3532 - (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ) قال (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَعْنٌ) بفتح الميم وسكون العين المهملة وآخره نون، هو ابنُ عيسى القزَّاز، وقد مرَّ في «الوضوء» [خ¦236] (عَنْ مَالِكٍ) الإمام (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهري (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ، عَنْ مُطْعِمٍ، عَنْ أَبِيهِ) كذا وقع موصولًا عند مَعن بن عيسى عن مالكٍ، وقال الأكثر عن مالك عن الزُّهري، عن محمَّد بن جُبير مرسلًا، ووافق معنًا على وصله عن مالك جُويرية بن أسماء عند الإسماعيلي ومحمَّد بن المبارك، وعبد الله بن نافع عند أبي عَوانة.
وأخرجه الدَّارقطني في «الغرائب» عن آخرين عن مالكٍ وقال إنَّ أكثر أصحاب مالكٍ أرسلوه، ورواه مسلم موصولًا من رواية يونس بن يزيد وعُقيل ومَعمر.
ورواه البُخاري أيضًا موصولًا في «التَّفسير» من رواية شعبة [خ¦4896] ، ورواه التِّرمذي أيضًا موصولًا من رواية ابن عبد ربِّه كلُّهم عن الزُّهري، وفي بعض الرِّوايات عن الزُّهري أخبرني محمَّد بن جبير.
ورواه عن جبير بن مطعم أيضًا ولده الآخر نافع، وفي حديثه زيادةٌ، وفي الباب عن أبي موسى الأشعري عند مسلم، وعن حذيفة عند التِّرمذي وابنِ سعد. وعن ابن عبَّاس وأبي الطُّفيل عند ابنِ عدي. ومن مرسل مجاهدٍ عند ابنِ سعد، وسيذكر ما في رواياتهم من زيادة فائدة.
(قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِي خَمْسَةُ أَسْمَاءٍ) وفي رواية نافع بن جبير عند ابن سعد أنَّه دخل على عبد الملك بن مروان فقال له أتحصِي أسماءَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم التي كان جُبير بن مُطعم يعدُّها؟ قال نعم، هي ستٌّ، فذكر الخمسة التي ذكرها محمَّد بن جُبير وزاد الخاتم. لكن روى البيهقيُّ وأنا العاقبُ قال يعني الخاتم.
وفي حديث حذيفة (( أحمدُ ومحمَّد والحاشرُ والمقفَّى ونبيُّ الرَّحمة ) )، وكذا في حديث أبي موسى إلَّا أنَّه لم يذكر الحاشر، وفي روايةٍ (( لي في القرآن سبعة أسماء محمَّد وأحمد ويس وطه والمزمل والمدثر وعبد الله ) ).
وزعم بعضهم أنَّ العدد ليس من قول النَّبي صلى الله عليه وسلم، وإنَّما ذكره الرَّاوي بالمعنى. قال الحافظ العسقلاني فيه نظرٌ لتصريحه في الحديث بقوله (( لي خمسة أسماء ) )
ج 16 ص 4
والذي يظهر أنَّه أرادَ أنَّ لي خمسة أسماءٍ اختصصتُ بها لم يتسمَّ بها أحدٌ قبلِي، أو هي معظمها، أو هي موجودةٌ في الكتب القديمة ومعلومةٌ للأمم السَّالفة لا أنَّه أرادَ الحصر فيها، والحصر الذي أفادَه تقديم الجار والمجرور إضافيٌّ لا حقيقي على أنَّ من قواعد الأصول أنَّ مفهوم العدد لا اعتبارَ له فلا ينفِي الزِّيادة، وكم جاء في حديث ذكر عدد ولم يقصدْ به الحصر كخبر (( سبعة يظلُّهم الله في ظلِّه ) ) [خ¦660] وغيره.
