6063 - (حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ) عبد الله بن الزُّبير المكيُّ، قال (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) هو ابن عُيينة، قال
ج 25 ص 512
(حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير بن العوَّام (عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا) أنَّها (قَالَتْ مَكَثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) بفتح الكاف وضمها (كَذَا وَكَذَا) قال العينيُّ أي أيامًا. وقال في «المصابيح» فُسِّر هذا في النَّسائي بشهرين، وفي رواية الإسماعيلي ممَّا سبق في «الطِّب» [خ¦5763] أربعين ليلةً، وعند أحمد ستَّة أشهرٍ. وفي «موطأ مالك» بإسنادٍ صحيحٍ سنَة، وهو المعتمد، وهذا في حديث السِّحر الَّذي صنعه لبيد بن الأعصم، قاله القسطلانيُّ.
(يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ يَأْتِي) أي يباشر (أَهْلَهُ وَلاَ يَأْتِي) أي لم يكن ثمَّة مباشرةً (قَالَتْ عَائِشَةُ) رضي الله عنها (فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم (لِي ذَاتَ يَوْمٍ) أي يومًا وهو من إضافة المسمَّى إلى اسمه (يَا عَائِشَةُ، إِنَّ اللَّهَ) عزَّ وجلَّ (أَفْتَانِي فِي أَمْرٍ) أي في أمر التَّخييل (اسْتَفْتَيْتُهُ فِيهِ أَتَانِي رَجُلاَنِ) هما جبريل وميكائيل بصورة الرَّجلين، كذا في رواية ابن سعدٍ في رواية منقطعةٍ (فَجَلَسَ أَحَدُهُمَا عِنْدَ رِجْلَيَّ) بتشديد التحتية على التثنية (وَالآخَرُ) وهو جبريل (عِنْدَ رَأْسِي، فَقَالَ الَّذِي عِنْدَ رِجْلَيَّ) وهو ميكائيل (لِلَّذِي عِنْدَ رَأْسِي مَا بَالُ الرَّجُلِ) يريد النَّبي صلى الله عليه وسلم، وفي «الطِّب» [خ¦5763] (( ما وجع الرَّجل ) ) (قَالَ مَطْبُوبٌ) فسَّره بقوله (يَعْنِي مَسْحُورًا) وهذا التَّفسير مدرجٌ في الخبر (قَالَ) أي ميكائيل لجبريل (وَمَنْ طَبَّهُ، قَالَ لَبِيدُ بْنُ أَعْصَمَ) وكان ساحرًا منافقًا، وفي «صحيح مسلم» أنَّه كان كافرًا (قَالَ) أي ميكائيل (وَفِيمَ) أي في أيِّ شيء سحره (قَالَ فِي جُفِّ) بضم الجيم وتشديد الفاء، وهو وعاء طلع النَّخل (طَلْعَةٍ ذَكَرٍ) صفة جفٍّ، ويطلق على الذَّكر والأنثى (فِي مُشْطٍ وَمُشَاقَةٍ) بضم الميم وتخفيف الشين المعجمة وبالقاف، وهو ما يُغزل من الكتَّان.
(تَحْتَ رَعُوفَةٍ) براء مفتوحة فعين مهملة مضمومة وبعد الواو الساكنة فاء، وهي حجرٌ في قعر البئر يقعدُ عليه المائح؛ ليملأ دلو المائح، كذا نُقِل عن الحافظ أبي ذرٍّ، وقيل غير ذلك كما مرَّ [خ¦5763] (فِي بِئْرِ ذَرْوَانَ) بفتح الذال المعجمة وسكون الراء وبالواو والنون،
ج 25 ص 513
وهو بستانٌ فيه بئرٌ بالمدينة (فَجَاءَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) في جماعةٍ من أصحابه (فَقَالَ هَذِهِ الْبِئْرُ الَّتِي أُرِيتُهَا) بهمزةٍ مضمومة فراء مكسوة (كَأَنَّ رُؤوسَ نَخْلِهَا رُؤوسُ الشَّيَاطِينِ) أي كأنَّ رؤوس نخل البستان الَّتي هي فيه رؤوس الشَّياطين في قبح منظرها، فإنَّ رؤوس الشَّياطين مَثَلٌ في استقباح الصُّورة؛ أي إنَّها وحشة المنظر، سمجة الشَّكل (وَكَأَنَّ مَاءَهَا نُقَاعَةُ الْحِنَّاءِ) بضم النون وتخفيف القاف وتشديدها، ما يُنقع فيه الحناء، والتَّشبيه في حُمرة لونه؛ أي إنَّه تغيَّر لونه لرداءته، ولما خالطه ممَّا ألقي فيه (فَأَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأُخْرِجَ) على البناء للمفعول؛ أي أخرج من تحت الرَّعوفة (قَالَتْ عَائِشَةُ) رضي الله عنها (فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَهَلاَّ؛ تَعْنِي) أي عائشة رضي الله عنها (تَنَشَّرْتَ) هو تفسير قوله «هلَّا» ، وفي رواية غير أبي ذرٍّ بالتحتية بدل الفوقية، وهو أيضًا مدرجٌ في الخبر، و «تنشَّرت» على وزن تفعَّلت. قال الجوهريُّ التَّنشر من النُّشْرَة _ بضم النون وسكون الشين المعجمة وفتح الراء _ وهي كالرُّقية هي الَّتي بها يُحَلُّ عقد الرَّجل عن مباشرة امرأته، فإذا نشر المسحور فكأنَّما نشط من عقال؛ أي يذهب عنه سريعًا، مِنْ نشر الشَّيء بمعنى إظهاره.
(فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَّا اللَّهُ) بتشديد الميم (فَقَدْ شَفَانِي) أي منه (وَأَمَّا أَنَا فَأَكْرَهُ أَنْ أُثِيرَ) بضم الهمزة بعدها مثلثة (عَلَى النَّاسِ شَرًّا) وفي الحديث لعلَّ طبًا أصابه؛ يعني سحرًا ثمَّ نشره بـ {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ} [الفلق 1] ؛ أي رقاه، وكذا قاله القزَّاز. وقال الدَّاودي معناه هلَّا اغتسلت ورقيت.
قال صاحب «التوضيح» وظاهر الحديث إن تنشرت أظْهرت السِّحر، توضِّحه الرِّواية الأخرى «هلا استخرجته» [خ¦3268] ، وروي أنَّه سُئل عن النُّشرة فقال هي من عمل الشَّيطان. وقال الحسن النُّشرة من السِّحر، وهو ضربٌ من الرُّقي والعلاج يعالج به من كان يُظنُّ أنه به شيئًا من الجنِّ.
وقال القاضي عياض النُّشرة
ج 25 ص 514
نوع من التَّطيب بالاغتسال على هيئاتٍ مخصوصة بالتَّجربة، لا يتخيَّلها القياس الظَّني، وقد اختلف العلماء في جوازِها. فإن قيل من قال إن تنشَّرت مأخوذٌ من النُّشرة أو من نشر الشَّيء إظهاره كيف يجمع بين قولها (( فأُخْرِج ) )، وبين قولها في الرِّواية الأخرى (( هلَّا استخرجته؟ ) ). فالجواب أنَّ الإخراج لأصل السِّحر، والاستخراج المنفيُّ كان لأجزاء السِّحر.
(قالَتْ) أي عائشة رضي الله عنها (وَلَبِيدُ بْنُ أَعْصَمَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي زُرَيْقٍ) بضم الزاي وفتح الراء (حَلِيفٌ) بفتح الحاء المهملة وكسر اللام؛ أي معاهدٌ (لِيَهُودَ) وفي رواية أبي ذرٍّ عن الكُشميهني بزيادة اللَّام.
ووجه المطابقة بين الحديث وبين الآيات على ما قال الخطَّابي أنَّ الله تعالى لمَّا نهى عن البغي، وأَعْلم أنَّ ضرر البغي على الباغي وضَمِن النَّصر لمن بُغي عليه، كان حقُّ من بغي عليه أن يشكرَ الله تعالى على إحسانه إليه بأن يعفوَ عمَّن بَغى عليه، ألا ترى أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم كيف ابتلي بالسِّحر ولم يعاقب ساحره مع قدرته على ذلك.
وقال الحافظ العسقلانيُّ ويحتمل أن تكون المطابقة من جهة أنَّه صلى الله عليه وسلم ترك استخراج السِّحر خشية أن يثور على النَّاس منه شرٌّ، فسلك مسلكَ العدل في أن لا يحصل لمن لم يتعاط السِّحر من أثر الضَّرر النَّاشئ عن السِّحر، وسلك مسلك الإحسان في ترك عقوبةِ الجاني، فظهر من ذلك وجه المطابقة بينه وبين التَّرجمة الأخرى، وهي قوله «وترك إثارة الشَّر على مسلمٍ أو كافرٍ» ، حيث قال وأمَّا أنا فأكره أن أُثير على النَّاس شرًّا.
وقد مضى الحديث في «كتاب الطب» ، في باب «السِّحر والله هو الشَّافي» [خ¦5763] .