّه قد أعرس؛ أي أخذ عرسًا (فَاصْطَفَاهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِنَفْسِهِ، فَخَرَجَ بِهَا حَتَّى إِذَا بَلَغْنَا سَدَّ الصَّهْبَاءِ) سد بالمهملتين والصَّهْباء بفتح المهملة وإسكان الهاء وبالموحدة وبالمد اسمُ موضع.
(حَلَّتْ) بالاستبراء (فَبَنَى بِهَا، ثُمَّ صَنَعَ حَيْسًا) بفتح الحاء المهملة وسكون المثناة التحتية وآخره سين مهملة، هو طعامٌ يتَّخذ من التَّمر والأقط والسَّمن، وقد يجعل عوض
ج 13 ص 408
الأقط الدَّقيق، أو الفتيت (فِي نطَعٍ) بفتح النون وكسرها وسكون الطاء وفتحها أربع لغاتٍ، كساء من أديم (صَغِيرٍ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آذِنْ مَنْ حَوْلَكَ فَكَانَتْ تِلْكَ وَلِيمَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى صَفِيَّةَ. ثُمَّ خَرَجْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ، قَالَ فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحَوَّى) بضم الياء وفتح الحاء وتشديد الواو المفتوحة (لَهَا وَرَاءَهُ بِعَبَاءَةٍ) أي يجعل العباءة لها حويَّة، والحويَّة كساء محشو حول سنام البعير، وفي «العين» الحوية مركبٌ يُهَيَّأ للمرأة.
(ثُمَّ يَجْلِسُ عِنْدَ بَعِيرِهِ، فَيَضَعُ رُكْبَتَهُ، فَتَضَعُ صَفِيَّةُ رِجْلَهَا عَلَى رُكْبَتِهِ حَتَّى تَرْكَبَ، فَسِرْنَا حَتَّى إِذَا أَشْرَفْنَا عَلَى الْمَدِينَةِ نَظَرَ إِلَى أُحُدٍ، فَقَالَ هَذَا جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ ثُمَّ نَظَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ فَقَالَ اللَّهُمَّ إِنِّي أُحَرِّمُ مَا بَيْنَ لاَبَتَيْهَا بِمِثْلِ مَا حَرَّمَ إِبْرَاهِيمُ) عليه السَّلام (مَكَّةَ، اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُمْ فِي مُدِّهِمْ وَصَاعِهِمْ) وقد تقدَّم شرح هذا الكلام في أواخر الحج.
والحديث قد اشتمل على عدَّة أحاديث
الأول التمس لي غلامًا.
الثَّاني حديث الاستعاذة، أخرجه في الدَّعوات أيضًا [خ¦6363] .
الثَّالث حديث صفية، أخرجه في البيوع في باب (( هل يسافر بالجارية قبل أن يستبرئها ) ) [خ¦2235] ، وقد مرَّ الكلام فيه مستوفى، وفي (( المغازي ) )أيضًا [خ¦4084] ، وأخرجه أبو داود ببعضه.
الرَّابع حديث أحد ولابتي المدينة.
وأخرجه في (( أحاديث الأنبياء ) ) [خ¦3367] و (( المغازي ) ) [خ¦4084] و (( الاعتصام ) )أيضًا [خ¦7333] ، وأخرجه مسلم في (( المناسك ) )، والتِّرمذي في (( المناقب ) ).
والغرض من إيراد الحديث هنا صدره إلى قوله (( فكنت أخدم رسول الله صلى الله عليه وسلم ) ).
وقد استشكل ذلك من حيث إنَّ ابتداء خدمة أنسٍ رضي الله عنه من أول ما قدم المدينة؛ لأنَّه صحَّ عنه أنَّه قال خدمت النَّبي صلى الله عليه وسلم تسع سنين، وفي رواية عشر سنين، وخيبر كانت سنة سبع، فيلزم أن يكون إنَّما خدم أربع سنين، قاله الدَّاودي وغيره.
وأُجيب بأنَّ معنى
ج 13 ص 409
قوله لأبي طلحة (( التمس لي غلامًا من غلمانكم ) )تعيين من خرج معه في تلك السَّفرة، فعيَّن له أبو طلحة أنسًا، فينحطُّ الالتماس على الاستئذان في المسافرة به، لا في أصل الخدمة؛ فإنَّها كانت متقدِّمة، فيجمع بين الحديثين بذلك، فيزول الإشكال، والله أعلم بحقيقة الحال.
وفي الحديث جوازُ استخدام اليتيم بغير أجرةٍ؛ لأنَّ ذلك لم يقع، ذكر أنَّ أنسًا رضي الله عنه كان يخدمه بأجرةٍ ولا نفقة، فيجوز على اليتيم أن تسلِّمه أمَّه، أو وصيَّه في المهنة والصِّناعة، وهو لازمٌ له ومنعقد عليه.
وفي «التوضيح» وفيه جواز استخدام اليتامى بشبعهم وكسوتهم، وجواز الاستخدام لهم من غير نفقةٍ ولا كسوة إذا كان في خدمة عالم أو إمامٍ في الدُّنيا؛ لأنَّه لم يذكر في حديث أنسٍ أنَّ له أجر الخدمة، وإن كان قد يجوز أن تكون نفقته من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وفيه جواز حمل الصِّبيان في الغزو، كما بوَّب له.