وقال القاضِي عياض حمى الله هذه الأسماء أن سُمِّيَ بها أحدٌ قبله، وإنَّما تسمَّى بعض العرب محمَّدًا قرب ميلاده لما سمعوا من الكهان والأحبار أنَّ نبيًّا سيبعث في ذلك الزَّمان يسمَّى محمدًا فرجوا أن يكونوا هم فسموا أبناءهم بذلك، قال وهم ستةٌ لا سابعَ لهم فذكر محمَّد بن سفيان بن مجاشع، ومحمَّد بن أُحَيحة بن الجُلَاح، ومحمَّد بن حمران بن ربيعة، ومحمَّد بن خزاعي السُّلمي، ومحمَّد بن مسلمة الأنصاري، ومحمَّد بن براء البكري، ثمَّ قال ثمَّ حمى الله تعالى كلَّ من تسمَّى به أن يدعي النُّبوة، أو يدَّعيها له أحدٌ، أو يظهر عليه سبب يُشكك أحدًا في أمره حتَّى تحقَّقت السِّمتان له، ولم ينازعْ صلى الله عليه وسلم فيهما.
وقال السُّهيلي في «الروض الأُنف» لا يُعرف في العرب من تسمَّى محمدًا قبل النَّبي صلى الله عليه وسلم إلَّا ثلاثة وهم الثَّلاثة الذين ذكروا أولًا، وسبق السُّهيلي إلى هذا القول أبو عبد الله بن خَالويه في كتاب «ليس» وهو حصرٌ مردودٌ، فقد تسمَّى بذلك جماعة وأشهرهم محمَّد بن عدي بن ربيعة السَّعدي السَّاعدي، روى حديثه البَغوي وابنُ سعد وابن شاهين وابن السَّكن وغيرهم من طريق العلاءِ بن الفضل، عن أبيه عن جدِّه عبد الملك بن أبي سويَّه، عن أبيه [أبي سوية عن أبيه] خليفة بن عبدة المنقري قال سألت محمَّد بن عدي بن ربيعة كيف سمَّاك أبوك في الجاهلية محمدًا؟ قال سألتُ أبي عمَّا سألتني فقال خرجت رابع أربعةٍ من بني تميم أنا أحدهم، وسفيان بن مجاشع، ويزيد بن عَمرو بن ربيعة، وأسامة بن مالك بن حبيب بن العنبر نريد ابن جفنة بالشَّام فنزلنا على غدير عند دير، فأشرف علينا الدِّيراني فقال لنا إنَّه يبعث منكم وشيكًا نبيٌّ فسارعوا إليه، فقلنا ما اسمه؟ قال محمَّد فلمَّا انصرفنا وُلِدَ لكلٍّ منَّا ولدٌ فسمَّاه محمدًا لذلك.
ويقال إنَّ أوَّل من سمِّي بمحمَّد محمَّد بن سفيان فهولاء أربعةٌ ليس في السِّياق ما يشعر بأنَّ فيهم من له صحبةٌ إلَّا محمد بن عدي.
وذكر عبدان المروزي أنَّ محمَّد بن أُحَيحة بن الجُلَاح أوَّل من تسمَّى في الجاهليَّة محمدًا، وكأنَّه تلقَّى ذلك في قصَّة تُبَّع لمَّا حاصر المدينة وخرج إليه أُحيحة المذكور هو والحبر الذي كان عندهم بيثرب، فأخبره الحبر
ج 16 ص 5
أنَّ هذا بلد نبيٍّ يُبعث يسمَّى محمدًا، فسمَّى ابنه محمدًا.
وذكر البلاذُريُّ منهم محمَّد بن عقبة بن أُحيحة. قال الحافظ العسقلانيُّ فلا أدري أهما واحدٌ نسب مرَّةً إلى جدِّه أم هما اثنان، ومنهم محمَّد بن البراء البكري، ذكره ابنُ حبيبٍ، وضبط البلاذُري أباه فقال محمَّد بن برٍّ _ بتشديد الراء ليس بعدها ألف _ وساق نسبه إلى عتوار بن عامر بن ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة، ولهذا نسبوه أيضًا العتواري.
وغفل ابنُ دحية فعدَّ منهم محمَّد بن عُتْوار وهو نُسِبَ لجدِّه الأعلى، ومنهم محمَّد بن اليَحْمد الأزديُّ، ذكره المُفَجَّعُ البصريُّ في كتابه «المنقذ» ، ومحمَّد بن خولي الهَمْداني ذكرهُ ابن دُرَيد، ومحمَّد بن حِرْماز بن مالكٍ اليعمري، ذكره أبو موسى في «الذيل» ، ومنهم محمَّد بن حُمْران بن أبي حمران الجُعفي المعروف بالشُّوَيْعر، ذكره المرزباني، ومنهم محمَّد بن خزاعي بن علقمة، ذكر الطَّبري أنَّ أبرهة الحبشي توجَّه وأمره أن يغزوَ بني كنانة فقتلوه، فكان ذلك من أسباب قصَّة الفيل، وذكره محمَّد بن أحمد بن سليمان الهروي في كتاب «الدَّلائل» فيمن يسمِّي محمدًا في الجاهلية.
ومنهم محمَّد بن عمرو بن مُغْفِل _ بضم أوله وسكون المعجمة وكسر الفاء ثم لام _ وهو والد هُبَيب _ بموحدتين مصغرًا _، وهو على شرط المذكورين فإنَّ لولده صحبة ومات هو في الجاهلية، فعُرِف بذلك وجه الرَّد على الحصر الذي ذكره السُّهيلي، وكذا الذي ذكره القاضي عياض.
وعجبٌ من السُّهيلي كيف لم يقف على ما ذكره القاضي عياض مع كونه كان قبله، وقد تحرَّر من أسمائهم قدر الذي ذكره القاضي عياض مرَّتين بل أكثر، كذا قرَّره الحافظ العسقلانيُّ.
(أَنَا مُحَمَّدٌ) قد مرَّ [خ¦3532 قبل] أنَّه اسم مفعول من التَّحميد مبالغة، نقل من الوصفية إلى الاسميَّة، سُمِّي به لكثرة خصاله المحمودة، أو لأنَّه حُمِد مرةً بعد مرةٍ، أو لأنَّ الله تعالى حمده حمدًا كثيرًا بالغًا غاية الكمال، وكذا الملائكة والأنبياء والأولياء، أو تفاؤلًا لأن يكثر حمده كما وقع؛ لأنَّه يحمدُه الأوَّلون والآخرون، وهم تحت لواء حمدِهِ،
ج 16 ص 6
فألهم الله أهله أن سمَّوه بهذا الاسم.
رُوي أنَّه سمَّاه به جدُّه عبد المطلب بإلهامٍ من الله تعالى له بذلك رجاء أن يحمدَه أهل السَّماء والأرض، وقد حقَّق الله تعالى رجاءَه، والرُّؤيا رآها وهي أنَّ سلسلةً بيضاء من فضةٍ خرجتْ من ظهره لها طرفٌ بالسَّماء، وطرفٌ بالمشرق، وطرفٌ بالمغرب، ثمَّ عادت كأنَّها شجرةٌ على كلِّ ورقةٍ منها نور، وأهل المشرق والمغرب يتعلَّقون بها، فعبَّرت بمولودٍ يتبعه أهلهما ويحمدُه أهل السَّماء والأرض.
وروى البيهقيُّ في «الدلائل» أنَّ عبد المطَّلب لمَّا ولد المصطفى صلى الله عليه وسلم عمل له مأدبةً فلمَّا أكلوا سألوا ما سمَّيته؟ قال محمدًا، قالوا فلم رغبت فيه عن أسماء أهل بيته؟ قال رجاء أن يحمدَه الله في السَّماء، وأهل بيته في الأرض.
وقال ابن القيم اسم محمَّدٍ علم وصفة اجتمعا في حقِّه صلى الله عليه وسلم وإن كان علمًا محضًا في حقِّ من تسمَّى به غيره، وهذا شأن أسماء الله تعالى، وفي ذلك إيماء إلى أنَّ الأسماء تنزلُ من السَّماء.
(وَأَنَا أَحْمَدُ) أي أحمد الحامدين، أو أحمدُ المحمودين، فهو أفعلُ بمعنى الفاعل كأعلم، أو بمعنى المفعول كأشهر، والمعنى الأوَّل أكثر، وهو في هذا المقام أنسب لئلَّا يتكرَّر.
قال السُّهيلي وتبعه غيره إنَّ معناه أحمد الحامدين لربِّه؛ لأنَّه على ما ثبتَ في «الصحيح» يُفتح عليه يوم القيامة بمحامد لم يُفتح بها على أحدٍ قبلَه فيحمد ربه بها، ولذلك يعقدُ له لواء الحمدِ ويخصُّ بالمقام المحمود، كما اختصَّ بسورة الحمد، ثمَّ لم يكن محمدًا حتَّى كان أحمد، حمد ربَّه فنبأه وشرفه، ولذلك ورد في قول موسى عليه السَّلام اللهمَّ اجعلني من أمَّة محمد. وفي قول عيسى عليه السَّلام {وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ} ؛ لأنَّ حمده لربِّه كان قبل حمد النَّاس له، فلمَّا بعث كان محمدًا بالفعل.
فبأحمد ذكر قبل أن يذكرَ بمحمد، وكذلك في الشَّفاعة يحمد ربه أولًا بتلك المحامد التي لم يفتح بها على أحدٍ قبله فيكون أحمدُ الحامدين لربِّه، ثمَّ يشفع فيشفع فيحمد على شفاعته، فيكون أحمد المحمودين فتقدَّم أحمد ذكرًا ووجودًا، ودنيا وأخرى، انتهى.
وهو أبلغُ من الحمَّاد خلافًا لما فهمه ابن القيم، فإنَّه مبالغ الحامد، فأين
ج 16 ص 7
هو من الأحمد المطلق مع أنَّ صيغة الفعَّال قد تأتي لغير المبالغة، كما لا يخفى، بل من صفة أمَّته الحمَّادون، كما تقدَّم [خ¦3532 قبل] .
وإنَّما ابتدأ بهذين الاسمين الشَّريفين لإنبائهما عن كمال الحمدِ المنبئ عن كمالِ ذاته، والرَّاجع إليه سائر صِفَاته إذ صيغة التَّفعيل تُنبئ عن التَّضعيف والتَّكثير إلى غيرِ نهاية، وصيغة التَّفضيل تُنبئ عن الوصول إلى غايةٍ ليس وراءها غاية أخرى.
ولعلَّه قدَّم اسم محمَّد في الحديث لكونه أشهر من أحمد وأظهر، بل وردَ عند أبي نُعيم أنَّه سمِّي بهذا الاسم قبل الخلق بألفي عامٍ، ووردَ عن كعبٍ أنَّ اسم محمَّد مكتوبٌ على ساقِ العرش، وفي السَّماوات السَّبع، وفي قصور الجنَّة وغُرفها، وعلى نحورِ الحور، وعلى قضبِ آجام الجنَّة، وورقِ طوبى، وسدرةِ المنتهى، وعلى أطرافِ الحُجب وبين أعين الملائكة.
وقيل وجد مكتوبًا على ورقٍ بالهند، وعلى جنبِ سمكة، وأذن أُخْرى [1] .
وأخرج الخطيبُ في «تاريخه» عن عبد الرَّحمن بن هارون قال كنَّا بالبحرين سائرين إلى إفريقية فصاد صبيٌّ سمكةً طول شبر فكان على صفحتها اليمنى مكتوبًا لا إله إلَّا الله، وعلى قَذَالها وجنبة أُذنها اليُسرى محمَّد رسول الله، وكان أبين من نقشٍ على حجر، والسَّمكة بيضاء والكتابة سوداء كأنَّها حبرٌ.
ومن مزايا هذا الاسم الشَّريف موافقته لمحمودٍ من أسمائه تعالى.
قال حسَّان رضي الله عنه
~وَشَقَّ لَهُ مِنَ اسْمِهِ لِيُجِلَّهُ فَذُو الْعَرْشِ مَحْمُودٌ وَهَذَا مُحَمَّدُ
ومن مزاياه أيضًا أنَّه لا يصحُّ إسلام كافرٍ حتَّى يتلفَّظ به، فلا يكفي أحمد رسول الله خلافًا للحلبيِّ، وأنَّه يتعيَّن الإتيان به في التَّشهد والخطبة فلا يكفي فيهما أحمد.
ومنها أنَّه يخرج منه بالبسطِ عدد المرسلين وهو ثلاثمائة وثلاثة عشر، وأنَّ آدمَ عليه السَّلام يكنى به في الجنَّة دون جميعِ بنيه، وأنَّ الشَّياطين سخَّرت لسليمان عليه السَّلام بذكرهِ كما في «كشف الأسرار» . وروى النَّهرواني من طريق عَمرو بن دينار عن جابرٍ رضي الله عنه مرفوعًا (( أنَّ نقشَ خاتم سليمان عليه السَّلام لا إله إلا الله محمَّد رسول الله ) ).
ففي الجملة للاسمين الكريمين مزيةٌ تامة على سائر أسمائهِ صلى الله عليه وسلم
ج 16 ص 8
فينبغي تحرِّي التَّسمية بهما، ففي خبر أبي نُعيم قال الله تعالى (( وعزَّتي وجلالي لا عذَّبت أحدًا تسمَّى باسمك في النَّار ) ). وورد (( إنِّي آليتُ على نفسي لا يدخل النَّار من اسمه أحمد، أو محمد ) ). وروى الدَّيلمي عن عليٍّ رضي الله عنه (( ما من مائدةٍ وضعت فحضر عليها من اسمه أحمد، أو محمَّد إلَّا قدَّس الله ذلك المنزل كلَّ يومٍ مرَّتين ) ). [2]
وفي «مستدرك الحاكم» عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما (( أوحى الله إلى عيسى عليه السَّلام أنْ آمن بمحمَّد ومُرْ من أدركه من أمَّتك أن يؤمنوا به فلولا محمَّد ما خلقتُ الجنَّة والنَّار ) ).
(وَأَنَا الْمَاحِي الَّذِي يَمْحُو اللَّهُ بِي الْكُفْرَ) هذا هو الثَّالث من الخمسة. قال الكرمانيُّ ومحو الكفر إمَّا من بلاد العرب ونحوها ممَّا وُعِدَ له أن يبلغَ ملك أمَّته، وإمَّا بمعنى الغلبة بالحجَّة، وظهور دليله كقوله تعالى {لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ} [الفتح 28] .
قال العسقلاني وفيه نظرٌ لأنَّه وقع في رواية عُقيل ومَعمر (( يمحو الله بي الكفر ) )انتهى، وهو غريبٌ؛ لأنَّه لا فرق بين الرِّوايتين [3] ، والظَّاهر أنَّ هذا عامٌّ يتناول كفر كلِّ واحدٍ في كلِّ أرض.
وإنَّما حمل على العهدِ لا على الاستغراق لعدم تحقُّقه في الوجود، وقيل إنَّه محمولٌ على الأغلبِ، أو أنَّه يمحى به لكن بالتَّدريج إلى أن يضمحلَّ في زمن عيسى بن مريم عليهما السَّلام؛ لأنَّه يرفعُ الجزية، ولا يقبل إلَّا الإسلام وفيه نظرٌ؛ لأنَّ كفرَ يأجوج ومأجوج موجودٌ حينئذٍ.
ويُجاب بأنَّه وجد في الجملة، وأمَّا عدم الاستمرار فأمرٌ آخر، بل إيماء إلى أنَّه لمَّا وصل إلى الكمال تعقَّبه الزَّوال، ولذا لا تقومُ السَّاعة وفي الأرض من يقول الله.
وقال الحافظ العسقلانيُّ وفي رواية نافع بن جُبير عند ابن سعدٍ (( وأنا الماحِي فإنَّ الله يمحو به سيِّئات من اتَّبعه ) )وهذا يُشبه أن يكون من قول الرَّاوي، انتهى.
ويوضِّحه أنَّه قال «يمحو به» ، لا يمحو بي، إلَّا أنَّه يمكن الجمع بأن يقال وجه التَّسمية قد يكون متعددًا، ثمَّ قوله «يمحو به سيئات من اتَّبعه» ؛ أي من آمن به فيمحو عنه ذنب كفره وسائر ما عمله فيه، قال تعالى {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ} [الأنفال 38] . وقال صلى الله عليه وسلم (( الإسلامُ يهدمُ ما قبله ) ).
وخُصَّ صلى الله عليه وسلم بهذا الاسم؛ لأنَّه لم يُمحَ
ج 16 ص 9
الكفْر بأحدٍ مثلَ ما مُحِيَ به صلى الله عليه وسلم إذ بُعِث، وقد عمَّ الكفر الأرض، وأكثرهم لا يعرفون ربًّا ولا معادًا، بل منهم من يعبدُ الحجرَ، أو الكواكب، أو النَّار، فمحا ذلك كلَّه وظهر دينه على كلِّ دينٍ وبلغَ مبلغ الجديدين، وسار مسيرَ القمرين.
ثمَّ إنَّ الظَّاهر في الحديث أن يُقال الَّذي يمحو الله به الكفر، اعتبارًا للموصول إلَّا أنَّه اعتبر المعنى المدلول للفظ «أنا» ، كقول عليٍّ رضي الله عنه
(( أنا الذي سمَّتن أمي حيدره ) ).
(وَأَنَا الْحَاشِرُ الَّذِي يُحْشَرُ النَّاسُ) على البناء للمفعول (عَلَى قَدَمِي) أي على إثري؛ أي أنَّه يحشر قبل النَّاس، وهو أوَّل من يحشر، كما جاء في حديثٍ آخر (( أنا أوَّل من تنشقُّ عنه الأرض ) ) [خ¦2412] ، فالمعنى أنَّهم يحشرون بعدي، أو يتَّبعوني.
وقال ابنُ الجزري أي يحشر النَّاس على أثرِ زمان نبوَّتي ليس بعدِي نبيٌّ، فالمراد بالقدم الزَّمان؛ أي وقت قيامِي على القدم بظهورِ علامات الحشرِ، ويرجِّحه ما وقع في رواية نافع (( أنا حاشرٌ بُعثت مع السَّاعة ) )وقيل معنى القدم السَّبب. وقد رُوِي بالتَّشديد على التَّثنية، وبتخفيف الياء على الإفراد. وجاء في روايةٍ أخرى «على عقبي» بالتَّخفيف والتَّشديد أيضًا؛ أي على إثري، ثمَّ كل من الماحي والحاشر في الحقيقة هو الله سبحانه فإطلاقهما عليه لكونه سببًا لهما.
(وَأَنَا الْعَاقِبُ) وهذا هو الخامس من الخمسة؛ أي الذي جاء عقب الأنبياء، قاله القسطلانيُّ وذلك إذ العاقب هو الآخر، ولو كان نبيٌّ بعده لكان هو العاقبُ دونه فثبت أنَّه عقب الأنبياء؛ أي آخرهم، وفي «النِّهاية» هو الذي يخلف من كان قبله في الخير.
وزاد يونسُ بن يزيد في روايته عن الزُّهري الذي ليس بعده أحدٌ، وقد سمَّاه الله رؤوفًا رحيمًا. وقال بعضُهم أعطاهُ الله تعالى اسمين من أسمائه رؤوفٌ رحيم.
قال البيهقيُّ في «الدلائل» قوله «وقد سمَّاه الله ... إلى آخره» مدرجٌ من قول الزُّهري. وقال الحافظُ العسقلاني وهو كذلك في الظَّاهر، وكأنَّه أشار إلى ما في آخر سورة براءة.
وأمَّا قوله «الذي ليس بعده أحدٌ» ، فالظَّاهر أنَّه مدرجٌ أيضًا، لكنَّه وقع في رواية سفيان بن عُيينة عند التِّرمذي في «الجامع» بلفظ (( الذي ليس بعده نبيٌّ ) ).
ووقع في رواية نافع بن جُبير فإنَّه عقب الأنبياء، وهو يحتملُ الرَّفع والوقف.
ج 16 ص 10
وقال البيهقيُّ العاقب يعني الخاتم، وفي لفظ (( الماحي والخاتم ) )، وفي لفظ (( وأنا حاشرٌ فبعثت مع السَّاعة نذيرًا لكم بين يدي عذاب شديدٍ ) ).
هذا وممَّا وقع من أسمائه صلى الله عليه وسلم في القرآن الطَّاهر المبشر النَّذير المبين، الدَّاعي إلى الله، السِّراج المنير، وفيه أيضًا المذكِّر والرَّحمة والنِّعمة والهادي والشَّهيد والأمين والمزمِّل والمدَّثِّر. وفي حديث أبي موسى الأشعريِّ رضي الله عنه (( نبي التَّوبة، ونبيُّ الملحمة ) ). وعن أبي صالح قال صلى الله عليه وسلم (( إنَّما أنا رحمةٌ مهداة ) ).
وقال أبو زكريا العنبريُّ لنبينا صلى الله عليه وسلم خمسة أسماءٍ في القرآن العظيم قال الله عزَّ وجلَّ {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ} [الفتح 29] ، وقال {وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ} [الصف 6] ، وقال {وأنَّه لمَّا قام عبد الله} _ يعني النَّبي صلى الله عليه وسلم ليلة الجنِّ _، وقال {طه} ، وقال {يس} يعني يا إنسان، والإنسان هنا العاقل وهو محمَّد صلى الله عليه وسلم. وقال البيهقي وزاد عبده، وسمَّاه في القرآن رسولًا نبيًّا، أميًّا، وسمَّاه شاهدًا ومبشرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا، وسمَّاه مذكرًا ورحمة وجعله نعمةً وهاديًا.
وعن كعبٍ قال الله عزَّ وجلَّ لمحمد «عبدي المتوكل المختار» . وعن حذيفة بسندٍ صحيحٍ يرفعه (( أنا المقفَّى [4] ، ونبيُّ الرَّحمة ) ). وعن مجاهدٍ قال صلى الله عليه وسلم (( أنا رسول الرَّحمة، أنا رسولُ الملحمة، بعثت بالحصادِ ولم أُبعث بالزراع ) )، وفي كتاب «الشِّفاء» (( وأنا رسول الرَّحمة ورسول الملاحم ) ).
وفي القرآن والسُّنة المزمل والمدثر، والنُّور والمنذر والبشير، والشَّاهد والشَّهيد، والحقُّ المبين والأمين، وقدم الصَّدق، ونعمة الله، والعروة الوثقى، والصِّراط المستقيم، والنَّجم الثَّاقب، والكريم، وداعي الله، والمصطفى والمجتبى، والحبيب ورسول ربِّ العالمين، والشَّفيع والمشفَّع، والمتَّقي والصَّالح والطَّاهر، والمهيمن والصَّادق والمصدوق، والهادي وسيد ولد آدم، وسيِّد المرسلين وإمام المتَّقين وقائد الغرِّ المحجَّلين، وحبيب الله وخليل الرَّحمن، وصاحب
ج 16 ص 11
الحوض المورود والشَّفاعة والمقام المحمود، وصاحب الوسيلة والفضيلة والدَّرجة الرَّفيعة، وصاحب التَّاج والمعراج، واللواء والقضيب، وراكب البراق والنَّاقة والنَّجيب، وصاحب الحجَّة والسُّلطان والعلامة والبرهان، وصاحب الهراوة والنَّعلين والمختار، ومقيم السُّنة والمقدس وروح الحقِّ، وهو معنى الفارقليط في الإنجيل.
وقال ثعلبٌ الفارقليط الذي يفرِّق بين الحقِّ والباطل، وماذماذ ومعناه طيب طيب، والبرقليطس بالرُّومية.
وقال ثعلب الخاتم الذي خُتِم به الأنبياء، والخاتم أحسن الأنبياء خَلقًا وخُلقًا، وفي التَّوراة آَحِيد، ذكره ابنُ دحية بمد الألف وكسر الحاء، ومعناه آحِيد أمَّتي عن النَّار، وقيل معناه الواحد.
وقال القاضي ومعناه صاحب القضيب؛ أي السَّيف، وقع ذلك مفسرًا في الإنجيل، قال معه قضيبٌ من حديد يقاتل به وأمَّته كذلك.
وقد يحمل على أنَّه القضيب الممشوق الذي كان يمسكه صلى الله عليه وسلم.
وأمَّا الهراوة التي وصف بها فهي في اللُّغة العصا.
وأمَّا التَّاج فالمراد به العمامة ولم تكن حينئذٍ إلَّا للعرب، والعَمائم تيجانُ العرب.
وفي «الدر المنظَّم» من أسمائه المصدق المسلم الإمام المهاجر العامل أُذُن خيرٍ، الآمر النَّاهي، المحلِّل المحرِّم، الواضع الرَّافع المخبر.
وقال ابنُ دحية قال بعضُهم أسماء النَّبي صلى الله عليه وسلم عدد أسماء الله الحسنى تسعة وتسعون اسمًا، قال ولو بحث عنها باحثٌ لبلغت ثلاثمائة اسمٍ.
وقد نقل ابنُ العربي في «شرح التِّرمذي» عن بعض الصُّوفية أنَّ لله تعالى ألف اسمٍ، ولرسوله صلى الله عليه وسلم ألف اسم.
فائدة نقل السُّيوطي عن البارزي أنَّ أسماءه صلى الله عليه وسلم توقيفيَّة كأسمائهِ تعالى، وقد نقل الحافظ العسقلاني عن بعضِ شيوخه أنَّ المصطفى صلى الله عليه وسلم وإن كان ذا أسماء كثيرةٍ لكن لا ينبغِي أن ينادى بشيءٍ منها، بل يقال يا رسول الله، يا نبيَّ الله.
تنبيه كما أنَّ له صلى الله عليه وسلم أسماءٌ كثيرة فله كنى كثيرة كذلك، فأشرفها وأعرفها أبو القاسم، روى الحاكُم عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا (( أنا أبو القاسم ) ).
قال الإشبيليُّ في «الذخائر» كني به؛ لأنَّه يقسم الجنَّة بين الخلق يوم القيامة، انتهى.
والأشهر أنَّه إنَّما كُنِي به لكون القاسم أكبر أولادِهِ، ويحرم على غيره التَّكني به، وإن لم يكن اسمه
ج 16 ص 12
محمدًا، كما قاله النَّووي مخالفًا للرَّافعي في تخصيصه التَّحريم بمن يُسمَّى محمدًا، ولا يختصُّ التَّحريم بزمنه، كما صحَّحه النَّووي أيضًا، لكن يختار من جهة الدَّليل الاختصاص.
ومن كنَّاه أبو إبراهيم، روى الحاكم عن أنسٍ رضي الله عنه قال لمَّا ولد إبراهيم بن المصطفى صلى الله عليه وسلم أتاه جبريل فقال السَّلام عليك يا أبا إبراهيم.
ومنها أبو المؤمنين، كما ذكره بعضُ المفسِّرين.
ومنها أبو الأرامل ذكره في «الذخائر» ولم يقطعْ عليه ابنُ جماعة فعزاهُ في «شرح البخاري» لبعض مشايخه.
فائدة قال ابنُ القيِّم أسماؤه صلى الله عليه وسلم إذا كانت أوصاف مدحٍ فله من كلِّ وصفٍ اسم، لكن ينبغِي أن لا يشتقَّ الاسم إلَّا من وصفٍ يختصُّ به أو غالبٍ عليه، ولما كانت الأسماء قوالبُ المعاني اقتضتْ الحكمة أن تكون بينهما ارتباط وتناسب، فللأسماء تأثيرٌ في المسميات، وللمسمَّيات تأثيرٌ في الأسماء في الحسن والقُبح واللَّطافة والكثافةِ، كما قيل
~وَقَلَّ أَنْ أَبْصَرَتْ عَيْنَاكَ ذَا لَقَبٍ إِلَّا وَمَعْنَاهُ إِنْ فَكَّرْتَ فِي لَقَبِهْ
فاشتقَّ للمصطفى صلى الله عليه وسلم من صفاته أسماء مطابقةٍ للمعنى، والله تعالى أعلم.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرةٌ، وقد أخرجه البخاري في «التَّفسير» أيضًا [خ¦4896] ، وأخرجه مسلم في «فضائل النَّبي صلى الله عليه وسلم» ، والتِّرمذي في «الاستئذان» ، وفي «الشَّمائل» ، والنَّسائي في «التَّفسير» .
[1] في هامش الأصل أخرج الديلمي عن علي رضي الله عنه مرفوعًا أول ما في التوراة مكتوب محمد رسول الله ووجد مكتوب على ورد بالهند محمد رسول الله. منه.
[2] تعليق هذه الآثار دائرة بين شدة الضعف والوضع وفي فضائل نبينا الكريم أحاديث صحيحة تغني عنها والله تعالى أعلم.
[3] رواية عقيل ومعمر كما في الفتح «يمحو الله بي الكفرة» وهذا الفرق بين الروايتين ولعل التاء المربوطة سقطت من نسخة الفتح عند المؤلف.
[4] في هامش الأصل المقفى أي أثار من سبقه من الأنبياء وتبع أطوار من تقدمه من الأصفياء في أصل التوحيد ومكارم الأخلاق. منه.